رائحة اتفاق نووي من مسقط وجنيف

تبدو رائحة اتفاق تفوح في الأفق، كما يقول الإيرانيون اقتباساً من شاعرهم الروكي، ويمكن بهذا الأسلوب وصف وضع المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران بعد العودة إلى طاولة مسقط، في انتظار ما ستكشفه جولة الثلاثاء 17 شباط/فبراير في جنيف، بعد اجتماعهما غير المباشر في مسقط. فقد كانت العاصمتان المكان الطبيعي للمفاوضات النووية خلال السنوات السابقة، ما يعني أن طرفي النزاع ما زالا مقتنعين بالتزام خيار الديبلوماسية بطريقة تمهّد للتوصل إلى اتفاق، بخاصة أن البلدين المضيفين بعيدان عن الاتهام بالانحياز.

كما أن سلطنة عمان تمثل قناة مباشرة لتبادل الرسائل الحساسة بين واشنطن وطهران، لذلك كانت زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني مسقط حدثاً حساساً وحاسماً، وتلقّى خلالها رسالة تحمل مقترحات من واشنطن، وبعثتْ زيارته رسالة مفادها أن زيارة مسؤول من دائرة صنع القرار تعني الانتقال إلى مرحلة اتخاذ القرار، وأن طهران جادة في مفاوضاتها وتسعى سريعاً لإبعاد شبح الحرب.

تظهر كذلك إشارات تبرز أولوية الاتفاق على المواجهة، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن بنبرة حازمة، مع استعداده للانخراط في الديبلوماسية، أنه يتوقع التوصل إلى اتفاق خلال الشهر المقبل تقريباً، مطالباً بأن يتم ذلك بسرعة كبيرة وإلا ستكون العواقب وخيمة. كما حاول التغطية على الأصوات المعارضة في الكونغرس، مؤكداً أن القرار النهائي بشأن الاتفاق يعود إليه وحده.

أما وزير خارجيته ماركو روبيو، المعروف بتشدده، فقد عبّر عن رؤية ترامب لا رؤيته، قائلاً إن الرئيس يفضّل إبرام اتفاق مع إيران رغم صعوبة ذلك، وإنه مستعد للقاء المرشد علي خامنئي. وهذا يعكس تصدر المعسكر المؤيد للحل الديبلوماسي المشهدَ داخل البيت الأبيض، وهو ما ظهر من خلال مشاركة صهر ترامب جاريد كوشنر مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف في جولته في الشرق الأوسط شملت إسرائيل وسلطنة عمان.

ويبدو أن واشنطن مستعدة للتسامح مع مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم ضمن حدود متفق عليها، وربما يسعى ترامب لتجاوز اتفاق 2015 الموقت بالتوصل إلى اتفاق دائم يضمن تخصيباً لا يتجاوز أرقام الآحاد، مع احتمال تعليق عملية التخصيب موقتاً إلى حين تنظيم المراقبة بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهو ما أشار إليه مديرها رافائيل غروسي متحدثاً عن وجود تقدم في التعاون التقني والتوصل إلى اتفاقيات لاستئناف التفتيش، مؤكداً أن أي اتفاق من دون دور للوكالة مجرد حبر على ورق.

أمام هذه الإشارات الإيجابية، يمكن فهم التصريحات العدائية التي يطلقها ترامب وفريقه، مثل التلويح بأن تغيير النظام لا يزال خياراً مطروحاً، وإرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة والتباهي بالقوة العسكرية، وعزل إيران عن الاجتماعات الدولية باستبدال المسؤولين الإيرانيين برموز معارضة، إضافة إلى تشديد العقوبات في دول جوار إيران، باعتبارها أدوات ضغط خلال المهلة التي حددها ترامب للتوصل إلى اتفاق، وإلا سيتصدر المشهد بعدها المعسكر المتشدد. فالحشد العسكري الكبير حول إيران يهدف في هذه المرحلة للضغط بالتهديد، وفي حال الهجوم العسكري سيكون للاستعداد الكافي لاحتواء الانتقام الإيراني.

مع ذلك، لا يبدو أن أحداً يريد حرباً فعلية؛ فالولايات المتحدة تسعى لإعادة هندسة العالم بما يضمن أمن حلفائها مثل إسرائيل بما لا يثقل أعباءها مستقبلاً، وكذلك لديها حاجة إلى إيران مستقرة لتحفظ مصالحها الاقتصادية. وقد لخّص الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذه الحقيقة بقوله: لا دولة تستفيد من الحرب! وتشير مجمل المؤشرات الراهنة إلى أن الطرفين يدركان كلفة التصعيد، وأن المسار الديبلوماسي، رغم تعقيداته وضغوطه، يبقى الطريق الأقل خسارة والأكثر قدرة على تحقيق مكاسب متبادلة، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد شكل الاتفاق المنتظر.

(النهار اللبنانية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن