تَمَتَّعَ النِّظامُ الإيرانِيُّ بِديناميكِيّاتٍ داخِلِيَّةٍ سَمَحَتْ لَهُ بِالبَقاءِ والمُناوَرَة، وَأَحْيانًا التَّجْديدِ داخِلَ إِطارِ وَقَواعِدِ مَنْظومَةِ المُرْشِد، في ما عُرِفَ بِالتَّجْديدِ مِنْ داخِلِ النِّظام، وَهو أَمْرٌ غابَ عَنْ نُظُمِ ادِّعاءِ المُمانَعَةِ العَرَبِيَّةِ التي سَقَطَتْ تِباعًا وَبَقِيَ النِّظامُ الإيرانِيُّ على الرَّغْمِ مِنْ قُوَّةِ الضُّغوطِ الخارِجِيَّةِ والدّاخِلِيَّة، كَما امْتَلَكَتْ إيرانُ قُدُراتٍ عَسْكَرِيَّةً وَعِلْمِيَّةً جَيِّدَةً صَمَدَتْ في المَرَّةِ الأولى في وَجْهِ الاعْتِداءاتِ الإِسْرائيلِيَّة، وَبَنَتْ تَحالُفًا مَعَ روسْيا والصّين، وَسَعَتْ مُؤَخَّرًا لِتَحْسينِ عَلاقتِها مَعَ السُّعودِيَّةِ وَدُوَلِ الخَليجِ وَمِصْر.
فقدت إيران جانبًا كبيرًا من أوراق قوّتها الإقليمية ووزير خارجيتها خاض مفاوضات مسقط معتمدًا على "أوراق الضعف"
وَفي أَعْقابِ حَرْبِ الـ12 يَوْمًا، تَراجَعَتْ أَوْراقُ القُوَّةِ الإيرانِيَّةُ بِصورَةٍ كَبيرَة، فَضَعُفَ "حِزْبُ الله" وانْسَحَبَ مِنَ "الشّام" وَنَجَحَتِ الفَصائِلُ السّورِيَّةُ المُسَلَّحَةُ في إِسْقاطِ "النِّظامِ الحَليفِ" لِطَهْران، وَتَوَقَّفَ تَهْريبُ السِّلاحِ مِنْ دِمَشْقَ إلى "حِزْبِ الله" وَتَغَيَّرَتْ مُعادَلاتُ القُوَّةِ في المِنْطَقَة، بَعْدَ أَنْ ظَلَّتْ أَميرْكَا وَإِسْرائيلُ تُدْخِلانِها في حِساباتِهِما لِسَنَواتٍ طَويلَةٍ خاصَّةً ما يَتَعَلَّقُ بِقُدُراتِ "حِزْبِ الله" العَسْكَرِيَّةِ الذي اعْتَبَرَ نَفْسَهُ يُمَثِّلُ قُوَّةَ رَدْعٍ لِإِسْرائيلَ بَرَّرَ بِها هَيْمَنَتَهُ لِنَحْوِ عَقْدَيْنِ على القَرارِ السِّياسيِّ والعَسْكَريِّ اللُّبْنانِيّ.
يَقينًا فَقَدَتْ إيرانُ جانِبًا كَبيرًا مِنْ أَوْراقِ قُوَّتِها الإِقْليمِيَّة، فَقَدْ خَسِرَ "حِزْبُ الله" مَعْرَكَةَ "الإِسْناد" التي دَخَلَها في مُواجَهَةِ إِسْرائيلَ في ظِلِّ مُعارَضَةِ أَغْلَبِ اللُّبْنانِيّينَ لَها، وَتَجاهُلِهِ أَنَّ الحُروبَ أَصْبَحَتْ وَطَنِيَّةً لِلدِّفاعِ عَنِ الأَرْضِ والوَطَنِ وَلَيْسَتْ "إيدْيولوجِيَّةً" مِنْ أَجْلِ دَعْمِ المُقاوِمينَ أَوِ الأُخْوَةِ أَوِ الدِّفاعِ عَنْ حِساباتِ دَوْلَةٍ إِقْليمِيَّةٍ أُخْرى.
والحَصيلَةُ أَنَّ هَذِهِ الحَرْبَ لَمْ تُفِدْ غَزَّةَ وَأَضَرَّتْ بِلُبْنان، وَتَراجَعَتْ وَرَقَةُ "حِزْبِ الله" وَلَمْ تَعُدْ قادِرَةً على أَنْ تُمَثِّلَ خَطَّ دِفاعٍ أَوَّلَ عَنِ الطُّموحاتِ الإِقْليمِيَّةِ الإيرانِيَّة، وَكَذَلِكَ تَراجَعَتْ وَرَقَةُ الميليشْياتِ العِراقِيَّةِ الدّاعِمَةِ لِإيرانَ وَلَمْ تَدْخُلْ في مُواجَهَةٍ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ طَوالَ حَرْبِها مَعَ طَهْران، وَبَقِيَتْ وَرَقَةُ "الحوثي" تُسْتَخْدَمُ على فَتَراتٍ مُتَباعِدَة، وَكَما اتَّضَحَ لَمْ تَعُدْ تُمَثِّلُ قُوَّةً حَقيقِيَّةً أَكْثَرَ مِنْها وَرَقَةَ "عُنْفٍ عَشْوائِي" قَدْ يُؤْذي، وَلَكِنَّهُ لَنْ يَحْمِيَ إيرانَ وَلَنْ يُغَيِّرَ مُعادَلاتِ المِنْطَقَة.
وَأَخيرًا جاءَتِ الاحْتِجاجاتُ الإيرانِيَّةُ على سوءِ الأَوْضاعِ الاقْتِصادِيَّةِ والتي تَحَوَّلَتْ إلى رَفْضٍ لِلنِّظامِ القائِمِ وَرُموزِهِ وَقادَتِهِ الحَقيقِيّينَ لِتُضْعِفَ الميزَاتِ النِّسْبِيَّةَ التي تَمَتَّعَ بِها النِّظامُ الإيرانِيُّ مِنْ حَيَوِيَّةٍ داخِلِيَّةٍ وَتَنافُسٍ بَيْنَ المُحافِظينَ والإِصْلاحِيّينَ ساعَدَ النِّظامَ على عُبورِ الكَثيرِ مِنْ أَزَماتِه، وَهو ما تَراجَعَ الآنَ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ التَّنافُسُ بَيْنَ مُحافِظينَ تَابِعينَ لِلمُرْشِد، وَإِصْلاحِيّينَ يَرْضى عَنْهُمْ.
إيران الملتزمة بالقواعد الدولية والتي لا تتدخّل في شؤون الدول الأخرى في صالح الجميع وأوّلهم الشعب الإيراني
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ هَذا التَّراجُعِ في أَوْراقِ القُوَّةِ التي تَمَتَّعَتْ بِها إيران، وَخاصَّةً بَعْدَ إِضْعافِ مِحْوَرِها، فَإِنَّهُ وَمَعَ ذَلِكَ خاضَ وَزيرُ خارِجِيَّتِها مُفاوَضاتٍ شَرِسَةً وَمُعَقَّدَةً في مَسْقَطَ مَعَ مَبْعوثَيْ تْرامْب ويتْكوف وَكوشْنِر شَمَلَتِ البَرْنامَجَ النَّوَوِيَّ والصّاروخِيَّ وَدَوْرَ إيرانَ في المِنْطَقَة، مُعْتَمِدًا في ما يَبْدو على "أَوْراقِ الضَّعْفِ" أَوْ تَداعِياتِ وَتَأْثيرِ ضَرْبِ إيرانَ المُنْهَكَةِ في المِنْطَقَةِ كُلِّها.
كَما حَسَبَتْ أَميرْكَا بِدِقَّةٍ حِساباتِ ضَرْبَتِها المُحْتَمَلَةِ على إيرانَ وَنَتائِجِها، لَيْسَ حَذَرًا مِنْ أَوْراقِ قُوَّتِها كَما كانَ في الماضي القَريب، إِنَّما مِنْ خَطَرِ "المَزيدِ مِنَ الإِضْعافِ" وَتَأْثيرِهِ في المِنْطَقَة.
إِنَّ ضَعْفَ النِّظامِ الإيرانيِّ وَلَوْ النِّسْبِيَّ قَدْ يُغْري إِسْرائيلَ بِالإِجْهازِ عَلَيْهِ واسْتِهْدافِ مُرْشِدِه، وَلَكِنَّهُ سَيَعْني بِالنِّسْبَةِ لِأَميرْكَا وَدُوَلِ المِنْطَقَةِ عَوْدَةَ شَبَحِ ما جَرى في العِراقِ عامَ 2003 مَرَّةً أُخْرى مِنْ فَوْضى وَعُنْفٍ وَإِرْهابٍ سَيَطالُ الجَميع، فَإيرانُ المُفَكَّكَةُ أَوْ شِبْهُ المُنْهارَةِ كارِثَةٌ على العالَمِ والإِنْسانِيَّة، وإيرانُ المُلتَزِمَةُ بِالقَواعِدِ الدَّوْلِيَّةِ والتي لا تَتَدَخَّلُ في شُؤونِ الدُّوَلِ الأُخْرى في صالِحِ الجَميعِ وَأَوَّلِهِمُ الشَّعْبُ الإيرانِيّ.
باتت أميركا ترى أنّ ثمن تفكيك النظام الإيراني أخطر من التوصّل إلى اتفاق حتى لو رفضته إسرائيل
عَلاقَةُ الرَّدْعِ بَيْنَ أَميرْكَا وَإيرانَ لَيْسَتْ هِيَ التي تَحْكُمُ عَلاقَةَ الأولى بِروسْيا والصّينِ حَيْثُ الرَّدْعُ النَّوَوِيُّ وَتَوازُنُ القُوَّة، إِنَّما أَصْبَحَتْ حِساباتُ "المَزيدِ مِنَ الإِضْعافِ" لِأَنَّ تَفْكيكَ المُؤَسَّساتِ الإيرانِيَّةِ وَمِنْها "الحَرَسُ الثَّوْرِيُّ" أَوْ غَيْرُهُ سَيَعْني انْتِقالَهُ مِنْ مُؤَسَّسَةٍ مُعْلَنَةٍ لَها قِيادَةٌ وَهَيْكَلٌ إلى شَظايا مُنْتَشِرَةٍ في كُلِّ مَكَانٍ وَقادِرَةٍ على إيذاءِ الجَميع.
سَيَكونُ مِنَ الصَّعْبِ إِسْقاطُ النِّظامِ في إيرانَ على الطَّريقَةِ العِراقِيَّة، إِلّا أَنَّ إِضْعافَهُ أَكْثَرَ سَيَعْني أَنَّهُ لَنْ يَسْتَطيعَ ضَبْطَ الأَمْنِ والاسْتِقْرارَ في بَلَدٍ كَبيرٍ مِثْلَ إيران، وَهَذا ما جَعَلَ أَميرْكَا لا تُواجِهُ في مَسْقَطَ فَقَطْ ذَكاءَ المُفاوِضينَ الإيرانِيّينَ وَقُدْرَتَهُمْ على المُناوَرَة، إِنَّما باتَتْ تَرى أَنَّ ثَمَنَ تَفْكيكِ النِّظامِ الإيرانيِّ أَخْطَرُ وَأَكْثَرُ سوءًا بِكَثيرٍ مِنَ التَّوَصُّلِ إلى اتِّفاقٍ تَقْبَلُهُ دُوَلُ الخَليجِ وَأوروبا وَأَميرْكا، حَتّى لَوْ رَفَضَتْهُ إِسْرائيل!.
(خاص "عروبة 22")

