بصمات

لماذا تَتَآكَلُ المَرْجِعِيّاتُ الأَخْلاقِيَّةُ دونَ مُقاوَمَة؟

"إِنَّ الأَخْلاقَ الحاصِلَةَ مِنَ الحَضارَةِ والتَّرَفِ هِيَ عَيْنُ الفَساد"، ابْنُ خَلْدون.. "لَقَدْ حَرَّرَتِ الثَّقافَةُ المُتَعِيَّةُ الفَرْدانِيَّةُ الإيروسَ مِنْ فِكْرَةِ الإِثْم"، جيل ليبوفِتْسْكي.

لماذا تَتَآكَلُ المَرْجِعِيّاتُ الأَخْلاقِيَّةُ دونَ مُقاوَمَة؟

لَعَلَّهُ مِنَ الميزاتِ الجَوْهَرِيَّةِ لِلإِنْسان، احْتِياجُهُ إلى نِظامٍ مِنَ المَعاييرِ يَرْتَكِزُ عَلَيْها، كَيْ يَقْتَدِرَ على بِناءِ ذاتِهِ عَقْلًا وَسُلوكًا، وَيَرْجِعُ الاخْتِلافُ بَيْنَ مَعاييرِ التَّدْبيرِ هَذِه، إلى حَقيقَةِ نُقْطَةِ الانْطِلاقِ التي يَجْري الارْتِكازُ عَلَيْها في النَّظَرِ إلى الأُمور؛ وَبِتَصَفُّحِ تاريخِ الحَداثَةِ الأَخْلاقِيَّةِ الغَرْبِيَّة، فَإِنَّنا نُبْصِرُ مَصْدَرَيْنِ لافِتَيْنِ هُما: المَصْدَرُ الدّينِيُّ في صيغَتِهِ المَسيحِيَّة، ثُمَّ المَصْدَرُ الفَلسَفِيُّ في صِيَغِهِ الثَّلاث: الفَضيلَةُ والواجِبُ والمَنْفَعَة؛ ذَلِكَ أَنَّ الإِنْسانَ بِخِلافِ الحَيَوان، لا ثِقَةَ لَهُ بِغَرائِزِه، إِنَّما يَرْتَفِعُ دَوْمًا إلى رُتْبَةِ التَّدْبير؛ إِمّا بِالدّينِ وَإِمّا بِالعَقْل، بَيْنَما الحَيَوانُ يَصُبُّ كُلَّ ثِقَتِهِ في غَرائِزِهِ التي لا تُخْطِئ، وَبِالتّالي فَلا اعْتِمادَ لَهُ على النُّظُمِ الدّينِيَّةِ أَوِ العَقْلِيَّة.

لانظام مُنَظَّم يكسر قواعد الفضيلة ويستعين بالوسائل الحسية من أجل تلبية دوافع اللذة إلى أقصاها

وَإِذْ بانَتْ هَذِهِ الحَقيقَة، فَإِنَّنا نَصْرِفُ سَعْيَنا إلى الإِقْرارِ بِأَنَّ أَزْمِنَةَ الحَداثَةِ الأَخْلاقِيَّة قَدْ شَرَعَتْ في التَّأْسيسِ لِتَدابيرِها الأَخْلاقِيَّة، مِنْ خِلالِ حَرَكاتٍ ثَلاث: أَوَّلُها، إِزاحَةُ المَشْروعِيَّةِ مِنَ الرُّؤْيَةِ الدّينِيَّةِ إلى الرُّؤْيَةِ العَقْلِيَّة؛ والثّانِيَةُ، اسْتِبْدالُ المَقولاتِ الدّينِيَّةِ بِالمَقولاتِ العَقْلِيَّةِ، والثّالِثَة، عَلْمَنَةُ المَعاني الدّينِيَّةِ وَإِلْباسُها صِفات: الزَّمَنِيَّةِ والتَّقَدُّمِيَّةِ والتَّحَرُّرِيَّة؛ وَكانَتْ لِهَذِهِ الأَخيرَة: الأَخْلاقُ العَلْمانِيَّةُ التَّقَدُّمِيَّة؛ كَلِمَتُها وَهَيْمَنَتُها بِخاصَّةٍ مِنْ سَنَةِ 1700 إلى سَنَةِ 1950. إِلّا أَنَّ هَذِهِ الأَخْلاقَ العَلْمانِيَّةَ التَّقَدُّمِيَّةَ التي انْبَنَتْ على الإِلْزامِ العَقْليِّ والواجِبِ تُجاهَ الآخَرِ والتَّضْحِيَةِ مِنْ أَجْلِ الإِنْسانِيَّةِ وَبَثِّ السَّعادَةِ المَدَنِيَّة؛ لَمْ تُحافِظْ على بَقائِها، في الزَّمَنِ نَفْسِهِ الذي حافَظَتْ فيهِ الإِلْزاماتُ الدّينِيَّةُ على بَقائِها مِنْ قَبْل؛ إِذْ حَلَّ الإِغْراءُ مَحَلَّ الإِلْزام؛ وَعِبادَةُ الذّاتِ مَحَلَّ الواجِبِ تُجاهَ الغَيْر؛ والخُصوصِيَّةُ النَّفْسِيَّةُ السَّعيدَةُ مَحَلَّ رَفاهِيَةِ الجَميع؛ وَهَذِهِ الصِّيَغُ لَيْسَتْ مَبادِئَ نَظَرِيَّةً لِتَنْظيمِ السُّلوك، وَإِنَّما هِيَ نَماذِجُ عَيْشٍ وَأَساليبُ وُجودٍ بِمَعْزِلٍ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وَيُمْكِنُ إِرْجَاعُ تَآكُلِ الأَخْلاقِ العَلْمانِيَّةِ التَّقَدُّمِيَّةِ لِصالِحِ السَّعادَةِ الفَرْدانِيَّةِ وَكَسْرِ أَوامِرِ الفَضيلَةِ إلى جُمْلَةِ مُحَدِّداتٍ مِنْها:

إِنَّ مَشْروعَ نَزْعِ الشَّرْعِيَّةِ عَنِ الأُسُسِ الدّينِيَّةِ واسْتِبْدالِها بِالأُسُسِ العَقْلِيَّةِ في التَّدابيرِ الأَخْلاقِيَّة؛ لَمْ يَنْجَح؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأَخيرَةَ أَيِ الأُسُسَ العَقْلِيَّة؛ لَمْ تَكُنْ بِقُوَّةِ الإِلزامِ والتَّوْجيهِ نَفْسِها التي تَخْتَصُّ بِها الأُسُسُ الدّينِيَّة؛ وَكانَ مِنَ المَفْروضِ أَنْ تَتآكَلَ الأَخْلاقُ العَلْمانِيَّةُ التَّقَدُّمِيَّةُ قَبْلَ سَنَةِ 1950؛ فَسِرُّ اسْتِمْرارِها مِنْ سَنَةِ 1700 إِنَّما هُوَ اقْتِباسُها مِنَ القِيَمِ الدّينِيَّة؛ لَكِنْ مَعَ ظُهورِ اتِّجاهاتِ تَدْميرِ القِيَمِ وَفَلْسَفاتِ الشُّعورِ الأَخْلاقِيِّ[1] وَأَساليبِ البَحْثِ عَنِ المُتْعَةِ الحِسِّيَّة، وَنَزْعِ القَداسَةِ عَنِ الوَعْيِ الفاضِل، وَتَسَيُّدِ الإِنْسانِ الخُصوصِيِّ مَعَ أُفولِ الإِنْسانِ العُمومِيّ، قَدْ أَضْعَفَ مِنْ سُلْطَةِ المُقاوَماتِ الأَخْلاقِيَّةِ وَشِعاراتِ القائِلينَ بِفِكْرَةِ الحَرائِقِ المُصَغَّرَةِ[2]، لِتَكُنِ الخُلاصَةُ الواقِعِيَّةُ هِيَ الفَرْدانِيَّةَ العابِدَةَ لِلَّذَّةِ أَوْ هِيَ اللّانِظامَ المُنَظَّم، أَيِ الذي يَكْسِرُ قَواعِدَ الفَضيلَةِ وَيَسْتَعينُ بِالوَسائِلِ الحِسِّيَّة (جَزِيرَةٌ سِياحِيَّة، نُجوم، أَصْواتٌ صاخِبَة، المُتْعَةُ مَعَ القاصِرات، طُقوسٌ شَيْطَانِيَّة...) مِنْ أَجْلِ تَلبِيَةِ دَوافِعِ اللَّذَّةِ إلى أَقْصاها، وَبِالتّالي، فَإِنَّ قِبْلَةَ هَذِهِ الأَزْمَنَة، هِيَ: مُتْعَةُ الحاضِرِ، وَتَنْظيمُ الأَنا والجَسَدِ والرّاحَة.

نَشْرُ الأَفْكارِ المارْكسِيَّةِ والفْرويْدِيَّةِ والنّيتْشَوِيَّةِ والبُنْيَوِيَّة، خاصَّةً بَيْنَ 1960 وَ1970؛ وَهَذا النَّشْرُ لَمْ يَكُنْ ضِمْنَ نِطاقِ الدَّوائِرِ الفِكْرِيَّةِ وَكَراسي الجَامِعات، وَإِنَّما ضِمْنَ وَسائِلِ الإِعْلامِ الجَماهيرِيَّةِ التي وَجَدَتْ فيها خِطابًا يُشَرِّعُ لَها التَّحَرُّرَ مِنْ إِكْراهِيَّةِ الواجِبِ العَقْليِّ وَتَقْديرِ القِيَمِ المَعْنَوِيَّة؛ حَيْثُ باتَتْ هُمومُ الفَضاءِ العامِّ هِيَ الثَّوْرَةَ والرَّغْبَةَ والحَياةَ المُتَحَرِّرَة، وَبِالتّالي، فَإِنَّ مَنْطِقَ الاسْتِهْلاكِ الجَماهيرِيِّ قَدْ أَذابَ الأَوامِرَ الأَخْلاقِيَّةَ العَقْلِيَّة، وَتَحَوَّلَتْ هُنا، أَفْكارُ مارْكس وَفرويْد وَنيتْشِه والبُنْيَوِيَّةِ إلى مُتَخَيِّلاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَأَساليبِ حَياة.

الدين هو الأفق الممكن الذي به تقتدر الإنسانية على النهوض من جديد

التَّسْهيلُ والتَّيْسيرُ الذي تُقَدِّمُهُ وَسائِلُ الإِعْلامِ الجَدِيدَة؛ فالفَرْدانِيّاتُ الجِنْسِيَّةُ والتَّفاهاتُ السائِدَة، تَتَخَفّى خَلْفَ جَمالِيّاتِ الصّورَةِ وَتَزْيينِ المَشاهِدِ لِلمُتَلَقّي، الذي باتَتْ مُفْرَداتُ الإِباحِيَّةِ والخُصوصِيّاتِ الشَّخْصِيَّةِ وَكَشْفِ المَسْتور، هِيَ التي تَجْذِبُهُ أَكْثَرَ مِما تَجْذِبُهُ اللِّقاءاتُ المُفيدَةُ مَعَ صُنّاعِ الفِكْرِ والفَنِّ الإِيجابِيّ. وَهَذا الأَمْرُ، أَدَّّى إلى تَرَكُّزِ الثَّرْوَةِ في يَدِ هَذِهِ الفَرْدانِيّاتِ والتَّفاهات، وَأَصْبَحَتْ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الثَّرَواتِ في إِدْمانِ المُتَعِ وَمُثابَرَةِ اللَّذّاتِ والاسْتِعْلامِ على الخُصوصِيّاتِ مِنْ أَجْلِ تَوْظيفِها دَرًّا لِلرِّبْحِ وَنَشْرًا لِلفَضائِح؛ وَهَذِهِ الحالَةُ إِنَّما نَشِطَتْ وامْتَدَّتْ، لِتَلازُمِها مَعَ السِّياقِ الجَماليِّ لِمَرْحَلَةِ ما بَعْدَ الحَقيقَةِ التي باتَتْ تُؤَثِّرُ انْطِلاقًا مِنْ أَقْوالِ النُّجومِ والأَصْواتِ الصّاخِبَةِ والأَفْعالِ الشّارِدَةِ والأَلَقِ الزائِف. وَبِهَذا، فَإِنَّ صيغَةَ ما بَعْدَ الحَقيقَةِ هِيَ الصّيغَةُ الجَمالِيَّةُ المُتَمَرْكِزَةُ حَوْلَ المُتَعِ وَإِدْمانِ اللَّذّات.

لَقَدْ تَبَيَّنَ لَنا إِذَنْ، ظاهِرَةُ تَآكُلِ المَرْجِعِيّاتِ الأَخْلاقِيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُقاوَمَةٍ مِنْ داخِلِ السِّياقاتِ الغَرْبِيَّة، بِسَبَبِ المُحَدِّداتِ التي أَشَرْنا إِلَيْها؛ وَيَجْدُرُ صَرْفُ القَوْلِ هُنا؛ إلى أَنَّ إِجْماعَ الإِنْسانِيَّةِ على اسْتِهْجانِ ما يَحْدُثُ اليَوْمَ في جَزيرَةِ جيفْري إِبْسْتين، يُعَبِّرُ عَنْ أَخْلاقِيَّةِ الفِطْرَةِ الإِنْسانِيَّة، التي دَفَنَتْها حُجُبُ ثَقافَةِ الاسْتِهْلاكِ الجَماهيرِيّ، والسَّعاداتِ الفَرْدِيَّةِ وَوَهْمِ التَّحَرُّرِ مِنَ القِيَمِ العَقْلِيَّةِ أَوِ الدّينِيَّة؛ وَإِنَّهُ لَيَبْدو أَنَّ الأُفُقَ المُمْكِنَ الذي بِهِ تَقْتَدِرُ الإِنْسانِيَّةُ على النُّهوضِ مِنْ جَديدٍ وَتَكْسِرُ هَيْمَنَةَ هَذِهِ الدائِرَةِ المُغْلَقَة، إِنَّما هُوَ الدّين، ذَلِكَ أَنَّ العَقْلَ مَهْما كانَتْ إِلْزاماتُه، انْطِلاقًا مِنَ الفَضيلَةِ أَوْ مِنَ الواجِبِ أَوْ مِنَ المَنْفَعَة، قَدِ اسْتَبانَتْ أَمامَنا أَنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ على التَّحَكُّمِ في الطّاقَةِ الحَيَوِيَّةِ وَدَوافِعِها الجِنْسِيَّةِ والتَّمَلُّكِيَّةِ والغِذائِيَّة؛ فالدّينُ بِما يَمْتَلِكُهُ مِنْ صَلابَةٍ وَقُوَّةٍ في الأَساسِ وَقَبولٍ عِنْدَ الإِنْسانِ وَقُدْرَةٍ على تَوْجيهِ الغَرائِزِ الإِنْسانِيَّةِ والتَّحَكُّمِ فيها؛ هُوَ الأُفُقُ المُمْكِنُ لِإِنْسانِيَّةٍ تَعيشُ حَيْرَةً وَرَغْبَةً في فَهْمِ مَآلاتِ الإِنْسانِ نَحْوَ العَدَمِيَّة.



[1] مِعْيارُ فَلْسَفاتِ الشُّعورِ الأَخْلاقيِّ في قَبولِ أَوْ رَفْضِ الأَخْلاقِ لَيْسَ انْطِلاقًا مِمّا يوجِبُهُ العَقْل، وَإِنَّما انْطِلاقًا مِنَ الشُّعورِ بِالمُتْعَةِ واللَّذَّةِ والمَنْفَعَةِ الشَّخْصِيَّة.


[2] اسْتِعارَةٌ مِنْ عالَمِ الفِلاحَة، فالحَرائِقُ الكُبْرى التي تَحْدُثُ في مِساحَةٍ ما، يَقومُ الفَلاحَةُ بِحَرائِقَ مُصَغَّرَةٍ حَوْلَ الحَرائِقِ الكَبيرَة، كَيْ لا تَجِدَ النّارُ ما تَأْكُلُهُ عِنْدَما تَصِل، فَهِيَ رَمْزٌ لِعِلاجَاتٍ تَخْفيفِيَّةٍ أَكْثَرَ مِنْ عِلاجٍ جَذْرِيّ. 
(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن