صحافة

الجولان والدبلوماسية الانتقالية: شتان بين الواقعية والبراغماتية

صبحي حديدي

المشاركة
الجولان والدبلوماسية الانتقالية: شتان بين الواقعية والبراغماتية

جرياً على عادته، التي باتت الآن ماثورة وأقرب إلى بصمة أسلوبية شخصية، كان أسعد الشيباني، وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية، قد تحلى بجرعة أخرى إضافية من الواقعية، لعلها الأعلى وزناً والأكثر إشكالية في مساره الدبلوماسي. ففي سلسلة تصريحاته، على هامش المشاركة في مؤتمر ميونخ حول الأمن، ألمح الشيباني إلى استبعاد هضبة الجولان من أجندة المفاوضات بين الحكومة الانتقالية ودولة الاحتلال الإسرائيلي؛ وأنها تقتصر الآن على التفاوض حول انسحاب من مناطق احتلها الجيش الإسرائيلي أو توغل فيها بعد 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، تاريخ انهيار نظام "الحركة التصحيحية" وفرار بشار الأسد إلى موسكو.

واياً كانت مواهب الشيباني الفردية، الدبلوماسية منها على وجه التحديد، وهي ليست ضئيلة كما يتوجب التشديد على سبيل إنصاف الرجل؛ فإنه كان، وهكذا يظلّ، صوت أخيه في الإرث الجهادي وسيّده اليوم، الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. وللمرء، استطراداً، أن يعود إلى إطار أوضح سبق أن حدّده الأخير، ولعله كان أعرض في جوانب عديدة بعضها عابر للدبلوماسية، واقعية كانت أم براغماتية. وإذا جاز القول بأنّ الواحد منهما يُكمل الثاني، في ملفات عديدة داخلية وإقليمية ودولية، وليس فقط لأنّ الشرع، منذ سقوط النظام البائد، يندر أن يظهر في لقاء ذي دلالة من دون أن يحضر الشيباني أيضاً؛ بل، أساساً على الأرجح، لأنّ ترسيخ ذلك التكامل يقتضي الإعلان البصري أيضاً، وليس الإيحاء وحده.

فإذا صحت هذه الحال، وعاد المرء إلى إطار الشرع حول المفاوضات مع دولة الاحتلال، كما حرص على تفصيله خلال زيارة البيت الأبيض والاجتماع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار رجاله ومساعديه، ثمّ تصريحاته على وسائل إعلام أمريكية كبرى مثل "فوكس نيوز" والـ"واشنطن بوست"؛ فإنّ الشرع في واشنطن اعتمد خلطة أكثر إفساحاً للمناورة بين الواقعية والبراغماتية، من تلك التي ركن إليها الشيباني في ميونخ. هذه كانت أقرب إلى واقعية التفلّت من النقطة الكبرى الشائكة (والمبدئية، الحاسمة، التي لا مهرب منها إلا عبر بوابة الاستسلام والرضوخ…): أنّ هضبة الجولان أرض سورية محتلة، طال الزمان أم قصر، بموجب القانون الدولي إذا عزّت القوانين الوطنية السورية أو خبت وانحسرت.

ألم يكن في وسع الشيباني أن يستعيد، أو يكرر أو على الأقل يعيد صياغة، أقوال سيده في واشنطن: أنّ احتلال الجولان دخل في سنته الـ58، وبرامج السلطة الانتقالية في الالتفات إلى تعافي سوريا وإعادة بنائها لا تسمح بما هو أكثر من اتفاقية أمنية محدّثة تشمل الانسحاب من احتلالات إسرائيلية، لا تقتصر على المنطقة العازلة ومحيط جبل الشيخ والقنيطرة في الجولان، بل تمتد أيضاً إلى تخوم محافظة درعا؟ لا اتفاقية سلام أو تطبيع أو انضمام إلى اتفاقيات أبراهام، إذن، بسبب حدود سوريا مع دولة الاحتلال وأراضيها المحتلة إسرائيلياً؛ ولأنّ دمشق، في سبب ثان، ليست أبوظبي أو المنامة أو الرباط أو الخرطوم.

كان في وسع الشيباني أن يقتبس أقوال الشرع، بالطبع؛ وإذا كان قد امتنع عن استعادة تلك الصيغة، الأعلى مناورة ولعلها الأفسح تفاوضياً، فليس لأنه خالف رئيسه من جهة أولى، بل قد يكون العكس هو الصحيح: لأنه أكمل ما قد يكون الشرع قد تعمد إغفاله، لأنّ هوامش التحرّك بين واقعية (فضفاضة مرنة) وبراغماتية (فسيحة متفلتة) ليست ذاتها بين رئيس ودبلوماسيه الأوّل؛ وشتان ما بين هذه وتلك، في حسابات السياسة عموماً، وفي ضوء سوريا الراهنة خصوصاً، ثمّ في معنى المقام بين واشنطن وميونخ تالياً.

وفي صفّ آخر من الواقعية، غير مُلزَم بضخّ جرعات عالية من البراغماتية، لا أحد يطالب السلطة الانتقالية الراهنة برفع رايات تحرير الجولان، أو تنصيبها أولوية تعلو على أجندات أخرى وطنية شائكة وملحّة؛ وقد يكون خيراً، بقدر ما هو خدمة الحدود الدنيا، الاكتفاء بالإطار الذي اختطه الشرع في واشنطن، حتى أجل مقبل وسياق آخر. ولكن أيّ مغنم، سياسي أو دبلوماسي أو تفاوضي، في الإعلان على الملأ بأنّ الجولان ليس مطروحاً للتفاوض، من دون التشديد على أنه كان أرضاً سورية وهكذا سوف يبقى، أسوة بالمناطق التي احتلتها أو توغلت إليها دولة الاحتلال بعد 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024؟

لا مغنم، بالطبع، لأنّ دولة الاحتلال إجمالاً، وحاضر ائتلافها اليميني العنصري الفاشي الحاكم على وجه أخصّ، ليست في وارد التفاوض حول أيّ انسحابات ملموسة في عمق الجولان، كما أنها غير معنية أصلاً بهذا أو ذاك من ضروب إغفال الحديث عن هوية الجولان الوطنية السورية. الخسران، في المقابل، قد يكون فادحاً في مستويات معنوية بالنسبة إلى السواد الأعظم من أبناء سوريا؛ ولعله سوف يكون أفدح في جانب منتظَر هو تأويل تصريح الشيباني، حول استبعاد الجولان من أجندات التفاوض مع الاحتلال، بوصفه يفترق حتى عن خطاب النظام البائد، الذي سلّم الجولان أرضاً وبشراً، ولكنّ أجهزته ظلّت تتاجر لفظياً بهويته الوطنية السورية.

شتان، أيضاً وعلى قدم المساواة، بين الواقعية والبراغماتية في تشخيص الشيباني لجوهر التدخل الإسرائيلي في أوضاع سوريا ما بعد انهيار نظام “الحركة التصحيحية”؛ سواء ابتدأ نهج دولة الاحتلال من التدمير المنهجي المنظّم لما تبقى من أسلحة سورية صاروخية أو مدفعية أو درعة، والغارات تجاوزت الـ1000 حتى الساعة؛ أو امتدّ إلى احتلال أراض جديدة، ونصب حواجز، وقصف قرى وبلدات والتوغل فيها، واعتقال مواطنين؛ أو اتخذ صفة المساندة المباشرة لمشاريع حكمت الهجري الانفصالية، والتذرّع بحماية الدروز والمكوّنات الطائفية والإثنية هنا وهناك في سوريا.

وحين يرى الشيباني أنّ دولة الاحتلال “تبالغ في اعتبار سوريا تهديدا لأمنها”، معتبراً أن “المقاربة العقلانية” هي التي تخدم استقرار المنطقة؛ فإنه ينزلق، على نحو يُرثى له حقاً، إلى سوية في التعيين الاستيهامي كفيلة بأن تدفع نتنياهو، وسائر مجرمي الحرب من جنرالاته، إلى قهقهة عالية. ذلك لأنّ الاحتلال لا يتدخل في شؤون سوريا خوفاً من تهديد، أياً كانت طبائعه، بل استباقاً لاحتمال تبدّل أحوال البلد بنيوياً في العموم، ثمّ في الخصوص على نحو يعاكس ما كانت عليه خلال 54 سنة من وئام فعلي مع نظام “الحركة التصحيحية”، الذي بقي حارساً على الأمن الإسرائيلي في الجولان المحتل.

ولأنّ ائتلاف نتنياهو يباشر هذه الأيام إجراءات ضمّ أجزاء من الضفة الغربية والقدس، ويُلقي بالمزيد من بنود اتفاقيات أوسلو إلى سلّة مهملات التاريخ؛ فهل من المستغرب، بصدد الجولان السوري المحتل، أن تنفض دولة الاحتلال الغبار عن خرائط ما قبل عام 1949، والزعم بأنّ القوّات السورية احتلت أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية (التي أصبحت فيما بعد “إسرائيلية”!)، واحتفظت بها “تحت الاحتلال” (كما ذكّرنا ذات يوم المعلّق الإسرائيلي الشهير زئيف شيف!) حتى العام 1967 حين “حرّرتها” القوّات الإسرائيلية؟ وإذا كانت سوريا تزعم شرعية سيادتها على هذه الأراضي لأنها احتفظت بها طيلة 18 عاماً، فلماذا لا تغتصب دولة الاحتلال شرعية السيادة على الأراضي ذاتها، التي تحتفظ بها منذ 1967؟

شتان هنا أيضاً، أخيراً ولكن ليس آخراً، بين واقعية ترتيب الأجندات والأولويات، وبين براغماتية استبعاد واحدة من باب خدمة أخرى؛ فالقسمة هنا ضيزى، كما في وسع الشيباني أن يدرك جيداً مدلولات الجائر، غير المستوي، والناقص غير التام…

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن