تمثل آسيا بشكل عام ومنطقتا جنوب شرق آسيا والمحيطان الهندي والهادي بشكل خاص، أولوية كبرى بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية لأسباب لا تحتاج إلى تذكير، من منطلق أن استمرار الزعامة الأمريكية للعالم، يستند على ديمومة التحالفات مع أكبر عدد ممكن من دول المنطقة، وعلى تطوير مستمر للقدرات العسكرية والتكنولوجية من أجل محاصرة الصين التي تشكل أبرز تحدٍ وجودي لواشنطن. وتحرص إدارة ترامب على توظيف كل قدراتها للتأثير في مسار الأحداث في آسيا، وكثيراً ما يدفعها هذا الحرص إلى الاعتماد على حسابات ظرفية خاطئة، وإلى اتخاذ قرارات متسرِّعة لا تسيء فقط للخصم الصيني بل تجعل الحلفاء المقربين لها، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، يشعرون بأن الشريك الأمريكي يمكن أن ينقلب عليهم في أي لحظة.
يشير فريدريك إنسيل في قاموسه الجيوسياسي إلى أن آسيا ستظل تمثل أبرز قارة في المعمورة، ليس فقط بالنظر إلى مساحتها الشاسعة، لا سيما إذا أضفنا لها منطقة سيبيريا الروسية، ولكن أيضاً من منطلق كثافتها السكانية المرتفعة والتي ستبقى هي الأعلى في العالم خلال العقود المقبلة على الرغم من النمو السكاني السريع الذي تعرفه القارة الإفريقية، كما أن آسيا تتميز بتنوعها اللغوي ولاسيما الديني، ويوجد بها القسم الأكبر من العقائد غير التوحيدية في العالم، إضافة إلى أنها تمثل مهد كل الديانات التوحيدية الكبرى. وفضلاً عن كل ما تقدم، وهو ما يفسر من ثم الرهان الأمريكي على آسيا، فإن هذه القارة تمتلك القسم الأكبر من الاحتياطيات العالمية من الثروات الطبيعية مثل النفط والمعادن النادرة.
ويمكن القول إن أبرز المفارقات التي سجلها المراقبون بشأن السياسة الخارجية لترامب في آسيا خلال ولايته الرئاسية الثانية، تتمثل في الغموض الذي يكتنف استراتيجية إدارته، إذ إن ترامب بدأ هجومه على حلفائه قبل أن ينتقل إلى خصومه الكبار، وغلب على الكثير من سياساته التسرّع وأحياناً العشوائية من خلال إعلان قرارات مفاجئة ثم التراجع عنها لاحقاً، الأمر الذي دفع البعض إلى القول إنه يعتمد الشدة ضد الضعفاء و«اللين» في مواجهة الأقوياء، واتضح للجميع اعتماده على مبدأ القوة في العلاقات الدولية بوصفه المعيار الأساسي للدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، في سياق داخلي أمريكي يهدف إلى إعادة الاعتبار لأخلاق القوة وبناء عقيدة عسكرية هجومية، كان من أهم تجلياتها إعادة توصيف المؤسسة العسكرية وتسميتها بوزارة الحرب عوضاً عن وزارة الدفاع.
كما أن ترامب يتعامل مع الصين انطلاقاً من تكتيكات آنية ومتغيّرة وليس اعتماداً على استراتيجية ثابتة وواضحة المعالم، لأن ما يهمّه في المقام الأول هو محاصرة بكين ومنعها من تحقيق أهدافها البعيدة المدى التي من أبرزها التحوّل إلى القوة العظمى الأولى في العالم مع مطلع سنة 2049 التي ستمثل الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، وتعمل إدارته على إطلاق تصريحات متناقضة بشأن سيادة الصين على تايوان بهدف دفع الصين إلى اتخاذ قرارات غير دقيقة، قد تبطئ وتيرة تقدمها المتسارع. ويبرز هذا التركيز الكبير لواشنطن على المنطقة من خلال زيارة وزير الحرب الأمريكي مرتين في الفترة الممتدة بين مارس/ آذار ومايو/آيار 2025 إلى دول في المحيطين الهندي والهادي، مؤكداً بالمناسبة أن إدارة بلاده ملتزمة بتحقيق السلام في المحيطين بالقوة، لكونهما يشكّلان أهم أولويات واشنطن.
وقد وجّه، في السياق نفسه، وزير الخارجية الصيني انطلاقاً من مؤتمر ميونيخ للأمن، رسالة واضحة لإدارة ترامب أعاد من خلالها تحذير واشنطن من تجاوز الخطوط الحمراء في تايوان قائلاً إن أي محاولة أمريكية للتآمر بهدف فصل تايوان عن الصين ستؤدي على الأرجح إلى مواجهة، ودعاها إلى اعتماد طريق التعاون مع بلاده، عوض العمل على تقويض سيادة الصين ودفع تايوان إلى الانفصال.
أما بالنسبة للهند فإنه، ورغم قرار ترامب القاضي بخفض الرسوم الجمركية عن الصادرات الهندية، وهو أمر استقبلته نيوديلهي بترحيب واضح، إلا أن حكومة مودي لا تثق كثيراً في التزامات واشنطن وتتعامل بحذر بالغ مع مزاج ترامب المتقلب، ومن ثم فإن الهند عبّرت خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي الذي استضافته، عن طموحاتها في تجاوز كل من أمريكا والصين على حد سواء، لأنها تريد أن تقود دول الجنوب الكبير إلى تطوير ذكاء اصطناعي مفتوح أمام كل الدول يكون أكثر احتراماً للخصوصية ولبيانات المستخدمين.
نخلص عطفاً على ما تقدم، إلى أن خيارات ترامب في آسيا لم تعد سهلة التنفيذ في المرحلة الراهنة، فقد أضاعت واشنطن جزءاً كبيراً من رصيد الثقة الذي كانت تمتلكه لدى حلفائها في المنطقة، ودفعت الصين إلى تبني سياسة أكثر حزماً تجاه المصالح الأمريكية، وجعلت الهند ترسّخ حيادها بشأن المواجهة المحتدمة بين القوتين الكبيرتين، حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية البعيدة المدى، وعلى علاقاتها التاريخية مع موسكو.
(الخليج الإماراتية)

