اقتصاد ومال

"صِناعَةُ السَّيّاراتِ" في المَغْرِبِ والعالَمِ العَرَبي (2/2)بَيْنَ الِانْدِماجِ في سَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّةِ وَحُدودِ التَّوْطينِ التِّكْنولوجِي

تَوَقَّفْنا في مَقالٍ سابِقٍ عِنْدَ الفَوْرَةِ التي تَعْرِفُها صِناعَةُ السَّيّاراتِ في المَغْرِبِ وَالعالَمِ العَرَبِيِّ خِلالَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْن، إلى دَرَجَةٍ أَنَّها تُقَدَّمُ بِوَصْفِها أَحَدَ أَعْمِدَةِ التَّحَوُّلِ الصِّناعِيِّ وَرافِعَةً لِلِانْدِماجِ في الِاقْتِصادِ العالَمِيّ. وَقَدْ أَفْرَزَ هَذا التَّوَجُّهُ نَتائِجَ مَلْموسَةً على مُسْتَوى جَذْبِ الِاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّة، وَخَلْقِ فُرَصِ الشُّغْل، وَتَحْسينِ مُؤَشِّراتِ التَّصْدير، لَوْلا أَنَّ هَذا النَّجاحَ الكَمِّيَّ يَطْرَحُ في المُقابِلِ تَساؤُلاتٍ نَوْعِيَّةً أَكْثَرَ عُمْقًا تَتَعَلَّقُ بِطَبيعَةِ هَذا التَّصْنيعِ وَحُدودِه، وَمَدى قُدْرَتِهِ على إِرْساءِ قاعِدَةٍ صِناعِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ قائِمَةٍ على المَعْرِفَةِ وَالِابْتِكار، وَهَذا ما نَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مَلِيًّا في هَذا المَقال.

لا يَعْني هَذا النَّقْدُ أَنَّ قِطاعَ السَّيّاراتِ بِلا قيمَةٍ أَوْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ فُقّاعَةٍ بِالمَعْنى الِاقْتِصادِيِّ الضَّيِّق، فَالفُقّاعَةُ تَعْني عادَةً نَشاطًا مُنْفَصِلًا عَنْ أَساسٍ اقْتِصادِيٍّ حَقِيقِيّ، بَيْنَما قِطاعُ السَّيّاراتِ في المَغْرِبِ مَثَلًا خَلَقَ مَناصِبَ شُغْل، وَرَفَعَ الصّادِرات، وَحَسَّنَ صورَةَ البِلادِ كَمِنَصَّةٍ صِناعِيَّة، وَساهَمَ في تَطْويرِ الخِدْماتِ اللّوجيسْتِيَّةِ وَالمَناطِقِ الصِّناعِيَّةِ وَالتَّكْوينِ المِهْنِيّ؛ لِذلِكَ فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ في وُجودِ هَذا القِطاعِ، بَلْ في سَقْفِ الأُنْموذَجِ الذي يَحْكُمُه، وَهُوَ أُنْموذَجٌ ناجِحٌ في التَّشْغيلِ وَالتَّصْديرِ وَجَذْبِ الِاسْتِثْمار، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَحَوَّلْ بَعْد إلى أُنْموذَجٍ ناجِحٍ في التَّمَلُّكِ التِّكْنولوجِيِّ وَبِناءِ رَأْسِمالٍ صِناعِيٍّ وَطَنِيٍّ مُسْتَقِلّ.

هُنا تَظْهَرُ المُفارَقَةُ الأَساسِيَّة: الدَّوْلَةُ تَتَحَمَّلُ جُزْءًا كَبيرًا مِنْ كُلْفَةِ الجاذِبِيَّةِ الصِّناعِيَّةِ مِنْ خِلالِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَالتَّحْفيزاتِ وَالعَقارِ وَالتَّكْوين، بَيْنَما تَحْتَفِظُ الشَّرِكاتُ الأَجْنَبِيَّةُ بِالجُزْءِ الأَكْبَرِ مِنَ القَرارِ الِاسْتراتيجِيِّ وَالقيمَةِ التِّكْنولوجِيَّة؛ وَبِقَدْرِ ما يَمْنَحُ هَذا الأُنْموذَجُ نَتائِجَ سَريعَةً على مُسْتَوى التَّشْغيلِ وَالصّادِرات، فَإِنَّهُ قَدْ يُنْتِجُ تَبَعِيَّةً طَويلَةَ المَدى إِذا لَمْ تُصَمَّمْ لَهُ مَرْحَلَةٌ ثانِيَةٌ أَكْثَرُ طُموحًا؛ فَالدُّوَلُ لا تَنْتَقِلُ إلى التَّصْنيعِ الحَقيقِيِّ بِمُجَرَّدِ اسْتِضافَةِ المَصانِع، بَلْ عِنْدَما تَتَحَوَّلُ المَصانِعُ إلى مَدارِسَ لِلتِّكْنولوجْيا، وَحينَ يُصْبِحُ المُوَرِّدونَ المَحَلِّيّونَ شُرَكاءَ في التَّطْويرِ لا مُجَرَّدَ مُنَفِّذين، وَحينَ تَتَحَوَّلُ الجَامِعَةُ مِنْ مُؤَسَّسَةٍ لِلتَّكْوينِ النَّظَرِيِّ إلى فاعِلٍ في البَحْثِ الصِّناعِيِّ التَّطْبيقِيّ.

المطلوب نقل المعرفة وخلق مراكز بحث وتطوير وتكوين مهندسين وتقنيين قادرين على تطوير منتجات محلية

في العالَمِ العَرَبِيِّ عُمومًا، تَبْدو صِناعَةُ السَّيّاراتِ مَحْكومَةً بِثَلاثَةِ اخْتِلالاتٍ كُبْرى: ضَعْفِ القِطاعِ الخاصِّ الصِّناعِيِّ الوَطَنِيّ، وَمَحْدودِيَّةِ البَحْثِ العِلْمِيِّ التَّطْبيقِيّ، وَغِيابِ سِياسَةٍ طَويلَةِ النَّفَسِ لِبِناءِ عَلاماتٍ وَطَنِيَّةٍ تَنافُسِيَّة؛ فَمِصْرُ تَمْتَلِكُ سوقًا داخِلِيَّةً مُهِمَّة، لَكِنَّها لَمْ تَنْجَحْ بَعْد في بِناءِ قاعِدَةٍ تَصْديرِيَّةٍ وَتِكْنولوجِيَّةٍ قَوِيَّة، وَالجزائرُ انْتَقَلَت في فَتَراتٍ مُتَعَدِّدَةٍ بَيْنَ سِياساتِ تَجْميعٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالِاسْتيرادِ وَمُحاوَلاتِ ضَبْطٍ إِدارِيٍّ لَمْ تُؤَسِّسْ لِصِناعَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَهُوَ أُنْموذَجٌ أَكْثَرُ قُدْرَةً على إِنْتاجِ التِّكْنولوجْيا وَتَمَلُّكِ جُزْءٍ مِنَ القَرارِ الصِّناعِيّ.

إِنَّ مُسْتَقْبَلَ هَذِهِ الصِّناعَةِ في المَغْرِبِ وَالعالَمِ العَرَبِيِّ لَنْ يَتَحَدَّدَ بِعَدَدِ المَصانِعِ فَقَط، بَلْ بِقُدْرَةِ هَذِهِ الدُّوَلِ على تَغْييرِ شُروطِ العَلاقَةِ مَعَ المُسْتَثْمِرِ الأَجْنَبِيّ، فَالمَطْلوبُ لَيْسَ رَفْضَ الِاسْتِثْمارِ الأَجْنَبِيّ، بَلْ إِعادَةُ التَّفاوُضِ حَوْلَ وَظيفَتِهِ التَّنْمَوِيَّة، بِحَيْثُ لا يَكونُ الهَدَفُ هُوَ التَّجْميعَ وَالتَّشْغيلَ فَحَسْب، بَلْ نَقْلَ المَعْرِفَة، وَخَلْقَ مَراكِزِ بَحْثٍ وَتَطْويرٍ، وَإِدْماجَ المُقاوَلاتِ الوَطَنِيَّةِ في حَلَقاتٍ أَعْلى مِنَ القيمَة، وَتَوْجيهَ جُزْءٍ مِنَ الصَّفَقاتِ وَالتَّحْفيزاتِ نَحْوَ تَكْوينِ مُهَنْدِسينَ وَتِقْنِيّينَ قادِرينَ على تَطْويرِ مُنْتَجاتٍ مَحَلِّيَّة؛ كَما أَنَّ التَّحَوُّلَ العالَمِيَّ نَحْوَ السَّيّاراتِ الكَهْرَبائِيَّةِ يَفْتَحُ نافِذَةً تاريخِيَّة، لَكِنَّهُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ يَحْمِلُ خَطَرًا جَديدًا، فَقَدْ نَنْتَقِلُ مِنْ تَبَعِيَّةٍ لِمُحَرِّكاتِ الِاحْتِراقِ الدّاخِلِيِّ إلى تَبَعِيَّةٍ أُخْرى في البَطّارِيّاتِ وَالبَرْمَجِيّاتِ إِذا لَمْ نَسْتَثْمِرْ مُبَكِّرًا في البَحْثِ وَالمَوادِّ الحَرِجَةِ وَالهَنْدَسَةِ الرَّقْمِيَّة.

وَارْتِباطًا بِما سَبَق، جَديرٌ بِالذِّكْرِ أَنَّ صِناعَةَ السَّيّاراتِ في المَغْرِبِ وَالعالَمِ العَرَبِيِّ تَعْكِسُ وَضْعِيَّةً مُرَكَّبَةً تَجْمَعُ بَيْنَ مَنْطِقَيْنِ مُتَوازِيَيْن: مَنْطِقِ النَّجاحِ الكَمِّيِّ المُرْتَبِطِ بِالتَّشْغيلِ وَالصّادِراتِ وَالِانْدِماجِ في سَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّة، وَمَنْطِقِ القُصورِ البُنْيَوِيِّ المُرْتَبِطِ بِضَعْفِ التَّوْطينِ التِّكْنولوجِيِّ وَغِيابِ قاعِدَةٍ صِناعِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ قائِمَةٍ على الِابْتِكار، فَهِيَ كَما سَبَقَتِ الإِشارَة، لَيْسَتْ فُقّاعَةً بِالمَعْنى الِاقْتِصادِيِّ الضَّيِّق، لِأَنَّ لَها آثارًا حَقيقِيَّةً على مُسْتَوى الِاقْتِصادِ الوَطَنِيّ، لَكِنَّها في الآنِ ذاتِهِ لا تَرْقى إلى مُسْتَوى صِناعَةٍ مُكْتَمِلَةِ السِّيادَة، قادِرَةٍ على التَّحَكُّمِ في مَفاتيحِ التِّكْنولوجْيا وَالإِنْتاج.

الرّهان الحقيقي يتمثّل في الانتقال من اقتصاد المناولة إلى اقتصاد الابتكار

لا يَكْمُنُ جَوْهَرُ الإِشْكالِ في وُجودِ هَذِهِ الصِّناعَة، بَلْ في طَبيعَةِ مَوْقِعِها داخِلَ النِّظامِ الصِّناعِيِّ العالَمِيّ، حَيْثُ تَظَلُّ الدُّوَلُ العَرَبِيَّة، على الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلافِ تَجارِبِها، في مَوْقِعِ المُنَفِّذِ أَكْثَرَ مِنْ مَوْقِعِ المُنْتِجِ لِلْمَعْرِفَةِ وَالقيمَة. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الرِّهانَ الحَقيقِيَّ لا يَتَمَثَّلُ في مُضاعَفَةِ الإِنْتاجِ أَوِ اسْتِقْطابِ المَزيدِ مِنَ الِاسْتِثْمارات، بِقَدْرِ ما يَتَمَثَّلُ في إِعادَةِ صِياغَةِ الأُنْموذَجِ الصِّناعِيِّ نَفْسِه، عَبْرَ الِانْتِقالِ مِنْ مَنْطِقِ الجاذِبِيَّةِ إلى مَنْطِقِ التَّمْكين، وَمِنِ اقْتِصادِ المُناوَلَةِ إلى اقْتِصادِ الِابْتِكار؛ وَعَلَيْه، فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَ هَذا القِطاعِ سَيَظَلُّ رَهينًا بِمَدى قُدْرَةِ هَذِهِ الدُّوَلِ على الِاسْتِثْمارِ في البَحْثِ العِلْمِيّ، وَتَطْويرِ نَسيجٍ صِناعِيٍّ وَطَنِيّ، وَتَعْزيزِ دَوْرِ الجامِعَةِ في إِنْتاجِ المَعْرِفَةِ التَّطْبِيقِيَّة، وَبِناءِ شَراكَاتٍ مُتَوازِنَةٍ مَعَ الفاعِلينَ الدَّوْلِيّينَ تَقومُ على نَقْلِ التِّكْنولوجْيا لا مُجَرَّدِ اسْتِغْلالِ عَوامِلِ الكُلْفَة؛ دونَ ذَلِك، سَيَظَلُّ قِطاعُ السَّيّاراتِ عُنْوانًا لِنَجاحٍ جُزْئِيّ، يُحَقِّقُ مَكاسِبَ ظَرْفِيَّة، لَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ إِحْداثِ التَّحَوُّلِ الصِّناعِيِّ العَميقِ المَنْشود!.


لقراءة الجزء الأول

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن