تقدير موقف

صِراعاتُ المِنْطَقَة وَآفاقُ تَسْوِيَتِها!

أَعْتَرِفُ بِأَنَّني كُلَّما كُنْتُ أُسْأَلُ عَنْ احْتِمالاتِ التَّسْوِيَةِ أَوِ اسْتِئْنافِ الحَرْبِ كانَتْ إِجابَتِي الفَوْرِيَّةُ دائِمًا أَنّني لا أَعْرِف، وَأَظُنُّ أَنَّ أَيَّ عاقِلٍ لا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدِّمَ إِجابَةً حاسِمَةً مَهْما أَفادَتِ المُؤَشِّراتُ بِتَقَدُّمٍ في المُفاوَضاتِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْضِيَ إلى اتِّفاق، أَوْ تَعَثُّرٍ قَدْ يُمَهِّدُ لِتَصْعيدٍ جَديد!.

صِراعاتُ المِنْطَقَة وَآفاقُ تَسْوِيَتِها!

لا يَمْلِكُ المُحَلِّلُ سِوى الهُروبِ إلى أُسْلوبِ السّينارْيواتِ البَديلَة، وَهُوَ لَيْسَ كَما يَبْدو لِلوَهْلَةِ الأولى عَديمَ الفائِدة، فَهُوَ على الأَقَلِّ يَقي صانِعَ القَرارِ الشُّعورَ الزّائِفَ بِالِاطْمِئْنان، أَوْ يُجَنِّبُهُ تَضْييعَ فُرْصَةٍ مُتاحَةٍ لِاتِّفاق، وَلا يَنْبَعُ غِيابُ القُدْرَةِ على التَّوَصُّلِ إلى تَنَبُّؤٍ قاطِعٍ مِنْ تَسْليمٍ بِالعَجْز، وَإِنَّما مِنْ إِدْراكٍ لِمَدى تَعَقُّدِ المَوْقِفِ الَّذي يُحَلِّلُهُ نَتيجَةَ تَعَدُّدِ مُتَغَيِّراتِهِ وَتَشابُكِها، ناهيكَ بِعَدَمِ اكْتِمالِ المَعْلوماتِ الدَّقيقَةِ عَنْهُ أَصْلًا، فَلِكَيْ يَصِلَ إلى أَحْكامٍ على دَرَجَةٍ مِنَ الثِّقَةِ عَنْ سُلوكِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ أَوْ إِسْرائيلَ أَوْ إيرانَ وَغَيْرِها يَنْبَغي أَنْ تَتَوَفَّرَ لَدَيْهِ مَعْلوماتٌ مَوْثوقَةٌ عَنْ عَمَلِيَّةِ صُنْعِ القَرارِ في هَذِهِ الأَطْراف، وَهَل يَتَمَتَّعُ فيها ترامب بِاليَدِ العُلْيا كَما يَقولون، أَمْ أَنَّهُ خاضِعٌ لِتَأْثيراتٍ لَيْسَتْ مَعْلومَةً بِالكامِلِ لَدَيْنا، وَبِفَرْضِ أَنَّهُ صاحِبُ اليَدِ العُلْيا ما هِيَ دَرَجَةُ الرَّشادَةِ التي يَتَمَتَّعُ بِها؟ وَما هي أَهْدافُهُ الحَقيقِيَّة؟.

الأمور ازدادت تعقيدًا بإفراط ترامب في استخدام الخداع التكتيكي

على الصَّعيدِ الإيرانِيّ، اعْتَرَفَ ترامب وَمُساعِدوهُ بِأَنَّهُمْ لا يَعْرِفونَ تَحْديدًا مَنْ الذي يُمْسِكُ بِمَفاتيحِ صُنْعِ القَرار، بَعْدَ أَنْ تَمَّتْ تَصْفِيَةُ عَناصِرَ عَديدَة، على رَأْسِها المُرْشِد، مِنَ الصُّفوفِ القِيادِيَّةِ الأولى، كَذَلِكَ لا بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِ مَعْلوماتٍ دَقيقَةٍ عَنِ الخَسائِرِ التي لَحِقَتْ بِأَطْرافِ الصِّراع، وَما تَبَقّى مِنْ قُدُراتِها. وَإِذا كانَ امْتِلاكُ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ لِقُوَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُتَفَوِّقَةٍ لَيْسَ مَوْضِعَ شَكٍّ فَإِنَّ التَّأْثيرَ النِّسْبِيَّ لِخَسائِرِها يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ مَلموسًا، ناهيكَ بِالخَسائِرِ غَيْرِ العَسْكَرِيَّةِ كارْتِفاعِ تَكْلِفَةِ المَعيشَةِ على المُواطِنِ الأَمْيرْكِيّ.

وَعلى الرَّغْمِ مِنَ الخَسائِرِ الفادِحَةِ التي لا بُدَّ أَنْ تَكونَ إيرانُ قَدْ تَحَمَّلَتْها، فَإِنَّ الدَّوائِرَ الرَّسْمِيَّةَ الأَمْيرْكِيَّةَ تَبْدو عاجِزَةً عَنِ التَّحْديدِ الدَّقيقِ لِمَدى الضَّرَرِ الذي أَصابَ قُدُراتِها، وَمَدى قُدْرَتِها على التَّعافي، وَتَنْسَحِبُ الإِشْكالِيَّةُ ذاتُها على دَرَجَةِ الإِرْهاقِ التي وَصَلَ إِلَيْها الجَيْشُ الإِسْرائيلِيُّ في السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُواجَهاتٍ على جَبَهاتٍ عِدَّة، وَكَذَلِكَ مَدى النَّقْصِ في صُفوفِهِ وَمُعَدّاتِه.

نتنياهو يسعى بكل ما أوتي من قدرة لتخريب التوصّل إلى اتفاق

غَيْرَ أَنَّ الأُمورَ لا تَقِفُ عِنْدَ هَذا الحَدّ، فَقَدِ ازْدادَتْ تَعْقيدًا بِإِفْراطِ ترامب في اسْتِخْدامِ الخِداعِ التَّكْتيكِيِّ في إِدارَةِ صِراعِهِ مَعَ إيران، فَفي يونْيو/حُزَيْرانَ 2025 نَصَحَ نِتِنْياهو بِأَلّا يَضْرِبَ إيرانَ أَثْناءَ المُفاوَضات، ثُمَّ انْضَمَّ إِلَيْهِ في نِهايَةِ الهُجومِ وَضَرَبَ مُفاعِلَ "فورْدو" المُحَصَّنَ، وَتَفاخَرَ بِعِلْمِهِ بِمَوْعِدِ الهُجوم، ثُمَّ اخْتارَ مَعَ إِسْرائيلَ بَدْءَ عُدْوَانِهِما في نِهايَةِ فِبْرايِر/شُباطَ الماضي في ذُرْوَةِ الإِعْلانِ عَنْ تَقَدُّمٍ حَقيقِيٍّ في المُفاوَضاتِ الأَمْيرْكِيَّةِ - الإيرانِيَّة، وَهُوَ ما أَوْجَدَ فَجْوَةَ عَدَمِ ثِقَةٍ في المُفاوِضِ الأَمْيركِيّ، إلى دَرَجَةِ أَنَّ أَحَدَ التَّقَاريرِ الأَخيرَةِ مِنْ إيرانَ يُشيرُ إلى أَنَّ ثَمَّةَ اقْتِناعًا مُتَزايِدًا لَدى اتِّجاهٍ داخِلِها بِأَنَّ المُؤَشِّراتِ الأَخيرَةَ على قُرْبِ التَّوَصُّلِ إلى اتِّفاقٍ لَيْسَتْ سِوى حَلْقَةٍ جَديدَةٍ مِنْ حَلَقَاتِ الخِداعِ التَّكْتِيكِيّ.

وَمِنْ ناحِيَةٍ ثَانِيَةٍ، فَإِنَّ المُتَغَيِّرَ الإِسْرائيلِيَّ في المُفاوَضاتِ حاضِرٌ بِقُوَّة، وَمِنَ البَديهِيِّ أَنَّ إِسْرائيلَ تُعارِضُ بِشِدَّةٍ التَّوَصُّلَ إلى اتِّفاقٍ لا يُحَقِّقُ لَها أَهْدافَها كامِلَة، وَأَنَّ إيرانَ لَنْ تَقْبَلَ اتِّفاقًا لا يَنْطَوي على حَدٍّ مَعْقولٍ مِنَ التَّوازُن، وَلِأَنَّها تُصِرُّ على أَنْ يَكونَ إِنْهاءُ الحَرْبِ شامِلًا كُلَّ الجَبَهات، فَإِنَّ نِتِنْياهُو يَسْعى بِكُلِّ ما أوتِيَ مِنْ قُدْرَةٍ لِتَخْريبِ التَّوَصُّلِ إلى اتِّفاق.

القضايا الجوهرية في المفاوضات أمامها قدر هائل من التفاصيل التي تفتح الأبواب على مصراعيها للشياطين

أَكْتُبُ هَذِهِ السُّطورَ وَكُلُّ المُؤَشِّراتِ تُرَجِّحُ التَّوَصُّلَ إلى اتِّفاق، وَمَعَ ذَلِكَ ما زِلتُ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ كُلَّ الِاحْتِمالاتِ وارِدَة، وَحَتّى لَوْ تَمَّ التَّوَصُّلُ إلى اتِّفاقٍ ما فَلا نَنْسى أَنَّهُ سَيَكونُ اتِّفاقًا إِطارِيًّا، بِمَعْنى أَنَّهُ سَيَضَعُ إِطارًا لِلمُضِيِّ قَدُمًا في التَّفاوُضِ حَوْلَ المَسائِلِ الجَوْهَرِيَّةِ وَعلى رَأْسِها البَرْنامَجُ النَّوَوِيّ. أَمّا الِاتِّفاقُ نَفْسُهُ فَمِنَ الواضِحِ أَنَّهُ سَيُرَكِّزُ على القَضايا النّاجِمَةِ عَنِ العُدْوانِ كَإغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُزَ وَإِنْهاءِ الحِصارِ البَحْرِيِّ الأَمْيرْكِيّ، أَمّا القَضَايا الجَوْهَرِيَّةُ وَعلى رَأْسِها البَرْنامَجُ النَّوَوِيُّ الإيرانِيُّ فَما زالَ أَمامَها قَدْرٌ هائِلٌ مِنَ التَّفاصيلِ التي تَفْتَحُ الأَبْوابَ على مِصْراعَيْها لِلشَّياطينِ وَما أَكْثَرَها، كَما أَنَّهُ مِنَ الواضِحِ أَنَّ الرَّئيسَ الأَمْيرْكِيَّ لَيْسَ على دِرايَةٍ كافِيَةٍ بِتَعْقيداتِ المِنْطَقَةِ مِمّا يُؤَدّي إلى المَزيدِ مِنَ المَشاكِل، وَلَيْسَ أَدَلَّ على هَذا مِنْ رَبْطِهِ مُؤَخَّرًا مِنْ دونِ أَيِّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ مِلَفِّ التَّسْوِيَةِ مَعَ إيرانَ وَ"الِاتِّفاقاتِ الإِبْراهيمِيَّة"، وَهُما مَسارانِ مُخْتَلِفانِ تَمامًا، لا يَجْمَعُ بَيْنَهُما سِوى أَنَّ إِسْرائيلَ هِيَ سَبَبُ المَصائِبِ في الحالَتَيْن، وَلِذَلِكَ كُلِّهِ يَبْدو أَنَّ الِاسْتِقْرارَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ ما زالَ بَعيدًا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن