أعاد دونالد ترامب صديقه بنيامين نتنياهو إلى إسرائيل خائباً. هناك تقارب في الأفكار بينهما وربما تطابق في الأهداف لكن أسلوب تحقيقها يختلف. يعرف رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه سيحصل على ما يريده في إيران، لكن عليه ألا يكون في الواجهة هذه المرّة، لأن ترامب يقود ويعطي أذناً صاغية إلى أصدقاء آخرين في المنطقة. ويعرف نتنياهو دهاليز الإدارة الأميركية جيداً، ويعرف أكثر دواخل الإدارة الحالية، لذا ما كان له أن يتدخل بهذه الطريقة التي التقطها علي لاريجاني ساخراً فوصف نتنياهو بأنه يريد أن يعلّم الأميركيين كيف يُدار التفاوض.
قبل اللقاء مع ترامب للحديث عن إيران، طُلب من نتنياهو ما لم يكن راغباً فيه، وهو أن يوقع على وثيقة الانضمام إلى "مجلس السلام"، ففعل لكنه لم يُسأل عن الانتهاكات اليومية في غزّة والضفة الغربية. وقبل أن يدخل إلى المكتب البيضوي كان ترامب قد دوّن على منصة "تروث سوشال" أنه سيعطي فرصة للتفاوض مع إيران، فخسر نتنياهو لتوّه كل حجّة للإقناع بأن التفاوض غير مجدٍ. وحتى الحجة الأخرى بأن حشد القوّة الأميركية فرصة لتوجيه ضربة حاسمة لإيران ويجب ألا تفوّت فإن ترامب لا يريد أن يكون له شريك في إصدار الأمر في شأنها.
يطالب الإيرانيون باستئناف المفاوضات من حيث توقفت في حزيران/يونيو 2025، لأنهم كانوا، كما يقولون، على وشك إبرام اتفاق مع الأميركيين، ثم أشعلت إسرائيل الحرب لإحباطه. لو كان ذلك صحيحاً لما سمحت واشنطن بوقوع حرب لا تريدها، ولما حوّل ترامب المفاوضات إلى "خدعة حربية" ولما أمر بالضربات الجراحية للمنشآت النووية الكبرى. ولو كان صحيحاً أن هناك اتفاقاً شبه جاهزٍ لما وافق الآن على إرسال حاملات طائرات ثانية، لإجبار إيران على وقف محاولاتها طرح مساومات. قد يكون هناك تكرار للخدعة لكن بمناورة مختلفة.
عملياً، لم توافق طهران بعد على شروط واشنطن، ولم تتوصّل إلى صيغة لتبرير "تنازلاتها" داخلياً، والأرجح أنها لن تفعل لأن الموافقة هي بمثابة "الاستسلام" الذي سبق أن طلبه ترامب علناً.
أما قبول واشنطن العودة إلى التفاوض في عُمان وبواسطتها، وكذلك شرط البحث في الملف النووي حصراً، فلأنها تريد لمس مدى اقتراب إيران من تلبية شروطها، خصوصاً أن مسؤولاً إيرانياً لمّح إلى استعداد لـ"مناقشة مستويات التخصيب". معلومٌ أن واشنطن تطلب "صفر تخصيب"، لكن الجانب الإيراني يشير إلى وجود سابقة "اتفاق 2015" الذي حدّد 3,67% مستوىً للتخصيب وإمكان العودة إليه أو الاتفاق على مستوى آخر، مع تشديد الرقابة والتفتيش.
أراد نتنياهو بذهابه إلى واشنطن أن يُظهر إسرائيل شريكاً وطرفاً معنياً مباشرةً بالمفاوضات، أو حتى ندّاً لترامب يطالبه بإدراج برنامج الصواريخ البالستية ودعم إيران لوكلائها في المنطقة في إطار التفاوض. هذان البندان كانا دائماً على جدول الأعمال الأميركي، ووردا في رأس قائمة الـ 12 مطلباً من إيران منذ الولاية الأولى لترامب، بل إن مسألة الصواريخ كانت محورية عام 2018 في قراره الانسحاب من الاتفاق النووي. ومع أن نتنياهو أوحى آنذاك بأنه كان له دور استشاري في كواليس ذلك القرار، إلا أنه أراد أخيراً إبراز دور شخصي يحتاج إليه في الداخل، لكنه أخطأ بتجاهل أن ترامب منخرط شخصياً أيضاً، بدءاً بإدانة قتل المتظاهرين في الاحتجاجات الشعبية ثم بالاستعداد عسكرياً لمعاقبة النظام الإيراني، وأخيراً بوضع خيارَيْ الحرب والتفاوض على الطاولة.
يسعى ترامب ونتنياهو الى مصالحهما، لكن الثاني مسكون بنهج الإبادة ولا يمانع إغراق إيران في فوضى وحروب أهلية، أما الأول فيتشاور باستمرار مع الدول العربية الرئيسية وتركيا ويأخذ ملاحظاتها في الاعتبار. فإيران، إذا هوجمت بقصد إسقاط نظامها أو حتى لاستهداف قدراتها الدفاعية والهجومية، تستطيع الردّ بإيقاع أضرار من شأنها زعزعة الاستقرار في دول الجوار، وهذا ينعكس على المصالح الأميركية. لذلك فإن إدارة ترامب مجبرة على التفكير في "اليوم التالي" للحرب، وهو ما لم تفعله حكومة إسرائيل في حربها على غزة. فهم نتنياهو أنه على رغم كونه الحليف الأول لأميركا في المنطقة إلا أن ترامب لم يعتبره صاحب الكلمة الحاسمة في شأن إيران، ولن يُدخَل إلى المشهد إلا بالتنسيق وعند الحاجة.
سيحاذر نتنياهو التشويش على الخطط الأميركية، سواء العسكرية أو التفاوضية. لكنه لن يتوانى عن انتهاز الأزمة مع إيران لتخريب "اتفاق غزّة" ومواصلة تغيير الواقع القانوني والإداري في الضفة الغربية بهدف مصادرة الأراضي وضمّها، من دون أن تكون واشنطن قادرة على ردعه. وفي حال نجاح المفاوضات - وهو ما وصفه ماركو روبيو في ميونيخ بـ"الأمر الصعب" - فإن نتنياهو سيعتبر أي اتفاق "سيئاً" ليتمكّن من عرض لائحة مطالب من ترامب، كما سبق أن فعل مع باراك أوباما.
(الوطن السعودية)

