مراجعات

في فَهْمِ الاسْتِقْطابِ وَمُقاوَمَتِه!

تَعْكِسُ المُتابَعَةُ الدَّقيقَةُ لِلحِواراتِ العامَّة، وَلا سِيَّما الدّائِرَةُ على المِنَصّاتِ الرَّقْمِيَّةِ بِتَطْبيقاتِها المُخْتَلِفَة، تَصاعُدًا مَلْحوظًا في حِدَّةِ اللُّغَةِ المُسْتَخْدَمَةِ التي تُجَسِّدُ مِزاجًا مُتَشَدِّدًا يُحَوِّلُ الحِواراتِ إلى سِجالاتٍ تُخْرِجُها عَنْ كُلِّ ما هُوَ لائِقٌ حَضارِيًا وَأَخْلاقِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ تَتَجاوَزُ الاخْتِلافَ الطَّبيعِيَّ في الآراءِ مُكَرِّسَةً وَمُرَسِّخَةً واقِعًا ثَقافِيًّا - فِكْرِيًّا اسْتِقْطابِيًّا شَديدَ الحِدَّةِ يَدْفَعُ - يُحَرِّضُ - في حالاتٍ غَيْرِ قَليلَةٍ إلى الإِقْصاءِ والنَّفي. كَما تُشيرُ المُتابَعَةُ أَيْضًا إلى أَنَّ هَذِهِ الظّاهِرَةَ تَكادُ تَكونُ سِمَةً كَوْكَبِيَّةً لا تَرْتَبِطُ بِسِياقٍ ثَقافِيٍّ بِعَيْنِهِ أَوْ تَتَقَيَّدُ بِواقِعٍ سِياسِيٍّ مُحَدَّدٍ. بِالطَّبْعِ تَخْتَلِفُ دَرَجَةُ الحِدَّةِ بِاخْتِلافِ دَرَجَةِ التَّطَوُّرِ المُجْتَمَعِيّ.

في فَهْمِ الاسْتِقْطابِ وَمُقاوَمَتِه!

تُؤَكِّدُ كُلُّ المُقارَباتِ التَّحْليلِيَّةِ لِلْحِواراتِ/لِلسِّجالاتِ الدّائِرَةِ هُنا أَوْ هُناكَ أَنَّنا أَصْبَحْنا أَمامَ أَزْمَةٍ حَقيقِيَّةٍ فيما يَتَعَلَّقُ بِقُدُراتِنا على التَّواصُلِ الإِنْسانيِّ والفِكْريِّ والعَمَليِّ على السَّواء. الأَمْرُ الذي يُؤَدّي، في بَعْضِ الأَحْيان، إلى إِعْلانِ القَطيعَةِ بِالكُلِّيَّةِ بَيْنَ أَطْرافِ السِّجال، أَوْ "المُتَساجِلين". هَكَذا تَحُلُّ الحالَةُ السِّجالِيَّةُ مَحَلَّ الحالَةِ الحِوارِيَّة، وَتَتَغَيَّرُ طَبيعَةُ الأَطْرافِ التي تُجَسِّدُ هَذِهِ الحالَةَ مِنْ مُحاوِرينَ إلى خُصومٍ يَتَساجَلون فيما بَيْنَهُم، حَيْثُ يَتَمَلَّكُ كُلُّ طَرَفٍ/خَصْمٍ شُعورًا إِقْصائِيًّا حِيالَ الطَّرَفِ/الخَصْمِ الآخَر. وَعَلَيْهِ لا يَعودُ الهَدَفُ هُوَ الحِوارُ وَتَبادُلُ مَنافِعِ الأَفْكارِ وَتَلاقُحُ الإِبْداعاتِ لِاسْتِخْلاصِ فِكْرَةٍ وَإِبْداعٍ جَديدٍ يَصُبُّ لِصالِحِ الخَيْرِ العامِّ الجامِعِ لِكُلِّ الأَطْراف، بَلِ انْقِضاضُ كُلِّ طَرَفٍ على الطَّرَفِ الآخَرِ تَغْليبًا لِفِكْرَةِ/لِأَفْكارِ كُلِّ طَرَف، حَتَّى لَوْ كانَ ذَلِكَ على حِسابِ إِعاقَةِ الخَيْرِ العامِّ ظَنًّا أَنَّهُمْ قَدْ يَسْتَأْثِرونَ بِهِ مِنْ دونِ الباقين. في هَذا السِّياقِ، رُبَّما يَكونُ السُّؤالُ الذي يَفْرِضُ نَفْسَهُ هُوَ ماهِيَّةُ الاسْتِقْطابِ الذي نَقْصِدُه؟ وَلِماذا سادَ وَتَداعِياتُه؟.

لَمْ يَعُدِ الاسْتِقْطابُ الذي نَقْصِدُهُ هُوَ تِلكَ الظّاهِرَةَ العابِرَةَ أَوِ العَرَضَ المُؤَقَّتَ مِنْ أَعْراضِ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ الوارِدِ حُدوثُها وَمُمارَسَتُها مِنْ حينٍ لِآخَر، بَل باتَ بُنْيَةً عَميقَةً تُشَكِّلُ الفَضاءاتِ الحِوارِيَّةَ المُخْتَلِفَة: العامَّةَ والرَّقْمِيَّة؛ وَمِنْ ثَمَّ تَحْكُمُ المَساراتِ الحِوارِيَّةَ المُخْتَلِفَةَ سَواءً بَيْنَ البُنى السُّلطَوِيَّةِ المُخْتَلِفَة: السِّياسِيَّة، والمَدَنِيَّة، والثَّقافِيَّة، والدّينِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ، أَوْ على مستوى تَوَجُّهِ العَلاقاتِ المُجْتَمَعِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى. في هَذا السِّياق، يَأْتي كِتابُ أُسْتاذِ الفَلْسَفَةِ السِّياسِيَّةِ الإِسْبانِيِّ "مانْويل أَلماغْرو" (Manuel Almagro) القَيِّمُ الصّادِرُ قَبْلَ شُهورٍ المُعَنْوَن: "صُعودُ الِاسْتِقْطاب: الِانْفِعالات، السِّياسَة، والفَلسَفَةُ" (The Rise of Polarization: Affects, Politics & Philosophy)؛ لِيُقَدِّمَ "مُحاوَلَةً نَظَرِيَّةً لِفَهْمِ اسْتِشْراءِ الاسْتِقْطابِ وَلِماذا صارَ ظاهِرَةً حَياتِيَّةً مُرَكَّبَة؟.

اختلالات بنيوية مختلفة أدّت إلى إحداث تغيُّرات صبّت في اتجاه انكفاء الفئات والشرائح والطبقات المجتمعية على نفسها

يَنْطَلِقُ "أَلماغْرو" في أُطْرُوحَتِهِ مِن: أَوَّلًا: نَقْدِ التَّفْسيراتِ السّائِدَةِ التي تَخْتَزِلُ الاسْتِقْطابَ في انْقِسامٍ ثُنائِيٍّ بَسيطٍ بَيْنَ مُعَسْكَرَيْنِ مُتَخاصِمَيْن. وَيَرى ثانِيًا: أَنَّ هَذا الاخْتِزالَ لا يُفَسِّرُ لِماذا يَتَحَوَّلُ الخِلافُ السِّياسِيُّ إلى عَداءٍ أَخْلاقِيٍّ مِنْ جانِب، وَلِماذا يَفْشَلُ النِّقاشُ العَقْلانِيُّ في كَسْرِ دَوائِرِ الانْقِسامِ مِنْ جانِبٍ آخَر. لِذَلِكَ يَقْتَرِحُ ثالِثًا: إِطارًا تَحْليلِيًّا مُتَعَدِّدَ الأَبْعاد، يَجْعَلُ مِنَ الاسْتِقْطابِ العاطِفيِّ ظاهِرَةً مَرْكَزِيَّة، مِنْ دونِ عَزْلِها عَنِ السَّرْدِيّاتِ السِّياسِيَّة، وَأَنْماطِ التَّصْديق، واللُّغَةِ الانْفِعالِيَّة.

بِلُغَةٍ أُخْرى، يُحيلُ "أَلماغْرو" اسْتِشْراءَ الاسْتِقْطابِ إلى ما طالَ المُجْتَمَعاتِ مِنْ اخْتِلالاتٍ بُنْيَوِيَّةٍ مُخْتَلِفَة: اقْتِصادِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ وَثَقافِيَّة؛ أَدَّتْ إلى إِحْداثِ تَغَيُّراتٍ صَبَّتْ في اتِّجاهِ انْكِفاءِ الفِئاتِ والشَّرائِحِ والطَّبَقاتِ المُجْتَمَعِيَّةِ على نَفْسِها. نَتَجَ عَنْ هَذا الانْكِفاءِ أَنْ عادَتِ المُجْتَمَعاتُ إلى نَوْعٍ مِنَ العَلاقاتِ "ما قَبْلَ حَديثَة" تَتَّسِمُ بِالِانْقِسامِ بَدَلًا مِنَ الانْدِماج. بِمَعْنى آخَر، تَضاؤُل، كَما كَتَبْنا مَرَّة، الفَضاءِ الرَّئِيسِ الجامِعِ لِلمُخْتَلِفينَ لِصالِحِ الفَضاءاتِ الفَرْعِيَّة، حَيْثُ كُلُّ فَضاءٍ فَرْعِيٍّ لا يَسَعُ إِلّا لِلمُتَماثِلينَ فَقَط. أَيْ أَنَّ المُجْتَمَعَ يَتَحَوَّلُ مِنْ وَحْدَةٍ جامِعَةٍ لِلمُخْتَلِفينَ إلى "فُقاعاتٍ إِثْنِيَّةٍ مُغْلَقَة"، حَسَبَ أَحَدِ المُفَكِّرين.

في هَذا المَقام، يُنَبِّهُنا "أَلماغْرو"، في ضَوْءِ تَتَبُّعٍ دَقيقٍ لِجَذْرِ مَفْهومِ الاسْتِقْطابِ مِنْ مَنْظورِ عِلْمِ النَّفْسِ السِّياسِيّ، إلى أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ تَجاوُزِ التَّعْريفِ التَّقْليديِّ للِاسْتِقْطابِ بِاعْتِبارِهِ "نَمَطًا مِنَ المَشاعِرِ السَّلبِيَّةِ تُجاهَ المُخْتَلِفين"، إِذْ إِنَّ هَذا التَّعْريفَ يَعُدُّهُ "أَلماغْرو" قاصِرًا، "لِأَنَّهُ يَعْزِلُ العاطِفَةَ عَنِ السِّياقِ المَعْرِفيِّ والسَّرْديِّ الذي تُنْتَجُ داخِلَه".

في المُقابِلِ، يَطْرَحُ "مانْويل أَلماغْرو" تَصَوُّرًا للِاسْتِقْطابِ بِاعْتِبارِهِ "بُنْيَةً مُرَكَّبَةً"، تَتَداخَلُ فيها - إِضافَةً إلى المَشاعِرِ التي تُشَكِّلُ الاسْتِقْطابَ - أَنْماطُ الفَهْمِ والإِدْراك، والانْتِماء، والتَأْويل، وَسِياقاتُ الِاقْتِصاد، والسِّياسَة، والثَّقافَة، والإِثْنِيَّة. فالعاطِفَة، إِذَن، هُنا لَيْسَتْ رَدَّ فِعْلٍ تِلقائِيًّا، بَل حَسَبَ "أَلماغْرو" هِيَ نِتاجُ عَمَلِيَّةٍ طَويلَةٍ مِنَ "التَّشْكيلِ الثَّقافيِّ والسِّياسيِّ" والاقْتِصاديِّ والاجْتِماعِيّ. وَهُوَ تَشَكُّلٌ يُؤَسِّسُ رُؤْيَةً لِلعالَمِ يَرى مِنْ خِلالِها أَنْصارُ كُلِّ فَريقٍ - "فُقاعَةٌ إِثْنِيَّة"- خُصومَهُمْ، حَسَبَ الكِتاب، بِوَصْفِهِمْ "غَيْرَ عَقْلانِيّينَ أَوْ غَيْرَ أَخْلاقِيّينَ أَوْ حَتّى غَيْرَ إِنْسانِيّين. بِهَذا المَعْنى، لا يَكونُ الاسْتِقْطابُ مُجَرَّدَ خِلافٍ سِياسِيّ، بَل تَحَوُّلًا في البُنْيَةِ الإِدْراكِيَّةِ لِلعَلاقاتِ الاجْتِماعِيَّة". ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اسْتِشْراءُ الفِكْرِ والسُّلوكِ والفِعْلِ الاسْتِقْطابيِّ في كُلِّ تَفْصيلَةٍ مِنْ تَفاصيلِ الحَياةِ اليَوْمِيَّة. كَذَلِكَ "رَبْطُ الاسْتِقْطاب، حَسَبَ "أَلماغْرو"، بِالسَّرْدِيّاتِ السِّياسِيَّةِ التي تَمْنَحُ الأَفْرادَ إِحْساسًا بِالهُوِيَّةِ والمَعْنى". أَيْ تُصْبِحُ الهُوِيَّة، عِنْدَئِذٍ، مُتَفَرِّدَةً وَمُتَعالِيَة. كَما يَتَحَدَّدُ المَعْنى، بِالتّالي، وَفْقَ السَّرْدِيَّةِ الذّاتِيَّةِ لِكُلِّ فَريقٍ كَوْنَها مِثالِيَّةً وَغَيْرَ قابِلَةٍ لِلمُراجَعَة. وَعِنْدَ بُلوغِ هَذِهِ المَرْحَلَةِ مِنَ "التَّصْديق credence"؛ أَوِ اكْتِسابُ السَّرْدِيَّة، أَيِّ سَرْدِيَّة، يَقينًا بِالصِّحَّة؛ فَإنَّنا نَكونُ أَمامَ واقِعٍ كَما يَقولُ "أَلماغْرو": "لا تُقَيَّمُ الأَفْكارُ بِناءً على صِدْقِها أَوِ اتِّساقِها"، بَل بِناءً على ما يَضْمَنُ البَقاءَ لِأَصْحَابِها، حَتّى لَوْ كانَ ذَلِكَ على حِسابِ الحَقيقَةِ أَوِ النَّفْعِ العامّ. أَيْ يُصْبِحُ التَّصْديقُ "فِعْلَ وَلاء، لا حُكْمًا مَعْرِفِيًّا". وَعَلَيْهِ يُسْهِمُ الاسْتِقْطابُ في تَأْجيجِ الصِّدامِ وَيَرْسُمُ الحُدودَ الفاصِلَةَ غَيْرَ القابِلَةِ لِلتَّواصُلِ وَدُخولِ العالَمِ زَمَنَ ما بَعْدَ الحَقيقَةِ مِنْ ناحِيَةٍ، وَلِلِانْقِيادِ في عَصْرِ الأوليجارْكِيَّةِ الجَديدَةِ مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى.

مواجهة الاستقطاب ليست ذهنية فقط بل سياسية واجتماعية

فَفي زَمَنِ ما بَعْدَ الحَقيقَة؛ لا تَعودُ الوَقائِعُ المَوْضوعِيَّةُ أَوِ الحُجَجُ العَقْلانِيَّةُ هِيَ ما يُشَكِّلُ الرَّأْيَ العامَّ بِقَدْرِ ما تَفْعَلُ الانْفِعالات، والسَّرْدِيّاتُ التَّعْبَوِيَّة، والوَلاءاتُ الهُوِيّاتِيَّة. وَفي زَمَنِ الأوليجارْكِيَّةِ الجَديدَة؛ يُصْبِحُ الاسْتِقْطابُ الأَداةَ المِثالِيَّةَ لِتَعْميقِ فَجْوَةِ الاخْتِلالات. فَحينَ يَتَشَظّى المَجالُ العامُّ الطَّبيعِيُّ والرَّقْمِيُّ يُصْبِحُ المُجْتَمَعُ أَقَلَّ قُدْرَةً على مُساءَلَةِ البُنى السُّلطَوِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ وَأَكْثَرَ قابِلِيَّةً لِلانْقِياد.

الخُلاصَة، الاسْتِقْطابُ لَيْسَ نَقيضًا لِلدّيموقْراطِيَّةِ والمُواطَنَةِ والعَدالَةِ فَقَط، بَل كَما يَخْلُصُ مانْويل أَلماغْرو، "إِحْدى آلِيّاتِ تَفْريغِها مِنْ مَضْمونِها". وَمِنْ ثَمَّ مُواجَهَةُ الاسْتِقْطابِ لَيْسَتْ ذِهْنِيَّةً فَقَط، بَل سِياسِيَّة واجْتِماعِيَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن