صحافة

"المشهد اليوم".. تَصعيدٌ في الضِفَّة ومفاوضاتُ جِنيف بَينَ التهديدِ والحوار!إسرائيل تستهدفُ عناصرَ من "الجِهاد" عندَ الحدودِ السورية.. ومسودةُ اقتراحٍ أميركيةٍ لِإنهاءِ حربِ السودان

صورة نشرها موقع لاريجاني الرسمي من مباحثات أجراها مع وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في مسقط الثلاثاء

مع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، تبدو الجولة الثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، والمتوقع عقدها غدًا في العاصمة السويسرية جنيف بوساطة عُمانية، في غاية الأهمية، حيث تعتبر مصيرية في تحديد مسار الأمور بين البلدين، لاسيما بعد الدخول الاسرائيلي "المقلق" على هذا الخط. وبينما تنقسم الإدارة الأميركية بين من يريد حوارًا ودبلوماسية وبين من يشجع على توجيه ضربة قاصمة للنظام الإيراني، يجنج الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو استمرار المباحثات ولكن مع ممارسة ضغوط قصوى بهدف التوصل لتسوية "مُربحة". أما طهران فتجدّد التمسك بحقوقها النووية ورفضها التفاوض سوى على الملف النووي، وتؤكد استعدادها لمواجهة أي حرب قد تُفرض عليها.

وتهاب ايران ما يُحكى في العلن – كما في الغرف الضيقة – عن محاولات لتغيير النظام بظل استمرار حالة الاحتقان في البلاد، التي لم تخرج بعد من تداعيات التظاهرات الأخيرة وما رافقها من جدل حول اساليب القمع والترهيب التي تمت ممارستها على المحتجين. وأفادت قناة "إيران إنترناشونال التلفزيونية" - التي تبث من خارج البلاد - بإطلاق هتافات مناوئة لنظام الحكم في أنحاء من طهران أمس على الرغم من الرقابة والتشدّد الصارم الذي تفرضه القوات الأمنية. وترفض طهران الاعتراف بالأسباب الحقيقية للاحتجاجات وتفضل سياسة "كم الأفواه" في وقت تزداد الظروف الاقتصادية والمعيشية في التردي بسبب العقوبات المفروضة. وأمام هذا المشهد المُعقد ذكرت وكالة "تسنيم" أن الوفد الإيراني برئاسة الوزير عباس عراقجي أعدّ حزمة مقترحات للمفاوضات، ونقلت عن عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى إبراهيم رضائي قوله إن طهران "غير متفائلة كثيرًا" بالنتائج بسبب سوابق واشنطن في انتهاك الاتفاقيات، مشددًا على أن بلاده لن تناقش وقف تخصيب اليورانيوم أو إخراج مخزونها المخصب، كما أكد أن المحادثات لن تشمل الملف الصاروخي أو القضايا الإقليمية.

البنود الايرانية الواضحة تأتي بينما حدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سلسلة من الشروط التي يعتبرها ضرورية لإبرام أي اتفاق نووي مرتقب بين الولايات المتحدة وإيران. وكشف الأخير أنه أبلغ الرئيس الأميركي، خلال اللقاء الذي عُقد بينهما يوم الأربعاء الماضي، بضرورة أن يتضمن أي اتفاق مع طهران "تفكيك البنية التحتية النووية"، وليس مجرد وقف عملية التخصيب. كما حدّد عناصر أساسية يراها مهمة لإنجاز الاتفاق، تشمل نقل اليورانيوم المخصب بكامله إلى خارج إيران، وتفكيك المعدات والبنية التحتية التي تسمح بالتخصيب "في المقام الأول"، إضافة إلى حل مسألة الصواريخ الباليستية. وهذا السقف العالي يؤكد أن الأمور لن تكون في غاية السهولة وأن ما يعترض المفاوضات من عقبات وعراقيل أكثر بكثير من المساعي المبذولة لتهدية الأوضاع وخفض منسوب التوتر. ولكن العبرة تبقى في النتائج خاصة أن الجانبين، ورغم التراشق الكلامي والاتهامات المتبادلة، يتمسكان بالمفاوضات الجارية والتي تلعب عدة دول دورًا مهمًا أيضًا في تقريب وجهات النظر، ومن هنا يمكن تحديد أهمية الزيارة التي قام بها الأمين الأعلى لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني الأسبوع الماضي، والتي شملت كل من مسقط والدوحة.

هذا دون أن نغفل الدور التركي والروسي الذي يعمل على إزالة بعض العقبات، بهدف منع الأمور من الإنفلات وبالتالي فشل مسار المباحثات مجددًا والعودة إلى الحرب، خصوصًا ان أي تحول سياسي سيطرأ على طهران سيكون له تداعيات على المنطقة وتوازناتها بظل التشابك الحاصل في الملفات والقضايا. فما يجري في ايران ليس محصورًا داخل البلاد بل يمتد إلى الأزمة المستفحلة في بغداد بعد الرفض الأميركي لإسم رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي لتولي منصب رئاسة الوزراء وسعي واشنطن لتقليم "أظافر" طهران والحدّ من نفوذها وسطوة الأطراف المحسوبة عليها. وهو الأمر نفسه تقوم به في لبنان من خلال الضغط على الحكومة لسحب سلاح "حزب الله" وتنشيط دورها على كامل أراضيها. بينما تستمر تل أبيب في عملياتها العسكرية التي تضع البلاد في مخاض عسير. وأمس شنّ الجيش الإسرائيلي غارةً جوية استهدفت سيارة شرقي لبنان، قرب الحدود السورية، وتحديدًا في منطقة مجدل عنجر. وبحسب وزارة الصحة فقد أدت الضربة إلى سقوط 4 أشخاص، فيما سارع جيش الاحتلال إلى الإعلان أنه استهدف "عناصر إرهابية في حركة الجهاد" الفلسطينية. وهذه المرة الأولى التي تعلن فيها إسرائيل استهداف حركة "الجهاد" إنطلاقًا من لبنان، منذ التوصل إلى الهدنة الهشة.

تزامنًا، نشر مركز "ألما" الإسرائيلي تقريرًا جديدًا قال فيه إنّ "حزب الله" عمّد إلى عملية إعادة هيكلة داخلية واسعة، موضحًا أن هذه العملية شملت تعييناتٍ على مستوى رفيع، وتركيزًا للسّلطات، وإنشاء أو إعادة تفعيل أطرٍ تنظيمية متخصصة ضمن المجالات السياسية المدنية، الإدارية والإعلامية. ووفق المركز عينه، تعكس الخطوة محاولةً استراتيجيةً لإعادة تثبيت مراكز إتخاذ القرار، وتقليص استقلالية الوحدات الفرعيّة. وهذه التغييرات على مستوى القيادة والأفراد تأتي لتواكب الظروف التي يمرّ بها الحزب داخليًا وخارجيًا بعد الضربات الإسرائيلية التي طالت كبار المسؤولين فيه كما تشديد العقوبات الأميركية من اجل تجفيف منابع تمويله. والفصل بين ما يدور في لبنان وغزة غير ممكن، خاصة أن الاحتلال الاسرائيلي يعتمد "التكتيك والاستراتيجية عينها"، فهو يوافق على اتفاق وقف النار كلاميًا فقط دون أي مؤشرات حقيقية. ففي غزة، استشهد 11 شخصًا وأُصيب 9 آخرين، خلال الساعات الـ24 الماضية، ليرتفع عدد الضحايا منذ إقرار الهدنة إلى 601، إلى جانب 1607 جريحًا. إلى ذلك، أفادت مصادر ميدانية في غزة بأن الغارات استهدفت بعضًا من نشطاء الأجنحة العسكرية لفصائل فلسطينية من "سرايا القدس" و"كتائب القسام".

ولا يمرّ يوم دون أن يكون القطاع المدمر على موعد مع ظروف إنسانية صعبة، فيما تفشل الوساطات حتى اللحطة في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة. وكرّر نتنياهو في تصريحاته الأخيرة "النغمة" عينها عن ضرورة نزع سلاح "حماس"، مطالبًا بتسليم أسلحة الكلاشينكوف إضافة إلى قاذفات الصواريخ المضادة للدبابات وقذائف الهاون. ويسعى رئيس الوزراء الاسرائيلي إلى تجريد "حماس" والفصائل من أي طرق للمقاومة فيما تواصل قواته إجرامها بظل صمت أميركي تام عن الانتهاكات المتواصلة. وتستمر الولايات المتحدة بالتحضير لإنعقاد الجلسة الأولى لـ"مجلس السلام" في 19 شباط/فبراير الجاري، إذ أوضح الرئيس ترامب أن الدول الأعضاء في المجلس تعهدت بتقديم أكثر من 5 مليارات دولار لدعم الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار في قطاع غزة. وتشكك الكثير من الدول في غايات ومآرب هذا المجلس وتتخوف من أن يكون بديلًا عن "الأمم المتحدة" التي تمر بأوضاع صعبة نتيجة تقليص تمويلها وشنّ واشنطن حملات مكثفة عليها. والظروف في غزّة تتزامن مع المخطط الاستيطاني الخطير في الضفة الغربية، حيث صادقت الحكومة الإسرائيلية في جلستها الأسبوعية أمس على خطة واسعة لتسوية أراضي الضفة، في خطوة غير مسبوقة منذ حرب 1967، تهدف لتحويل مساحات من الأراضي الفلسطينية إلى أملاك "دولة إسرائيل"، تمهيدًا لمخطط ضم وفرض السيادة الإسرائيلية عليها. وقدّم الاقتراح وزير العدل ياريف ليفين، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، وسيسمح بتجديد الاستيطان على نطاق واسع.

هذه الخطوات الاستيطانية الضخمة من شأنها زيادة التوتر السياسي والاحتكاكات على الأرض، فيما تثار تساؤلات جدية حول مستقبل العملية السياسية وحل الدولتين والدور الأميركي خاصة أن ترامب نفسه وعد الدول العربية في وقت سابق بأنه سيقف ضد أي مخططات اسرائيلية لضم أراضي الضفة. وكانت العديد من الدول العربية والإسلامية، وعلى رأسها الأردن وقطر ومصر وتركيا، ندّدت بالإجراءات المتخذة، معتبرة ذلك تصعيدًا غير مسبوق يمهد لتثبيت السيطرة الإسرائيلية وفرض وقائع بقوة السلاح. بدورها، حذّرت رئاسة السلطة الفلسطينية من تداعيات القرار المُتخذ وقالت ما يجري "يمثل ضمًا فعليًا للأرض الفلسطينية، ويعكس بدء تنفيذ مخططات تهدف إلى تكريس الاحتلال عبر التوسع الاستيطاني غير الشرعي". ويعيش الفلسطينيون "نكبة جديدة" حيث تزداد الوحشية الاسرائيلية وهجمات المستوطنين التي تترافق مع ارتفاع وتيرة الهدم والسطو على الممتلكات والأراضي. في سياق متصل، أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الرئيس ترامب أثار جدلًا واسعًا في تل أبيب بعد أن وصف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بأنه "مشين"، لأنه لم يمنح العفو بعد لنتنياهو في محاكمته المستمرة بتهم الفساد. وذكرت في تقريرها أن الجدل بشأن تصريحات ترامب تناول حدود التدخل الأميركي في شؤون حليف إستراتيجي، واستقلالية الرئيس الإسرائيلي وسيادة القانون.

وعلى الرغم من أن الأنظار لابد أن تتجه إلى الضفة المحتلة بعد غزة للوقوف عند المخططات الاسرائيلية، يبدو أن سوريا تحاول النهوض مجددًا من كبوتها، فيما يُنتظر أن تبدأ الخطوات الأخرى المتعلقة بالإتفاق الذي تم بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). وإذ أوضح قائد "قسد" مظلوم عبدي أنهم يريدون "حكمًا كرديًا محليًا تحت أي مسمى كان"، لفت إلى أنه طلب خلال اجتماعاته مع الأميركيين والبريطانيين، على هامش "مؤتمر ميونيخ للأمن"، "آلية" لتنفيذ الاتفاق مع دمشق و"اتخاذ موقف" في حال "تكرار الهجمات" ضد مناطق الأكراد. في إطار متصل، كشف وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو عن طلب الرئيس دونالد ترامب من نظيره السوري أحمد الشرع وقف القتال في شمال شرق سوريا، بهدف نقل معتقلي تنظيم "داعش" وإعادة دمج "قسد" ضمن القوات السورية. كما وصف إجتماعه مع وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني وقائد "قسد" بـ"التاريخي"، مؤكدًا أن تطبيق الاتفاق المبرم بين الجانبين "لن يكون سهلًا"، لكنه شدّد على ضرورة الإلتزام به. يُشار إلى أن وزارة الدفاع السورية تسلّمت أمس قاعدة الشدادي العسكرية بريف الحسكة بعد التنسيق مع الجانب الأميركي، بحسب ما أوردته وكالة "سانا" للأنباء.

في الشؤون العربية الأخرى، كشف المستشار الخاص للرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط مسعد بولس أن واشنطن تضع اللمسات الأخيرة لإرسال المسودة النهائية لآلية أممية مقترحة لمراقبة هدنة إنسانية في السودان إلى طرفي الصراع. وتعيش البلاد أزمة إنسانية تزيد من معاناة السكان هناك وسط إنعدام أدنى مقومات الحياة. أما في الملف اليمني، فقد أكد رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني أن دعم المجتمع الدولي للحكومة اليمنية الشرعية "لا يمثل موقفًا سياسيًا فحسب، بل يُعد استثمارًا في تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية أمن الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب".

وإليكم هنا أبرز ما تناولته الصحف العربية الصادرة اليوم، الاثنين:

كتبت صحيفة "الخليج" الإماراتية "إذا كانت المفاوضات أداة من أدوات الصراع وليست بديلًا عنه، فإن المفاوضات في العلاقات الدولية ليست دائمًا وسيلة تهدئة، إنما قد تكون وسيلة لاستكشاف نوايا الخصم وحدود تنازلاته، من أجل كسب المزيد من الوقت واستكمال الاستعدادات العسكرية للحظة التي يتم فيها اتخاذ قرار الحرب"، مشيرة إلى أن "جولة المفاوضات الثانية في جنيف سوف تكشف المدى الذي يمكن أن تصل إليه الولايات المتحدة وإيران، وما إذا كان خيار الحرب هو ما كانت تسعى إليه واشنطن في الأساس من خلال الحشد العسكري الضخم، وأن المفاوضات كانت مجرد ستار للمواجهة التي يتم الإعداد لها، كما حصل في 22 يونيو/ حزيران 2025 عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا مشتركًا".

صحيفة "عكاظ" السعودية، من جانبها، قالت "لا أحد يعلم للآن، ما الذي يدور في الغرف المغلقة؛ لأن العاصمتان – أي واشنطن وطهران - تتكلمان عن رياح تفاؤل، وفي الوقت نفسه يلوح كل منهما بشد أجزاء السلاح"، موضحة ان "لتل أبيب دورها في نقل الوضع من متوسط إلى حار جدًّا، ومن بارد إلى مستويات عالية من السخونة؛ لذلك لوحظت تغيّرات كثيرة في النبرة الأميركية بعد أقل من ساعة من لقاء نتنياهو بالرئيس ترامب في البيت الأبيض"، متسائلة أيضًا "هل سيستجيب المفاوض الإيراني، الآن، لمطالب أمريكية تمليها تل أبيب؟!".

في سياق أخر، لفتت صحيفة "الغد" الأردنية إلى أن "القضية الفلسطينية تشهد مرحلة مفصلية تستوجب إعادة بناء الموقف الوطني على أسس قانونية وسياسية واستراتيجية متكاملة. فالواقع على الأرض، من استيطان مستمر وضم زاحف للأراضي الفلسطينية، يفرض توصيف فلسطين كـ دولة مستقلة معترف بها دوليًا، واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، كأساس لكل تحرك سياسي، ودبلوماسي، واستراتيجي"، مشدّدة على أن "إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال، في ضوء منظومة القرارات الدولية، ليس خطوة رمزية، بل تحول استراتيجي وطني وقانوني. فهو يؤكد شرعية الحقوق الفلسطينية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية".

أما صحيفة "الثورة" السورية، فرأت أنه "ومن أكثر الملفات حساسية هو ملفّ المخيّمات. فهذه المخيّمات التي شكّلت عنوان المعاناة السورية لسنوات، وقدّمت أثمانًا إنسانية هائلة، تبدو اليوم وقد تراجعت في سلّم الأولويات الخطابية والإعلامية. بل إنّ الحديث عنها تحوّل في بعض الأحيان إلى مجرّد روتين، أو إلى ظاهرة من المزاودة الخطابية". وأضافت "ما تزال الفرصة قائمة لمعالجة المؤشرات قبل تفاقمها. فالفجوات لا تتشكّل فجأة، بل تنمو بصمت. ومعالجتها المبكّرة أسهل بكثير من ترميمها بعد الاتّساع. وحين تدرك الدولة أنّ قوّتها الحقيقية كامنة في قربها من الناس، وتدرك الحواضن أنّ نجاح الدولة هو نجاح لها، يمكن حينها حماية روح الثورة من التآكل، وصون المسار من الانفصال عن جذوره الأولى."

(رصد "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن