مع تَراجُعِ حِدَّةِ المُواجَهَةِ السِّياسِيَّةِ والإِعْلامِيَّةِ بَيْنَ الرِّياضِ وَأَبو ظَبي، لَمْ يُرافِقْ ذَلِكَ تَهْدِئَةٌ على الأَرْض، إِذْ تُشيرُ المُعْطَياتُ إلى أَنَّ حَليفَ أبو ظبي الأَساسيَّ "المَجْلِسَ الانْتِقاليَّ الجَنوبيَّ" المُطالِبَ بِانْفِصالِ الجَنوب "لَمْ يُسَلِّمْ بِالأَمْرِ الواقِع". كَما أَنَّ الوَضْعَ المَيْدانِيَّ لا يُنْبِئُ بِاسْتِسْلامِ هَذَا المُكَوِّن، على الرَّغْمِ مِنْ خَسارَتِهِ مُعْظَمَ المُحافَظاتِ التي كَانَتْ قُوّاتُهُ قَدْ سَيْطَرَتْ عَلَيْها مَعَ نِهايَةِ عامِ 2025. إِذْ لا يَزالُ يَحْتَفِظُ بِقُوَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ كَبيرَةٍ في مُحافَظَتَيِ الضّالِعِ وَلَحْج، وَلَهُ حُضورٌ فاعِلٌ في مَدينَةِ عَدَنَ التي تَتَّخِذُها الحُكومَةُ مَقَرًّا لَها.
وَمَعَ إِعْلانِ تَشْكيلَةِ الحُكومَةِ الجَديدَة، التي ضَمَّتْ قِياداتٍ سابِقَةً في المَجْلِسِ الانْتِقالِيّ، كانَتْ قَدْ أَعْلَنَتْ حَلَّ هَذَا المُكَوِّنِ السِّياسيِّ الذي تَأَسَّسَ مُنْتَصَفَ عامِ 2017 بِدَعْمٍ وَتَمْويلٍ إِماراتِي، فَإِنَّ عَوْدَةَ الحُكومَةِ إلى عَدَنَ وَمُمارَسَتَها لِمَهامِّها لا تَزالُ مَحَلَّ شَكّ، في ظِلِّ تَهْديدِ أَنْصارِ "المَجْلِسِ الانْتِقاليّ" بِمَنْعِ عَوْدَتِها، وَلِأَنَّ عَمَلِيَّةَ إِعادَةِ هَيْكَلَةِ التَّشْكيلاتِ الأَمْنِيَّةِ التي تُدينُ بِالوَلاءِ لِلإِمارات، لَمْ تُسْتَكْمَلْ حَتّى الآنَ على الرَّغْمِ مِنْ إِدْخالِ وَحَداتٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُوالِيَةٍ لِلرِّياضِ إلى المَدينَة.

وَوَسَطَ تَرَقُّبٍ مَشوبٍ بِالحَذَر، يَرى سِياسِيّونَ يَمَنِيّونَ أَنَّ فُرَصَ نَجاحِ الحُكومَةِ الجَديدَةِ تَبْقى مَحْدودَة، لِافْتِقارِها إلى كَفاءاتٍ قادِرَةٍ على مُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ الاقْتِصادِيَّة، التي كَانَتْ سَبَبًا في عَجْزِ الحُكوماتِ السّابِقَةِ عَنْ دَفْعِ رَواتِبِ المُوَظَّفينَ وَتَوْفيرِ الوَقودِ لِمَحَطّاتِ تَوْليدِ الكَهْرَباءِ وَتَوَقُّفِ صادِراتِ النَّفْطِ بِسَبَبِ تَهْديداتِ الحوثِيّين. وَيَعْتَقِدُ هَؤُلاءِ أَنَّ تَعَهُّدَ السُّعودِيَّةِ بِتَحَمُّلِ النَّفَقاتِ الحُكومِيَّةِ والسَّعْيِ لِتَحْقيقِ "قِصَّةِ نَجاحٍ" يُواجِهُ مَخاطِرَ أَمْنِيَّةً، في ظِلِّ غُموضِ مَصيرِ عَشَراتِ الآلافِ من الجُنودِ الذينَ كانوا يَعْمَلونَ ضِمْنَ قُوّاتِ "المَجْلِسِ الانْتِقالِيّ".
وإلى جانِبِ التَّحَدِّياتِ الاقْتِصادِيَّةِ والأَمْنِيَّة، تُواجِهُ الحُكومَةُ الجَديدَةُ أَيْضًا احْتِجاجاتٍ مُتَواصِلَةً يُنَظِّمُها أَنْصارُ "المَجْلِسِ الانْتِقاليِّ" المُطالِبونَ بِالِانْفِصال، اسْتَعْرَضوا خِلالَها قُوَّتَهُمْ في فَعّالِيّاتٍ عِدَّةٍ شَهِدَتْها مُحافَظاتُ عَدَنَ وَلَحْج وَحَضْرَمَوْت. وَأَظْهَرَ المُحْتَجّونَ قُدْرَةً على الحَشْدِ والتَّحَدّي، وَأَصْدَروا بَياناتٍ عِدائِيَّةً تُجاهَ الحُكومَةِ والسُّعودِيَّةِ مَعًا، مَعَ اسْتِمْرارِ الدَّعْوَةِ لِتَظاهُراتٍ مُماثِلَةٍ في عَدَنَ وَشَبْوَةَ وَغَيْرِها.
هَذِهِ التَّطَوُّراتُ تَتَزامَنُ مع تَأْكيدِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ أَنَّ الأَمْنَ الغِذائِيَّ في اليَمَنِ يَتَعَرَّضُ لِضُغوطٍ شَديدَةٍ نَتيجَةَ أَزَماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَمُتَداخِلَةٍ على الرَّغْمِ مِنِ ارْتِفاعِ وارِداتِ القَمْحِ إلى المَوانِئِ التي تُديرُها الحُكومَةُ اليَمَنِيَّةُ بِنِسْبَةِ 329%، فيما لَمْ تَتَجاوَزْ هَذِهِ النِّسْبَةُ 40% عَبْرَ المَوانِئِ التي يُسَيْطِرُ عَلَيْها الحوثِيّون، وَبَيَّنَتْ أَنَّ وارِداتِ الوَقودِ انْخَفَضَتْ بِشَكْلٍ حادٍّ إلى ميناءِ "رَأْسِ عيسى" الذي يُديرُهُ الحوثِيّونَ بِنِسْبَةِ 82%، بِسَبَبِ الغاراتِ الجَوِيَّةِ الإِسْرائيلِيَّةِ الأَخيرَةِ التي قَلَّصَتِ القُدْرَةَ التَّشْغيلِيَّةَ لِتِلْكَ المَوانِئ.

وَنَبَّهَتِ الأُمَمُ المُتَّحِدَة، في أَحْدَثِ تَقاريرِها، إلى أَنَّ الضُّغوطَ على الوَضْعِ الإِنْسانيِّ تَتَزايَدُ بِسَبَبِ انْهِيارِ الأُجورِ على نِطاقٍ واسِع، وَتَنامِي انْعِدامِ الأَمْنِ مُؤَخَّرًا، وَمَحْدودِيَّةِ المُساعَداتِ الغِذائِيَّةِ الإِنْسانِيَّة. وَقالَتْ إِنَّ النَّقْصَ المُحْتَمَلَ في الوَقودِ يُهَدِّدُ بِتَعْطيلِ سَلاسِلِ التَّوْريدِ وَدَفْعِ أَسْعارِ المَوادِّ الغِذائِيَّةِ إلى مُسْتَوَياتٍ أَعْلى. كَما أَنَّ وارِداتِ الوَقودِ المُتَقَلِّبَةَ عَبْرَ المَوانِئِ الخاضِعَةِ لِسَيْطَرَةِ الحوثِيّينَ تُسْهِمُ في تَقْويضِ اسْتِقْرارِ السّوق، ما يَزيدُ مِنْ عَدَدِ الأُسَرِ المُعَرَّضَةِ لِخَطَرِ "انْعِدامِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ الحاد"!.
(خاص "عروبة 22")

