بِطَبيعَةِ الحال، فَإِنَّ حُلْمَ وَرَغْبَةَ السّورِيّينَ بِالتَّغْييرِ عَبْرَ التَّقَدُّمِ والنُّمُوّ، وَجَدَ صَداهُ في تَصْريحاتِ وَتَحْليلاتِ النُّخْبَةِ السِّياسِيَّةِ والاقْتِصادِيَّة، وَفي صُفوفِ قادَةِ السُّلْطَةِ الجَديدَةِ وَأَرْكانِ حُكومَتِها الأولى، بَلْ إِنَّ الإِعْلانَ عَنْ تِلْكَ الحُكومَةِ اسْتَنَدَ إلى "نَجاحاتِها" في إِدارَةِ مِلَفّاتِ الحُكومَةِ القائِمَةِ في إِدْلِب في سِياقِ قُدْرَتِها على النَّجاحِ في دَوْرِها الجَديد، لَكِنَّ نَتائِجَها الواقِعِيَّةَ كانَتْ أَقَلَّ مِنْ تِلْكَ التَّقْديرات، فَتَمَّتْ إِقالَتُها وَتَشْكيلُ حُكومَةٍ بَديلَةٍ بَعْدَ أَشْهُرٍ عِدَّةٍ فَقَطْ مِنْ تَشْكيلِها.
إِنَّ الأَساسَ في طُموحاتِ السّورِيّينَ إلى بَلَدٍ وَحَياةٍ أَفْضَلَ لِمُواطِنيه، كانَ يَسْتَنِدُ إلى مُعْطَياتٍ واقِعِيَّة، يَتَقَدَّمُها امْتِلاكُ سورْيا ثَرَواتٍ طَبيعِيَّةٍ بَيْنَها نَفْطٌ وَغازٌ وَفوسْفات، وَلَدَيْها مُنْتَجاتٌ زِراعِيَّةٌ ذاتُ أَهَمِّيَّةٍ فيها حُبوبٌ وَقُطْنٌ وَأَشْجارٌ مُثْمِرَةٌ وَثَرْوَةٌ حَيَوانِيَّة، وَيَزيدُ على ما سَبَق، وُجودُ قُوى عامِلَةٍ نَشيطَةٍ في مُخْتَلِفِ القِطاعاتِ الإِنْتاجِيَّةِ مِنْ زِراعَةٍ وَصِناعَةٍ وَحِرَف، يُضافُ إِلَيْها خِبْراتٌ في القِطاعاتِ الخَدَمِيَّةِ لا سِيَّما خِدْماتُ السِّياحَةِ والنَّقْل، في بَلَدٍ تَتَوَفَّرُ فيهِ بيئَةٌ مِثالِيَّةٌ لِلسِّياحَة، وَمَوْقِعٌ شَديدُ الأَهَمِّيَّةِ على خُطوطِ النَّقْلِ الإِقْليمِيَّةِ والدَّوْلِيَّة.
ضعف التفاعل الدولي العملي مع متطلّبات إعادة إعمار سوريا
وَعلى الرَّغْمِ مِمّا قامَتْ بِهِ الحُكومَةُ السّورِيَّةُ الثّانِيَة، فَإِنَّها لَمْ تُحَقِّقْ تَقَدُّمًا مَقْبولًا على المَسارِ المَطْلوبِ المُؤَدّي إلى التَّغْييرِ الذي يَنْشُدُهُ السّورِيّون، وَهَذا ناتِجٌ طَبيعِيٌّ لِما هُوَ قائِمٌ مِنْ مُعْطَياتٍ وَوَقائِعَ سورِيَّةٍ وَأُخْرى تُحيطُ بِها، وَلَعَلَّ الأَبْرَزَ في المُعْطَياتِ على الصَّعيدِ السّورِيّ، يَتَعَلَّقُ بِثَلاثَةِ عَوامِلَ أَوَّلُها طَبيعَةُ النِّظامِ الجَديد، والثّاني طَبيعَةُ التَّوَجُّهاتِ والسِّياساتِ التي تَتَّبِعُها وَتُنَفِّذُها الحُكومَة، أَمّا أَهَمُّ المُعْطَياتِ فَهِيَ الثّالِثَةُ المُتَّصِلَةُ بِأَثَرِ المُحيطِ الإِقْلِيمِيِّ والدَّوْلِيّ، والأَساسُ فيهِ أَمْران، الأَوَّلُ ضَعْفُ التَّفاعُلِ الدَّوْلِيِّ العَمَلِيِّ مَعَ مُتَطَلِّباتِ إِعادَةِ إِعْمارِ سورْيا، والثّاني تَدَخُّلٌ إِسْرائيلِيٌّ عَنيفٌ في سورْيا سَعْيًا لِخَلْقِ وَقائِعَ جَديدَةٍ أَساسُها احْتِلالُ أَراضٍ سورِيَّةٍ جَديدَة، وَإِلْغاءُ اتِّفاقِ الفَصْلِ بَيْنَ القُوّاتِ لِعامِ 1974، مِمّا يُضْعِفُ مَوْقِفَ السُّلْطَةِ الجَديدَة، وَيَدْفَعُها نَحْوَ مَساراتٍ جَديدَةٍ في الصِّراعِ السّورِيِّ - الإِسْرائيلِيّ.
تَعودُ أُصولُ نَواةِ السُّلْطَةِ الجَديدَةِ إلى "هَيْئَةِ تَحْريرِ الشّام" (هَتش)، والتي تَحَوَّلَتْ مِنْ "جَبْهَةِ النُّصْرَةِ" المَوْصوفَةِ بِأَنَّها تَنْظيمٌ جِهادِيٌّ مُسَلَّحٌ قاعِدِيُّ الأَصْلِ مِنْ حَيْثُ الإيدْيولوجْيا والسِّياسات، وَلِأَنَّ حُكومَةَ الإِنْقاذِ السّورِيَّةِ التّابِعَةَ لِـ"هَتش" وَضَعَتْ وَمارَسَتْ تَجْرِبَتَها الأولى في إِدارَةِ الدَّوْلَة في إِدْلِبَ، فَإِنَّ مَحْدودِيَّةَ التَّجْرِبَةِ وَظُروفَها، لَمْ تَكُنْ كافيةً مِنْ أَجْلِ تَوْفيرِ قُدُراتٍ وَخِبْراتٍ سِياسِيَّةٍ وَإِدارِيَّةٍ وَعَمَلِيَّة، تَقودُ تَجْرِبَةً بِحَجْمِ سورْيا الخارِجَةِ تَوًّا مِنْ نَحْوِ عَقْدٍ وَنِصْفِ العقدِ مِنَ السَّنَواتِ في ثَوْرَةٍ ضِدَّ النِّظام، وَحَرْبٍ طَويلَةٍ شارَكَتْ فيها أَطْرافٌ كَثيرَة.
غياب الخطط والشفافية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية
وَزادَتْ أَعْباءُ السُّلْطَةِ الجَديدَةِ وَسَطَ تَوَجُّهٍ مُبالَغٍ فيهِ نَحْوَ إِسْقاطِ الدَّوْلَة، التي لا شَكَّ أَنَّ أَجْزاءً جَوْهَرِيَّةً فيها تُمَثِّلُ "دَوْلَةَ الأَسَد" لا الدَّوْلَةَ السّورِيَّة، وَقَدْ سارَتِ الأُمورُ بِتَسارُع، وَأَبْرَزُ تَعْبيراتِ هَذا التَّوَجُّهِ حَلُّ الجَيْشِ وَأَجْهِزَةِ المُخابَرات، والاسْتِغْناءُ عَنْ قِسْمٍ كَبيرٍ مِنَ الجِهازِ الإِدارِيِّ والتِّقْنِيّينَ وَذَوي الخِبْراتِ الفَنِّيَّة، والتَّوَجُّهُ نَحْوَ خَلْقِ بَدائِلَ مِنَ المُؤَسَّسات، مِثْلَ الجَيْشِ والأَمْنِ العامِّ مِنْ جِهَة، وَبَدائِلَ مِنَ الكَوادِرِ مِنْ جِهَةٍ ثانِيَة، مِثْلَ الكَوادِرِ الإِدارِيَّةِ في مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَة.
وَزادَ على ما سَبَق، سِيادَةُ الِارْتِجالِ وَغِيابُ الخُطَطِ والشَّفافِيَةِ في السِّياساتِ الحُكومِيَّةِ في القِطاعاتِ الأُخْرى وَلا سِيَّما في القِطاعاتِ الاقْتِصادِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ وَمِنْها فَتْحُ الحُدودِ أَمامَ تَدَفُّقِ البِضائِعِ والسِّلَعِ وَبَيْنَها اسْتيرادُ كَمِّياتٍ كَبيرَةٍ مِنَ السَّيارات، وَإِفْساحُ المَجالِ لِمَشاريعَ إِنْشائِيَّةٍ مِنَ الإِسْكانِ وَمُكَمِّلاتِهِ الفاخِرَة، والتَّرْكيزُ على مَشاريعَ تَجْميلِيَّةٍ بَدَلَ الذَّهابِ إلى مَشاريعَ إِنْتاجِيَّةٍ وَخِدْمِيَّةٍ تُلَبّي الاحْتِياجاتِ الأَساسِيَّة، وَبِخاصَّةِ ضَحايا النِّظامِ البائِدِ مِنَ النّازِحينَ في المُخَيَّمات، وَهَذِهِ مَجَرَّدُ أَمْثِلَة.
لَقَدْ مارَسَ المُحيطُ الإِقْليمِيُّ والدَّوْلِيُّ دَوْرًا مُهِمًّا في إعادةَِ سورْيا إلى طَبيعَتِها وَدَوْرِها، حَيْثُ عَمِلَ على رَفْعِ العُقوباتِ التي فُرِضَتْ على مُؤَسَّساتٍ وَأَشْخاصٍ في عَهْدِ الأَسَدَيْن، وَخاصَّةً في سَنَواتِ الثَّوْرَةِ والحَرْب، غَيْرَ أَنَّ الرَّفْعَ ما كانَ يُمَثِّلُ خَطَّ النِّهايَة، لِأَنَّ ثَمَّةَ تَداعِياتٍ وَنَتائِجَ تَحْتاجُ إلى المَزيدِ مِنَ الوَقْتِ لِمُعالَجَتِها، وَقَدْ يَسْتَمِرُّ بَعْضُ التَّداعِياتِ سَنَوات، وَلِهَذا فَإِنَّ دَوْرَ المُحيطِ الإِقْليمِيِّ والدَّوْلِيِّ في مَساعي عَوْدَةِ الحَياةِ والدَّوْرِ السّورِيِّ إلى طَبيعَتِهِما، ما زالَ قائِمًا وَخاصَّةً لِجِهَةِ تَذْليلِ عَقَباتِ تَوْفيرِ الأَمْوالِ اللّازِمَةِ لإِعادَةِ بِناءِ سورْيا، وَخَلْقِ شَراكاتٍ عَرَبِيَّةٍ وَأَجْنَبِيَّةٍ مَعَ كِياناتٍ سورِيَّةٍ لِلْمُساعَدَةِ في تَحْقيقِ قَفَزاتٍ نَوْعِيَّةٍ في مَسارِ النُّمُوِّ السّورِيّ، وَهَذا بَعْضُ ما هُوَ على قائِمَةِ الِانْتِظار.
ضرورة تصعيد الاستثمار في القطاعات الإنتاجية
مِنَ المُهِمِّ اليَوْم، بَعْدَ عامٍ وَنِصْفِ العام، تَقْييمُ مُحَصِّلَةِ تَجْرِبَةِ السُّلْطَةِ الجَديدَة، وَأَنْ يُعادَ التَّدْقيقُ في مَسارِ التَّغْييرِ السّورِيّ، وَرُؤْيَةُ ما حَصَلَ فيهِ مِنْ وَقائِعَ وَما تَمَخَّضَ مِنْ نَتائِج، لِيُرْسَمَ على أَساسِها مَسارُ المَرْحَلَةِ المُقْبِلَة، والتي يَنْبَغي أَنْ تُرَكِّزَ على ثَلاثِ نِقاطٍ أَساسِيَّة، أَوَّلُها، الأَهْدافُ التي يَنْبَغِي أَنْ تَكونَ أَهْدافًا شَعْبِيَّةً لَيْسَ مِنْ بَابِ مُسايَرَةِ القِطاعاتِ الأَكْبَرِ مِنَ السّورِيّين، بَلْ إِخْراجًا لِهَذِهِ الأَكْثَرِيَّةِ مِنَ الحُفْرَةِ العَميقَةِ التي أَوْقَعَنا فيها نِظامُ الأَسَد، والتي جَعَلَتِ الأَكْثَرِيَّةَ الشَّعْبِيَّةَ أَسيرَةَ الحاجَةِ إلى عَمَلٍ وَغِذاءٍ وَدَواءٍ وَسَكَنٍ وَتَعْليمِ أَبْنائِهِا، وَمِنْ أَجْلِ تَلْبِيَةِ هَذِهِ الاحْتِياجات، لا بُدَّ مِنْ اعْتِمادِ مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ وَمَوْضوعِيّ، يَقومُ على وُجودِ خُطَطٍ مُمْكِنَةِ التَّحَقُّقِ وَقابِلَةٍ لِلْقِياسِ والتَّعْديلِ في إِطارِ اسْتراتيجِيَّةٍ تَتَبَنّاها الدَّوْلَة، وَتَعْمَلُ على تَنْفيذِها، وَهَذا مَضْمونُ النُّقْطَةِ الثّانِيَة.
أَمّا النُّقْطَةُ الثّالِثَةُ فَيُمْكِنُ اخْتِصارُها بِضَرورَةِ العَمَلِ على حَشْدٍ سورِيٍّ أَوْسَعَ لِلْمُشارَكَةِ في عَمَلِيَّةِ النُّمُوِّ والتَّغْيير، وَيَنْدَرِجُ في إِطارِ الحَشْدِ خَلْقُ أَوْسَعِ طَيْفٍ مِنْ فُرَصِ العَمَل، وَإِطْلاقُ مَشاريعَ إِنْتاجٍ مِنَ الصَّغيرَةِ والبَسيطَةِ إلى الكَبيرَة، وَتَصْعيدُ الاسْتِثْمارِ في كُلِّ القِطاعاتِ بِالتَّرْكيزِ على القِطاعاتِ الإِنْتاجِيَّة، وَجَعْلُ حَشْدِ المُسْتَثْمِرينَ يَمْتَدُّ مِنْ أَبْسَطِ النّاسِ إلى أَكْبَرِ رِجالِ المالِ والأَعْمالِ بِمَنْ فيهِمُ المُغْتَرِبونَ السّورِيّونَ في العالَم.


