تقدير موقف

التَّفاوُضُ على نَتائِجِ الحَرْبِ لا على أسبابِها!

مِنَ التَّسَرُّعِ الحُكْمُ على مُذَكِّرَةِ التَّفاهُمِ بَيْنَ واشِنْطُن وَطَهْران قَبْلَ نَشْرِها رَسْمِيًّا، خُصوصًا أَنَّ التَّصْريحاتِ المُتَناقِضَةَ لِلطَّرَفَيْنِ توحي أَحْيانًا بِأَنَّهُما يَتَفاوَضانِ على نَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْن. لَكِنْ ما تَسَرَّبَ حَتّى الآن، وَما أَعْلَنَهُ الرَّئيسُ دونالْد ترامب عَنْ رَفْعِ الحِصارِ عَنْ إيرانَ مُقابِلَ فَتْحِ مَضيقِ هُرْمُز، اللَّذَيْنِ لَمْ يَتَحَقَّقا بَعْد، يوحي بِأَنَّنا لَسْنا أَمامَ تَسْوِيَةٍ كُبْرى بَقَدْرِ ما نَحْنُ أَمامَ مُحاوَلَةٍ لِلْخُروجِ مِنَ الحَرْبِ مِنْ دونِ تَحْقيقِ هَدَفٍ سِياسِيٍّ واضِح!. 

التَّفاوُضُ على نَتائِجِ الحَرْبِ لا على أسبابِها!

بَدَلَ مُعالَجَةِ المَلَفّاتِ التي شَكَّلَتْ جَوْهَرَ الصِّراع، مِنَ البَرْنامَجِ النَّوَوِيِّ إلى الصَّواريخِ الباليسْتِيَّةِ وَالنُّفوذِ الإِقْليمِيِّ الإيرانِيّ، يَبْدو أَنَّ الأَوْلَوِيَّةَ باتَتْ لِتَمْديدِ وَقْفِ النّارِ وَتَأْمينِ تَدَفُّقِ النَّفْطِ وَتَهْدِئَةِ الأَسْواق، بِما يوحي أَنَّ مُواجَهَةَ المَشْروعِ الإيرانِيِّ قَدِ انْتَهَتْ إلى مُقايَضَةٍ ضَيِّقَة: مُهَدِّئاتٍ هَشَّة، وَهُدوءٍ مِلاحِيٍّ مُقابِلَ التَّفاوُضِ على كُلِّ ما أَشْعَلَ المِنْطَقَةَ أَصْلًا!.

واشنطن تبدو كطرف يسعى إلى شراء التهدئة ولو بثمن مكافأة مَن تلاعب بأمن الممرات الدولية

المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ في مَضْمونِ أَيِّ مُذَكِّرَةِ تَفاهُمٍ مُقْبِلَة، بَلْ في التَّرَدُّدِ الذي يَحْكُمُ السِّياسَةَ الأَميرْكِيَّةَ تُجاهَ إيرانَ في الحَرْبِ أَوِ السَّلام، وَيَمْنَعُها مِنْ تَحْديدِ ما تُريدُهُ فِعْلًا: إِسْقاطَ أَمِ احْتِواءَ أَمْ إِضْعافَ أَمْ تَغْييرَ سُلوكِ النِّظام؟ وَهَلِ الحَرْبُ هَدَفَتْ لِإِعادَةِ رَسْمِ تَوازُناتِ المِنْطَقَةِ أَمْ مُجَرَّدَ فَرْضِ تَهْدِئَةٍ مُؤَقَّتَة؟.

هَذا الغُموضُ وَراءَهُ حِساباتٌ أَميرْكِيَّةٌ داخِلِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ لا يَعْتَرِفُ بِها دونالْد ترامب: الاقْتِصادُ وَكُلْفَةُ الطّاقَة، وَانْتِخاباتٌ نِصْفيةٌ حَسّاسَةٌ لَنْ تَكونَ أَيُّ حَرْبٍ عامِلًا إيجابِيًّا فيها. كَما أَنَّ الحِزْبَ الجُمْهورِيَّ نَفْسَهُ لَيْسَ مُوَحَّدًا حِيالَ إيران، إِذْ تُعارِضُ شَخْصِيّاتٌ نافِذَةٌ فيهِ أَيَّ تَراخٍ أَمامَ التَّعَنُّتِ الإيرانِيِّ أَوِ الِانْزِلاقِ إلى مُواجَهَةٍ لا تَمْلِكُ وَاشِنْطُن تَصَوُّرًا واضِحًا لِنِهايَتِها. يُضافُ إلى ذَلِكَ العامِلُ الإِسْرائيلِيّ، إِذْ يُدْرِكُ ترامب أَنَّ أَيَّ تَفاهُمٍ لا يُراعي مَصالِحَ إِسْرائيل، خُصوصًا ما يَتَعَلَّقُ بِالنَّوَوِيِّ وَالأَذْرُعِ الإِقْليمِيَّة، قَدْ يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ سَلْبًا في الدّاخِل.

تَبْدو وَاشِنْطُن وَكَأَنَّها تُحاوِلُ السَّيْرَ بَيْنَ خَطَّيْنِ مُتَناقِضَيْن: تَجَنُّبِ الحَرْبِ الكُبْرى مِنْ جِهَة، وَعَدَمِ الظُّهورِ بِمَظْهَرِ المُتَساهِلِ مَعَ إيرانَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، فَكَانَ البَديلُ فَرْضَ حِصارٍ خانِق. وَبِهَذا المَعْنى، لا يَكونُ السُّؤالُ ماذا حَقَّقَتْ أَميرْكا، بَلْ ماذا بَقِيَ مِنْ مَعْنى المُواجَهَةِ نَفْسِها. فَإِذَا كانَتْ إيرانُ قَدْ أَغْلَقَتْ مَضيقَ هُرْمُز، ثُمَّ تَمَكَّنَتْ مِنَ الخُروجِ مِنَ الأَزْمَةِ بِفَتْحِ المَضيقِ مُقابِلَ مَكاسِبَ نَفْطِيَّةٍ وَسِياسِيَّة، فَإِنَّ الرِّسالَةَ التي تَصِلُ إلى المِنْطَقَةِ خَطيرَة: إفْتَعِلْ أَزْمَةً كُبْرى، إرْفَعْ كُلْفَةَ العالَم، ثُمَّ فاوِضْ على التَّراجُعِ عَنْها. هُنا لا تَبْدو وَاشِنْطُن كَقُوَّةٍ تَفْرِضُ قَواعِدَ الاسْتِقْرار، بَلْ كَطَرَفٍ يَسْعى إلى شِراءِ التَّهْدِئَة، وَلَوْ بِثَمَنِ مُكَافَأَةِ مَنْ تَلاعَبَ بِأَمْنِ المَمَرّاتِ الدَّوْلِيَّة.

الولايات المتحدة ما زالت ترى في "البُعْبُع الإيراني" أداة مفيدة لإبقاء الحلفاء في الإقليم تحت المظلّة الأميركية

الأَخْطَرُ أَنَّ هَذِهِ المُقارَبَةَ تَفْصِلُ نَتائِجَ الحَرْبِ عَنْ أَسْبابِها. فالمُشْكِلَةُ لَمْ تَكُنْ في مَضيقِ هُرْمُز، بَلْ في سُلوكٍ إيرانِيٍّ بَدَأَ بِتَصْديرِ الثَّوْرَةِ وَخَلْقِ الأَذْرُعِ وَنَشْرِ الإِرْهابِ إلى البَرامِجِ النَّوَوِيَّةِ وَالباليسْتِيَّة، وَالقَمْعِ الذي حَوَّلَ الشَّعْبَ الإيرانِيَّ نَفْسَهُ إلى ضَحِيَّةٍ أولى لِهَذا النِّظام. فَإِذَا تَأَجَّلَتْ هَذِهِ المِلَفّات، تَكونُ إيرانُ قَدْ نَجَحَتْ في تَبْديلِ جَدْوَلِ الأَعْمال: بَدَلَ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ انْتِهاكاتِها، أَضْحَتِ الِانْتِهاكاتُ مَوْضوعَ التَّفاوُض، كَما فَتْحُ المَضيقِ الذي كَانَ يَجِبُ أَلّا يُسْمَحَ بِإِغْلاقِهِ أَصْلًا.

لا يَبْدو أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ تُريدُ القَضاءَ على النِّظامِ الإيرانِيّ، إِذْ ما زالَتْ تَرى في "البُعْبُعِ الإيرانِيِّ" أَداةً مُفيدَةً لِإِدارَةِ تَوازُناتِ المِنْطَقَةِ وَإِبْقاءِ الحُلَفاءِ في الإِقْليمِ تَحْتَ المِظَلَّةِ الأَميرْكِيَّة. لَكِنَّ هَذِهِ المُقارَبَةَ سَتُقْرَأُ إِقْليمِيًّا كَدَليلٍ جَديدٍ على هَشاشَةِ الضَّماناتِ الأَميرْكِيَّة، إِذْ سَتَجِدُ الدُّوَلُ التي تُهَدِّدُها إيرانُ أَنَّ وَاشِنْطُن مُسْتَعِدَّة، عِنْدَ لَحْظَةِ الضَّغْط، لِلْعَوْدَةِ إلى تَفاهُماتٍ مَعَ طَهْرانَ فَوْقَ رُؤوسِ الآخَرينَ في ضَرْبٍ لِصِدْقِيَّتِها. وَهَكَذا لا هِيَ حَسَمَتِ الحَرْبَ وَلا فَرَضَتْ تَسْوِيَةً تُعالِجُ جُذورَ الخَطَر، فيما تَبْدو المِنْطَقَةُ مُقْبِلَةً على مَرْحَلَةٍ طَويلَةٍ مِنَ المُفاوَضاتِ تَتَخَلَّلُها ضَرَباتٌ عَسْكَرِيَّةٌ مُتَقَطِّعَةٌ وَمَدْروسَة، تُكَرِّسُ غَلَبَةَ الدّيبْلوماسِيَّةِ في سِياسَةٍ أَتْقَنَتْها طَهْران مُنْذُ عُقود: شِراءِ الوَقْت، وَمَنْعِ الحَسْم، وَتَحْويلِ كُلِّ أَزْمَةٍ إلى مِنَصَّةِ تَفاوُضٍ جَديدَة.

إيران عرفت كيف تستخدم الفوضى الأميركية وواشنطن فاوضت على عوارض مرض عضال وتركته يتمدّد

في لُبْنان، تَبْدو التَّداعِياتُ أَكْثَرَ خُطورَة. فَإذا صَحَّتِ التَّسْريباتُ عَنْ إِدْراجِ وَقْفِ الحَرْبِ بَيْنَ إِسْرائيلَ وَ"حِزْبِ اللَّهِ" في المُذَكِّرَة، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يُكَرِّسُ واقِعَ التَّفاوُضِ على لُبْنانَ لا مَعَهُ فَحَسْب، بَلْ يُناقِضُ الخِطابَ الأَميركِيَّ الدّاعِيَ إلى فَصْلِ المَسارَيْنِ اللُّبْنانِيِّ وَالإيرانِيّ، وَتَأْكيدَ الدَّوْلَةِ اللُّبْنانِيَّةِ أَنَّهُ لا أَحَدَ يُفاوِضُ بِاسْمِها. فَأَيُّ تَفاهُمٍ يُنْهي الحَرْبَ مِنْ دونِ مُعالَجَةِ سِلاحِ الحِزْبِ لَنْ يُنْتِجَ اسْتِقْرارًا دائِمًا، بَلْ سَيُبقي على المُعادَلَةِ نَفْسِها: هُدَنٌ هَشَّة، وَدَوْلَةٌ مُعَلَّقَة، وَحِزْبٌ يَحْتَفِظُ بِمَوْقِعِهِ كَطَرَفٍ تَفاوُضِيٍّ غَيْرِ مُباشِر.

هَذِهِ الأَزْمَةُ تَكْشِفُ ثَمَنَ غِيابِ الرُّؤْيَةِ الأَميرْكِيَّةِ وَدُخولِ مُواجَهَةٍ سُرْعانَ ما تَشَظَّتْ أَهْدافُها، وَلَمْ يَعُدْ واضِحًا ما إِذا كانَتْ لِكَبْحِ البَرْنامَجِ النَّوَوِيّ، أَمْ لِلْحَدِّ مِنَ النُّفوذِ الإيرانِيّ، أَمْ لِتَأْمينِ المِلاحَة، أَمْ لِلْبَحْثِ عَنْ مَخْرَجٍ يَحْفَظُ ماءَ الوَجْهِ لا تَوازُناتِ المِنْطَقَة. لِذَلِك، يَبْدو أَنَّ المَسارَ الدّيبْلوماسِيَّ المُعْتَمَدَ يَسْمَحُ لِلْخَصْمِ بِإِعادَةِ تَعْريفِ الأَزْمَةِ لِمَصْلَحَتِه. إيرانُ لَمْ وَلَنْ تَنْتَصِر، بَلْ عَرَفَتْ كَيْفَ تَسْتَخْدِمُ الفَوْضى الأَميرْكِيَّة، وَوَاشِنْطُن لَمْ تَتَعَثَّرْ لِأَنَّها فاوَضَت، بَلْ لِأَنَّها فاوَضَتْ على عَوارِضِ مَرَضٍ عُضالٍ وَتَرَكَتْهُ يَتَمَدَّد، لِتَكونَ إيرانُ الدَوْلَةُ الديموقْراطِيَّةُ الطَبيعِيَّةُ في المِنْطَقَةِ أولى ضَحاياه!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن