الأمن القومي العربي

"حَرْبُ القَواعِدِ" في القَرْنِ الأَفْرِيقيّ! أَيْنَ يَقِفُ العَرَبُ وَمِصْرُ مِنْ إِعادَةِ التَّمَوْضُعِ الأَميرْكِيّ؟

تُـمَثِّلُ إِعادَةُ التَّمَوْضُعِ الأَميرْكيِّ مُجَدَّدًا في مِنْطَقَةِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، تَحَدِّيًا كَبيرًا لِمَفْهومِ الأَمْنِ القَوْميِّ العَرَبيِّ وَالمِصْرِيّ، بِالنَّظَرِ إِلى تَأْثيرِها المُباشِرِ في حَرَكَةِ المِلاحَةِ التِّجارِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ في البَحْرِ الأَحْمَرِ وَبابِ المَنْدَب، وَارْتِباطِها بِاضْطِرابِ المِلاحَةِ في مَضيقِ هُرْمُز، على خَلْفِيَّةِ الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيران.

ساهَمَتْ حَرْبُ غَزَّةَ وَإيرانَ وَالحوثيّين، في إِعادَةِ تَعْريفِ الأَمْنِ البَحْريِّ الأَميرْكِيّ، وَأَوْلَوِيّاتِ القُوَّةِ الأَميرْكِيَّةِ عالَمِيًّا، خاصَّةً مع تَراجُعِ أَوْلَوِيَّةِ "الحَرْبِ على الإِرْهاب" وَانْتِقالِ واشِنْطُن لِاحْتِواءِ الصّينِ بَحْرِيًّا وَتَصاعُدِ القَلَقِ الأَميرْكيِّ مِنْ تَمَدُّدِ بِكين عَبْرَ "الحِزامِ وَالطَّريق".

وَمِنَ الواضِحِ أَنَّ القَرْنَ الأَفْرِيقِيَّ لَمْ يَعُدْ يُنْظَرُ إِلَيْهِ كَساحَةٍ ثانَوِيَّةٍ في التَّخْطيطِ السِّياسيِّ العَسْكريِّ الأَميرْكِيّ، بَلْ أَصْبَحَ مَفْهومًا اسْتراتيجِيًّا تتَقاطعُ فيهِ قَضايا أَمْنِ المِلاحَةِ البَحْرِيَّة، وَمُكافَحَةِ الإِرْهاب، وَمُنافَسَةِ القُوى العُظْمى - خاصَّةً الصّين.

وَسَجَّلَتِ الاسْتْراتيجِيَّةُ الأَميرْكِيَّةُ الجَديدَةُ لِعامِ 2026، "تَحَوُّلًا مِنَ الالْتِزاماتِ الواسِعَةِ إِلى الانْخِراطِ المَحْدودِ المُسْتَنِدِ إِلى المَصالِحِ الحَيَوِيَّة، مع التَّرْكيزِ على الرَّدْعِ بَدَلًا مِنْ بِناءِ الدُّوَل".

وَلِهَذا يَبْدو أَنَّ "إِعادَةَ التَّمَوْضُعِ الأَميرْكيِّ في القَرْنِ الأَفْريقِيّ، مَحْكومَةٌ بِـ'سِياسَةِ الصَّفَقاتِ المُباشِرَةِ' وَالمُقارَباتِ البْراغْماتِيَّةِ لِإِدارَةِ الأَزْماتِ الإِقْليمِيَّة.

عَلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الصّينَ تُصِرُّ على أَنَّ مُنْشَأَتَها هِيَ لِلْخَدَماتِ اللّوجيستِيَّةِ فَقَط، إِلّا أَنَّ المُراقِبينَ الدَّوْلِيّينَ يُشَكِّكونَ في ذَلِكَ مُنْذُ فَتْرَةٍ طَويلَة، مِمّا يَجْعَلُ مَوْقِعَها على بُعْدِ سَبْعَةِ أَمْيالٍ فَقَط مِنْ قاعِدَةِ "كامْب ليمونييه" (Camp Lemonnier) الأَميرْكِيَّةِ أَمْرًا مُثيرًا لِلْقَلَق.

أَصْبَحَتْ جيبوتي، التي تَقَعُ على أَحَدِ أَكْثَرِ مَمَرّاتِ الشَّحْنِ ازْدِحامًا في العالَمِ عِنْدَ مَضيقِ بابِ المَنْدَب، مَرْكَزًا لِلْقَواعِدِ العَسْكَرِيَّةِ الأَجْنَبِيَّة، حَيْثُ تَسْتَضيفُ مُنْشَآتٍ لِفَرَنْسا وَالوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَاليابانِ وَإيطالْيا وَالصّين.

وَمع أَنَّها واحِدَةٌ مِنْ أَكْثَرِ الدُّوَلِ الأَفْريقِيَّةِ احْتِضانًا لِلْقَواعِدِ الأَجْنَبِيَّة، فَقَدْ رَفَضَتْ جيبوتي السَّماحَ لِلْوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ بِشَنِّ هَجَماتٍ على الحوثِيّينَ مِنْ أَراضيها.

الانْدِفاعَةُ المِصْرِيَّةُ التّاريخِيَّة

وَبَيْنَما يُـمَثِّلُ سِباقُ القَواعِدِ العَسْكَرِيَّةِ في القَرْنِ الأَفْريقِيّ، فُرَصًا وَمَخاطِرَ أَمْنِيَّةً بِالنِّسْبَةِ لِمِصْر، الَّتي تَرْفُضُ بِشَكْلٍ قاطِعٍ أَيَّ مُحاوَلاتٍ مِنْ فاعِلينَ غَيْرِ ساحِلِيّينَ لِفَرْضِ أَنْفُسِهِمْ شُرَكاء، فَقَدْ تَحَوَّلَتِ القاهِرَةُ مِنَ الدّيبْلوماسِيَّةِ السِّياسِيَّةِ إِلى الحُضورِ العَسْكريِّ المُباشِرِ لِحِفْظِ أَمْنِ بابِ المَنْدَبِ وَالنّيل.

تُـمَثِّلُ التَّحَرُّكاتُ المِصْرِيَّةُ في الصّومالِ وَالقَرْنِ الأَفْريقِيّ، نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ كُبْرى؛ حَيْثُ تَبَنَّتِ القاهِرَة "صِياغَةَ كَمّاشَةٍ اسْتراتيجِيَّة" لِحِمايَةِ أَمْنِها المائِيِّ وَالبَحْرِيّ.

فَقَدْ عَظَّمَتِ القاهِرَةُ حُضورَها في مِنْطَقَةِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، عَبْرَ بِناءِ تَحالُفاتٍ دِفاعِيَّةٍ صَلْبَةٍ وَنَشْرِ أُصولٍ عَسْكَرِيَّة، في خُطْوَةٍ تُشْبِهُ الانْدِفاعَةَ الاسْتراتيجِيَّةَ التّاريخِيَّةَ لِمِصْرَ في القَرْنِ الـ19 لِحِمايَةِ مَنابِعِ النّيلِ وَتَأْمينِ مَضيقِ بابِ المَنْدَب.

وَتَتَزايدُ المَخاوِفُ المِصْرِيَّةُ وَسْطَ تَحَوُّلاتٍ سِياسِيَّةٍ مُتَسارِعَة، وَضُغوطٍ إِقْليميَّةٍ مُتَزايدَة، وَتَنافُسٍ دَوْليٍّ مَحْمومٍ لِتَأْسيسِ قَواعِدَ عَسْكَرِيَّةٍ تُعَزِّزُ النُّفوذَ الاسْتْراتيجِيّ، لا سِيَّما مع الطُّموحاتِ الإِثْيوبِيَّةِ لِلْحُصولِ على مَنْفَذٍ بَحْرِيّ.

وَتَعاظَمَ هَذا الاتِّجاهُ بَعْدَ تَوْقيعِ أَديس أَبابا مُذَكِّرَةَ تَفاهُمٍ مُثيرَةً لِلْجَدَلِ مع إِقْليمِ أَرْضِ الصّومالِ (الانْفِصالي) لِلْحُصولِ على مَنْفَذٍ بَحْرِيٍّ وَقاعِدَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُقابِلَ الاعْتِرافِ بِالإِقْليم، حَيْثُ سَعَتْ مِصْرُ لِتَطْويرِ عَلاقاتِها مع الصّومالِ وَإِريتْرِيا، إلى شَراكَةٍ اسْتراتيجِيَّة، لِمُواجَهَةِ طُموحاتِ آبي أَحْمَد.

وَانْطِلاقًا مِنْ رُؤْيَتِها أَنَّ مَسْؤوليَّةَ تَأْمينِ البَحْرِ الأَحْمَرِ تَقَعُ على عاتِقِ الدُّوَلِ المُطِلَّةِ عَلَيْهِ حَصْرًا، فَقَدِ امْتَلَكَتْ مِصْرُ بِالفِعْلِ الأَدَواتِ اللّوجيستِيَّةَ لِلْوُجودِ بَعيدِ المَدى بِفَضْلِ امْتِلاكِها لِحامِلاتِ المِرْوَحِيّاتِ "ميسْتْرال"، وَغَوّاصاتٍ حَديثَة، وَقاعِدَةِ "بِرنيس" العَسْكَرِيَّةِ على البَحْرِ الأَحْمَر، الَّتي دُشِّنَتْ خِصّيصًا لِهَذا الغَرَض.

لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ بَعيدًا عَنْ تَحَرُّكِ تُرْكيا الإِقْليمِيّ، وَتَدْشينِها في سِبْتَمْبَر/أَيْلول عام 2017، أَكْبَرَ قاعِدَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ لَها في الخارِجِ في مَقَديشو، عاصِمَةِ الصّومال.

"حَرْبُ القَواعِدِ" لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ تَسْييرِ دَوْرِيّات، بَلْ هِيَ مُحاوَلَةٌ لِلتَّحَكُّمِ في المَمَرّاتِ الَّتي تَخْنُقُ أَوْ تُغَذّي الاقْتِصادَ العالَمِيَّ وَقَناةَ السُّوَيْس، ذَلِكَ أَنَّ "المَكاسِبَ الأَمْنِيَّةَ المُؤَقَّتَةَ الَّتي تُوَفِّرُها القَواعِدُ العَسْكَرِيَّةُ لِلدُّوَلِ المُضيفَةِ في القَرْنِ الأَفْريقِيّ، تَتآكَلُ أَمامَ آثارِها السَّلْبِيَّةِ طَويلَةِ المَدى على السِّيادَةِ الوَطَنِيَّة.

وَيُعيدُ نَشْرُ القَواعِدِ العَسْكَرِيَّةِ المُكَثَّفِ في هَذِهِ الرُّقْعَةِ الضَّيِّقَة، عَسْكَرَةَ المَمَرِّ المائِيِّ وَيَجْعَلُهُ رَهينَةً لِأَيِّ صِدامٍ دَوْلِيٍّ مُحْتَمَلٍ بَيْنَ القُوى العُظْمى.

المَوْقِفُ العَرَبِيُّ وَالفُرَصُ الضّائِعَة

لَكِنَّ المَوْقِفَ العَرَبِيَّ لَيْسَ كُتْلَةً واحِدَة؛ فَالاسْتراتيجِيَّةُ المِصْرِيَّةُ تَصْطَدِمُ أَحْيانًا بِتَبايُنِ المَصالِحِ مع قُوًى خَليجِيَّةٍ تَدْعَمُ مَوانِئَ وَقَواعِدَ بَديلَةً في القَرْنِ الأَفْريقِيّ.

وَيَتَمَثَّلُ "المَأْزِقُ العَرَبِيُّ" هُنا في غِيابِ رُؤْيَةٍ مُوَحَّدَة؛ فَبَيْنَما تَقودُ مِصْرُ حِراكًا عَسْكريًّا وَديبْلوماسِيًّا صَريحًا لِمُحاصَرَةِ الانْدِفاعَةِ الإِثْيوبِيَّةِ وَحِمايَةِ أَمْنِ المِياه، تَتَحَرَّكُ قُوًى خَليجِيَّةٌ عَبْرَ اسْتِثْماراتٍ ضَخْمَةٍ في المَوانِئِ وَالقَواعِدِ البَحْرِيَّة، مِمّا يَخْلُقُ حالَةً مِنَ التَّنافُسِ العَرَبيِّ البَيْنيِّ الَّذي تَسْتَغِلُّهُ القُوى الدَّوْلِيَّةُ وَالإِقْليمِيَّةُ لِإِعادَةِ تَرْتيبِ الأَوْراقِ مِنْ دونِ مُراعاةٍ تامَّةٍ لِلْأَمْنِ القَوْميِّ العَرَبيِّ الشّامِل. وَتَبْدو الإِماراتُ كَمُحَرِّكٍ رَئيسيٍّ لِسِباقِ القَواعِدِ العَسْكَرِيَّةِ في أَفْريقْيا، وَسْطَ مَعْلوماتٍ عَنِ اعْتِزامِها بِناءَ قاعِدَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ في أَرْضِ الصّومال. وَاعْتَمَدَتْ كلٌّ من مِصْرَ وَالسُّعودِيَّة مَوْقِفًا مغايرًا، مِمّا أَدّى إِلى تَقْسيمِ مِنْطَقَةِ البَحْرِ الأَحْمَرِ إِلى تَحالُفَيْن، فَبَيْنَما الرِّياضُ تُفَضِّلُ الدّيبْلوماسِيَّةَ الهادِئَةَ عَبْرَ "مَجْلِسِ الدُّوَلِ العَرَبيَّةِ وَالأَفْريقِيَّةِ المُطِلَّةِ على البَحْرِ الأَحْمَرِ وَخَليجِ عَدَن"، تُفَضِّلُ الإِماراتُ الاسْتِثْمارَ المُباشِرَ في المَوانِئِ وَالقَواعِد، عَبْرَ "مَوانِئِ دُبَي العالَميَّة".

حَديثُ "فُرَصِ العَرَبِ الضّائِعَة"، تَحَوَّلَ إِلى "صِراعِ اسْتراتيجِيّاتٍ" بَيْنَ الهَيْمَنَةِ الاقْتِصادِيَّةِ على المَوانِئِ وَحِمايَةِ الأَمْنِ القَوْميِّ العَسْكرِيّ، ما يَطْرَحُ تَساؤُلاتٍ بِشَأْنِ النَّجاحِ في صِياغَةِ جَبْهَةٍ عَرَبيَّةٍ - أَفْريقِيَّةٍ مُوَحَّدَة، أَمْ أَنَّ صِراعَ القَواعِدِ الدَّوْلِيَّةِ سَيَتَجاوَزُ القُدْرَةَ العَرَبيَّةَ على المُناوَرَة، وَالأَهَمُّ قُدْرَتُها على تَحَمُّلِ تَكاليفِها على المُسْتَوى الاسْتراتيجِيِّ لاحِقًا!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن