يَـقَـعُ ذَلِـكَ لِأَنَّ الـمُـطْـلَـقـاتِ مُمْـتَـنِـعَـةُ الـتَّـبَـيُّـنِ بِـالضَّـرورَةِ وَإِنْ هِـيَ بَـدَتْ لَـدى مَـنْ يُـفَـكِّـرُ بِـهـا عـلى دَرَجَـةٍ مِـنَ الـوُضـوحِ وَالـبَـداهَـةِ لا يُـداخِـلُـهُ فـيـهِـمـا شَـكٌّ! أَمّـا مَـأْتـى الامْـتِـنـاعِ ذاكَ فَـمِـنْ أَنَّ مـا هُـوَ فـي حُـكْـمِ الـمُـطْـلَـقـاتِ مِـنَ الـمَـوْضـوعـاتِ وَالأَفْـكـارِ يَـقَـعُ، حُـكْـمًـا، خـارِجَ أَيِّ شَـرْطٍ مـادِّيٍّ: مَـكـانِـيٍّ أَوْ زَمـانِـيٍّ. لِـذَلِـكَ هُـوَ عَـصِـيٌّ عَـلَى الـتَّـحْـديـد، فَـضْـلًا عَـنْ أَنَّـهُ يَـنْـطَـوي عـلى قَـدْرٍ مِـنَ الـتَّـجْـريـدِ الـذِّهْـنِـيِّ يَـخْـرُجُ بِـهِ عَـنْ حَـدِّ الـواقِـعِـيِّ وَالـمَـوْضـوعِـيّ، وَيَـبْـلُـغُ مِـنَ الـعُـمـومِـيَّـةِ فـي الـمَـعْـنـى حَـدًّا يَـسْـتَـعْـصـي فـيـهِ عـلى الـتَّـعَـيُّـنِ الـمـادِّيِّ وَالـتَّـعْـيـيـنِ الـدَّقـيـق: اللَّـذَيْـنِ مِـنْ مُـسْـتَـلْـزَمـاتِـهِـمـا اعْـتِـبـارُ أَحْـكـامِ الـتَّـغَـيُّـرِ وَالـتَّـبَـدُّلِ وَالـمَـكـانِ وَالـزَّمـانِ فـي الأَشْـيـاءِ وَالأَفْـكـار؛ حَـيْـثُ مِـنْ دونِ اعْـتِـبـارِ تِـلْـكَ الاشْـتِـراطـات، لا شَـيْءَ يُـمْـكِـنُ أَنْ يَـخْـرُجَ مِـنَ الـمَـجْـهـولِ إِلَـى الـمَـعْـلـومِ أَوْ يَـصـيـرَ قـابِـلًا لِلإِدْراك.
الـحَـقُّ أَنَّ الـوَعْـيَ يُـصـادِفُ، بِـاسْـتِـمْـرار، مُـطْـلَـقـاتٍ تَـرِدُهُ أَوْ تَـنْـهَـمِـرُ عَـلَـيْـهِ مِـنَ الأَفْـكـارِ وَالأَقْـوالِ الـمُـتَـداوَلَـةِ فَـيَـتَـلَـقّـاهـا بِـإِحْـدى طَـريـقَـتَـيْـنِ فـي الـغـالِـبِ مِـنَ الأَحْـوال: إِمّـا بِـاسْـتِـقْـبـالٍ بـارِدٍ يَـتَـجـاهَـلُـهـا لِـكَوْنِـهـا قَـدْ تَـبْـدو عَـسـيـرَةً عَـلَى الاسْـتـيـعـاب، أَوْ مِـنْ طَـريـقِ اسْـتِـقْـبـالٍ سَـلـبِـيٍّ تُـسْـتَـبْـدَهُ فـيـهِ أَوْ يَـقَـعُ الـنَّـظَـرُ إِلَـيْـهـا فـيـهِ بِـمـا هِـيَ مُـعْـطَـيـاتٌ ناجِـزَةٌ وَدالَّـةٌ عـلى نَـفْـسِـهـا. وَفـي كِـلـتـا الـحـالَـيْـن، لا تُـعْـرَضُ تِـلْـكَ الـمُـطْـلَـقـاتُ عـلى نَـظَـرٍ نَـقْـدِيٍّ يَـفْـحَـصُ عَـنْـهـا وَعَـمّـا يَـدُلُّ عَـلَـيْـهِ مَـضْـمـونُـهـا أَوْ يُـعـيـدُ تَـصْـويـبَ طَـريـقَـةِ عَـرْضِـهـا، وَكَـثـيـرًا مـا لا يُـدْرِكُ أَنَّ الأَمْـرَ فـيـهـا يَـتَـعَـلَّـقُ بِـأَفْـكـارٍ إِشْـكـالِـيَّـةٍ لا يُـمْـكِـنُ الـتَّـسْـلـيـمُ بِـهـا عـلى الـنَّـحْـوِ الـذي بِـهِ تُـقَـدِّمُ نَـفْـسَـهـا، وَأَنَّ عـلى الـفِـكْـرِ أَنْ يُـمْـعِـنَ فـيـهـا الـنَّـظَـرَ لِـتَـبْـديـدِ مـا يُـداخِـلُـهـا مِـنْ شَـوْبٍ وَخِـداع. وَلَـقَـدْ يَـجـوزُ أَنْ يُـقـالَ إِنَّ أَكْـثَـرَ "الـمَـعـارِفِ" الـدّائِـرَةِ فِـي الـحَـقْـلِ الـتَّـداوُلِـيّ: الـعالِـمِ وَالـعامِّـيّ، هِـيَ مِـنْ هَـذا الـجِـنْـسِ مِـنَ الـمُـطْـلَـقـاتِ الـمُـنْـفَـلِـتَـةِ مِـنْ كُـلِّ قَـيْـدٍ عَـقْـلِـيٍّ وَواقِـعِـيّ.
يجب التمييز بين مُطلَقات العقل ومُطلَقات الدين ومسائل أخرى في الفلسفة والعلوم الدينية قابلة للإدراك والبحث
لَـيْـسَـتِ الـفَـلْـسَـفَـةُ وَحْـدَهـا مـا يُـرَبّـي الـفِـكْـرَ عَـلَى تَـوَسُّـلِ الـمُـطْـلَـقِـيَّـةِ فـي الـتَّـفْـكـيـرِ لِـمُـجَـرَّدِ أَنَّ بَـعْـضَ مَـبـاحِـثِـهـا مَـسْـكـونٌ بِـهـاجِـسِ الـبَـحْـثِ عَـنْ مـاهِـيّـاتِ الـمَـسـائِـلِ الـتـي يَـتَـنـاوَلُـهـا، بَـل يُـمْـكِـنُ لِلّاهـوتِ وَالـعُـلـومِ الـدّينِـيَّـة، فـي كُـلِّ الـثَّـقـافـات، أَنْ تُـعَـزِّزَ ذَلِـكَ فـيـهِ لِـسَـبَـبٍ مَـعْـلـوم: أَنَّـهـا تَـتَـنـاوَلُ مِـنْ مَـوْضـوعـاتِ الـعـالَـمِ مـا لا يَـقَـعُ فِـي دائِـرَةِ الـمَـحْـسـوسِ وَمـا لا يُـمْـكِـنُ قِـيـاسُـهُ بِـأَدَواتِ الـقِـيـاسِ الـمـادِّيّ؛ إِذْ هِـيَ تَـهْـتَـمُّ بِـمـا يَـدْخُـلُ ـ فِـي اللِّـسـانِ الإِسْـلامِـيّ ـ فـي عـالَـمِ الـغَـيْـب: الـخـارِجِ عَـنْ حُـدودِ الـعَـقْـلِ وَالـتَّـجْـرِبَـةِ مَـعًـا. هـذا يَـفْـرِضُ تَـمْـيـيـزًا بَـيْـنَ مُـطْـلَـقـاتِ الـعَـقْـلِ (الـمـيـتـافـيـزيـقـا) وَمُـطْـلَـقـاتِ الـدّينِ (الـغَـيْـب)، مِـنْ جِـهَـة، وَمَـسـائِـلَ أُخْـرى فـي الـفَـلْـسَـفَـةِ وَالـعُـلـومِ الـدّينِـيَّـةِ قـابِـلَـةٍ لِلإِدْراكِ بِـأَدَواتِ الـدَّرْسِ الـتّـاريـخِـيِّ وَالـواقِـعِـيِّ وَالـتَّـجْـريـبِـيِّ وَالـمَـنْـطِـقِـيّ؛ وَمـا أَكْـثَـرَ مَـسـائِـلِ الـفَـلْـسَـفَـة (= السِّـيـاسَة، الأَخْـلاق وَالـقِـيَـم، الـتَّـرْبِـيَـة، الـمَـعْـرِفَـة، الـجَـمـالِـيّـات، الـصّـورَة... إِلَـخ) وَمَـسـائِـلِ الـعِـلْـمِ الـدّينِـيّ (= الـفِـقْـهُ الـتَّـشْـريـعِـيُّ مَـثَـلًا) الـتـي تَـقْـبَـلُ الـبَـحْـثَ بَـعـيـدًا مِـنَ الـمُـطْـلَـقـات.
عـلى أَنَّـهُ إِذا كـانَـتِ الـفَـلْـسَـفَـةُ هِـيَ الـرَّحِـمَ الـتـي نَـشَـأَتْ فـيـهـا فِـكْـرَةُ الـمُـطْـلَـقِ وَخَـرَجَـتْ مِـنْـهـا (مُـنْـذُ أَفْـلاطـون، الـذي طَـبَـعَ فِـكْـرَ الـعُـصـورِ الـوُسْـطـى، مُـرورًا بِـهـيْـغِـل الـذي أَثَّـرَ فـي فِـكْـرِ الـعُـصـورِ الـحَـديـثَـةِ وَصـولًا إِلَـى هـايْـدِغَـر)، شَـأْنُـهـا فـي هـذا شَـأْنُ الـعُـلـومِ الـدّينِـيَّـةِ الـتـي تَـدورُ عـلى مَـسـائِـلِ اللّاهـوتِ/الـكَـلام، فَـإِنَّ الـفِـكْـرَةَ تِـلْـكَ مـا لَـبِـثَـتْ أَنْ شـاعَـتْ فـي غَـيْـرِهِـمـا مِـنَ الـعُـلـومِ وَالـمَـعـارِفِ فَـدَخَـلَـتْ إلـى عِـلْـمِ الـتّـاريـخِ وَعُـلـومِ الـحَـضـارَةِ وَعِـلْـمِ السِّـيـاسَـةِ وَسِـواهـا، وَأَضْـحَـتْ تَـتَـرَدَّدُ فـي الـرُّؤوسِ وَالـنُّـصـوصِ حَـتّـى مِـنْ دونِ أَنْ يَـكـونَ مَـوْعًى بِـهـا تَـمـامًـا عـلى نَـحْـوِ مـا هِـيَ عَـلَـيْـهِ حـالُـهـا فـي الـوَعْـيِ الـعـامّ (الـعـامِّـيّ) السّائِـدِ الـذي تَـتَـرَدَّدُ فـيـهِ بِـوَصْـفِـهـا حَـقـائِـق! غَـيْـرَ أَنَّ شُـيـوعَ فِـكْـرَةِ الـمُـطْـلَـقِ فـي الـمـيـتـافـيـزيـقـا وَعُـلـومِ الـدّينِ لا يَـعْـنـي، بِـالضَّـرورَة، أَنَّ الـمَـبـاحِـثَ هـذِهِ هِـيَ الـمَـصـادِرُ الـتـي انْـتَـقَـلَـتْ مِـنْـهـا الـفِـكْـرَةُ إِلَـى الـوَعْـيِ الـعـامِّ السّائِـد؛ إِذْ مـا أَكْـثَـرَ مَـنـاهِـلَـهـا فـي الـثَّـقـافَـةِ الشَّـعْـبِـيَّـةِ وَفـي الـيَـنـابـيـعِ الـقَـديـمَـةِ الـتـي تَـمْـتَـحُ مِـنْـهـا وَالـتـي بِـهـا تَـسْـتَـغْـنـي عَـنْ أَيِّ مَـوْرِد!.
عقل المطلَق هو عقل غير منتِج للمعرفة بموضوعاته
الـعَـقْـلُ الـذي يَـتَـحَـرَّكُ فـي دَوائِـرِ الـمـيـتـافـيـزيـقـا وَاللّاهـوتِ هُـوَ، حُـكْـمًـا، عَـقْـلُ الـمُـطْـلَـق؛ أَيْ الـعَـقْـلُ الـذِي يُـفَـكِّـرُ بِـالـمُـطْـلَـقـاتِ وَيَـتَـوَسَّـلُـهـا، وَهـذا عَـقْـلٌ غَـيْـرُ مُـنْـتِـجٍ لِلـمَـعْـرِفَـةِ بِـمَـوْضـوعـاتِـهِ الـتـي يَـتَـنـاوَلُـهـا. وَالأَسْـوَأُ مِـنْ عُـقْـمِـهِ أَنْ يَـنْـتَـقِـلَ مِـنْ مَـجـالِـهِ الـمُـمْـتَـنِـعِ عـلى الـعِـلْـمِ إلـى مَـجـالاتٍ مِـنَ الـدَّرْسِ وَالـبَـحْـثِ يُـتـاحُ فـيـهـا الـعِـلْـمُ بِـمَـسـائِـلِـهـا وَيَـمْـتَـكِـن، مِـثْـلَ الـعُـلـومِ الإِنْـسـانِـيَّـةِ وَالاجْـتِـمـاعِـيَّـة، فَـيَـسْـتَـجِـرُّ دُخـولُـهُ فـيـهـا الإِفْـضـاءَ إِلَـى كـابِـحٍ إيـبـيسْتـيـمـولـوجِيٍّ أَمـامَ إِنْـتـاجِـهـا الـمَـعْـرِفَـة!.
لا مَـحـيـدَ، إِذَن، عَـنِ الانْـتِـقـالِ مِـنْ عَـقْـلِ الـمُـطْـلَـقِ (الـمـيـتـافـيـزيـقـا) إِلَـى عَـقْـلِ الـمُـتَـعَـيِّـن (الـنِّـسْـبِـيّ)؛ وَعَـقْـلُ الـمُـتَـعَـيِّـنِ لا يَـكـونُ إِلَّا بِـعَـقْـلِ عَـقْـلِ الـمُـطْـلَـق؛ أَيْ بِـتَـقْـيـيـدِهِ وَمَـنْـعِ امْـتِـدادِهِ إلـى خـارِجِ مَـعـاقِـلِـهِ الأولـى وَمَـرابِـضِـهِ الـتـي فـيـهـا يَـقِـرّ. حـيـنَ يُـعْـقَـلُ عَـقْـلُ الـمُـطْـلَـق (يَـصـيـرُ مَـعْـقـولًا أَوْ مُـقَـيَّـدًا)، يُـمْـكِـنُ لِـعَـقْـلِ الـنِّـسْـبِـيِّ الـمُـتَـعَـيِّـنِ أَنْ يَـتَـحَـرَّرَ مِـنْ سَـطْـوَةِ الأَوَّلِ وَيَـفْـرِضَ سُـلْـطانَـهُ فـي أَحْـيـازِهِ الـمَـعْـرِفِـيَّـة. إِنَّـه، إِذَن، الانْـتِـقـالُ مِـنَ الـمـيـتـافـيـزيـقـا إلـى الـتّـاريـخِ ذَلِـكَ الـذي يَـعْـقِـلُ عَـقْـلَ الـمُـطْـلَـق.
(خاص "عروبة 22")

