في وقائعِ الميدانِ اليوميّةِ، لم يختلفْ المشهدُ كثيرًا في لبنان. فالجنوبُ يبقَى تحتَ لهيبِ النيرانِ الإسرائيليّةِ المُتصاعدةِ، بينما ثُبِّتَ اتفاقُ عدمِ استهدافِ الضاحيةِ الجنوبيّةِ لبيروت "مؤقتًا"، ريثما ينجلي المشهدُ العام. فقرارُ الرئيسُ الأميركيّ دونالد ترامب بوقفِ النارِ جاءَ "ملتبسًا"، مع تناقضٍ حادٍّ في التسريباتِ المتعلقة بما اتُفِقَ عليه. وذلك بعد أن أدارت دولٌ عدةٌ محركاتِهَا لمنعِ تفاقمِ الأمورِ في لبنانَ و"نسفِ" المفاوضاتِ الأميركيّةِ – الإيرانيّةِ، التي تشهدُ حالةً من المماطلةِ والتمسكِ بالشروطِ عينها، من دونِ حصولِ تقدّمٍ كبيرٍ يمكنُ أن يُعَوَّلُ عليه. لكن اللافتَ في هذه التطوراتِ كان أمرين، الأولُ دخولُ رئيسُ مجلسِ النوابِ نبيه بري على الخطِ عبرَ إيصالِ رسائلَ مباشرةً إلى الأميركيين، في ما اعتُبِرَ محاولةً لـ"تجاوزِ" رئيسِ الجمهوريةِ المفوّض دستوريًا بذلك، وتحديدًا بعد الجدل الدائرِ منذ اختارت الدولةُ رسميًا التفاوضَ المباشرَ مع تلّ أبيب باعتباره "أفضلَ الممكن" حاليًا. بينما كان بري، ومن خلفِهِ "حزب الله"، يرفضان هذا المسارَ ويكيلان التهمَ للدولةِ بالتنازل. أما الأمرُ الآخر فيتمثلُ في ما نقله موقعُ "أكسيوس" عن توبيخٍ وشتائم وجهَّهَا الرئيسُ الأميركيُّ دونالد ترامب إلى رئيسِ الوزراءِ الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو، خلال المكالمةِ الهاتفيّةِ التي جمعَتهُمَا أولَ من أمس الاثنين.
وجاءت مكالمةُ "الشتائمَ" على خلفيةِ تهديدِ نتنياهو بالتصعيدِ في لبنانَ، فيما اتهَمَهُ الرئيسُ الأميركيُّ بأنه "ناكرٌ للجميل" بعدما ساعدَهُ في البقاءِ خارجَ قضبانِ السجنِ على خلفيةِ اتهاماتِ الفسادِ التي تلاحقُه. كما أخبرَهُ أن تنفيذَ تهديداتِهِ بقصفِ العاصمةِ اللبنانيّةِ بيروت، من شأنِهِ أن يزيدَ من عزلةِ إسرائيلَ في جميعِ أنحاءِ العالم. وعليه، فإن تدخلَ واشنطن مع تلّ أبيب أجبَرَها على التراجعِ الفوريّ عن الضرباتِ العسكريةِ على الضاحيةِ، لكنه فجّرَ موجةَ غضبٍ داخلَ الحكومةِ الإسرائيليّة. إذ أكد وزيرُ الدفاعِ يسرائيل كاتس، أن واشنطنَ لن تمنعَ إسرائيل، وأنها ستصلُ إلى أيِّ مكانٍ يتطلبُّهُ الأمرُ في إطارِ حمايةِ أمنِهَا وأمنِ المستوطناتِ الشماليّة. وفي الوقتِ عينِهِ، انتقدَ الوزيرُ المتطرفُ إيتمار بن غفير القرار قائلًا إنه "حانَ الوقتُ لنقولَ لترامب: لا". أما كبارُ المعلقين والخبراء الإسرائيلييّن، فاعتبروا أن ما جرى أشبهَ بانكسارٍ استراتيجيٍّ وتجريدٍ كاملٍ لسيادةِ إسرائيل. وأشاروا إلى أن الطريقةَ الفوقيّةَ التي فرضَ بها ترامب قرارَ وقفِ إطلاقِ النارِ يُمثلُ تدميرًا كاملًا لهيبةِ الدولةِ العبريةِ. لكن هذه الطريقة في التعاملِ لا تبدو جديدةً أو استثنائيّةً، بل سبقهَا خلافاتٌ حولَ مواضيعَ عدة في وقتٍ سابقٍ، اضطرت معهَا تلّ أبيب للرضوخِ والالتزامِ بالكلامِ الأميركيّ، ولو على مضض. وعليه، فإن لبنانَ ربما "نجا"، في اللحظاتِ المفصليّةِ، من تصعيدٍ عسكريٍ كان سيزيدُ الأمورَ تعقيدًا، لكنه لم يستطعْ انتزاعَ وقفٍ شاملٍ وكاملٍ للنار. فبقي الجنوبُ "خارجَ الحسابِ"، حتى تبلورَ المسارُ الذي سينتجُ عن المفاوضاتِ، التي تُعقدُ بين لبنانَ وإسرائيلَ برعايةٍ أميركيّة.
وفي هذا الإطار، عُقدَت، أمسِ الثلاثاء، الجولةُ الرابعةُ من المفاوضاتِ، التي يُتَوَقَعُ أن تستمرَ مدةَ يومين، من دونِ أن تَلوحَ في الأفقِ أيّ بوادرٍ إيجابيّة. فتلّ أبيب تتمسكُ بالمباحثاتِ تحتَ النارِ، فيما يحاولُ لبنانُ التمسكَ بالثوابتِ الوطنيّةِ عينِهَا، من تأكيدِ ضرورةِ تثبيتِ وقفِ النارِ على كاملِ الأراضي اللبنانيّة، إلى الانسحابِ الإسرائيليّ، واستعادةِ الأسرى وبلورةِ خطةٍ لإعادةِ الإعمارِ بما يُمكّنُ النازحينَ من العودةِ إلى قراهم. إلا أن هذا المسارَ "طويلٌ" ويبدو محفوفًا بالكثير من العقباتِ والعُقدِ، لكن مع ذلك، يتمسّكُ لبنانُ الرسميّ بهذه المفاوضات باعتبارها "طوقَ نجاةٍ" في الوقتِ الراهن. وهو ما أكدَهُ رئيسُ الجمهوريةِ جوزاف عون حين قالَ إن "القوةَ ليست في خوضِ الحربِ، بل في إنهائِهَا عبرَ التفاوضِ"، مشددًا على أن الجيشَ هو "العمودُ الفقري لمنعِ الفتنة". من هنا، فإن معادلةَ تحييد الضاحيةِ مقابلَ عدمَ استهدافِ "حزب الله" المستوطناتِ الشماليّةِ أسهَمَت في تبديدِ الأجواءِ، وكبحِ جماحِ حكومةِ نتنياهو، وإرساءِ تفاصيلَ إضافيةٍ في جولةِ المباحثاتِ، التي عُقِدَت أمسِ الثلاثاء، وستُستكملُ اليومَ الأربعاء، وسطَ ضغوطٍ تُمارسُ على طرفيِّ النزاع. فلبنانُ مُطالبٌ بنزعِ سلاحِ الحزبِ وضمانِ انتشارِ الجيشِ وتوليه كاملِ المسؤوليةِ واستعادةِ هيبةِ الدولةِ وقرارتِهَا السياديةِ. في حين تهدفُ إسرائيلُ إلى أبعدِ من ذلكَ، بعد أن حقّقَت تقدّمًا واسعًا ميدانيًا، على الرغمِ من الخسائرِ التي تُمنَى بها مع التهديداتِ المستمرةِ التي تشكّلُهَا مُسيّراتُ "حزبِ الله".
بالتزامنِ، أفادَت "هيئةُ البثِّ الإسرائيليّة" بأن قوّاتٍ أميركيّة ستتولَّى تدريبَ الجيشِ اللبنانيّ وتأهيلِهِ، في إطارِ ترتيباتٍ يجري بَحثُهَا ضمن المسارِ التفاوضيّ. ونقلَت الهيئةُ أيضًا أن ترامب طالبَ بعدمِ تحويلِ لبنانَ إلى ورقةٍ في المفاوضاتِ الجاريةِ مع إيران. ويبدُو أن سياسةَ واشنطنَ الحاليّةَ تقومُ على احتواءِ التصعيدِ بدلًا من توسيعِ رقعتِهِ، انطلاقًا من رغبتِهَا في عدمِ عرقلةِ المحادثاتِ الجاريةِ مع طهرانَ، سعيًا إلى التوصلِ إلى تسويةٍ مرضية. وفي موقفٍ لافتٍ، قال وزيرُ الخارجيةِ الأميركيّ ماركو روبيو إنّه "لا وجودَ لحزبِ الله من دونِ إيرانَ"، معتبرًا أنه يمكنُ للحكومةِ اللبنانيّةِ ونظيرتِهَا الإسرائيليّةِ إبرامَ اتفاقِ سلامٍ في وقتٍ قريب. لكنه حمّلَ الحزبَ مسؤوليّةَ "المعاناةِ الحاليّةِ في لبنان". وأوضحَ الأخير، في موقفٍ سابقٍ، أن الإدارةَ الأميركيّةَ تلقَّت اتّصالاتٍ عبر الحكومةِ اللبنانيّةِ ورئيسِ مجلسِ النوابِ نبيه برّي، نيابةً عن "حزبِ الله"، تفيدُ بأنَ الحزبَ لن يُهاجمَ إسرائيلَ ما لم تُهاجَمُ بيروت. واعتبر بري أن "الرئيسَ ترامب هو الوحيدُ القادرُ على إبرامِ وقفٍ حقيقيٍّ لإطلاقِ النارِ وإلزامِ إسرائيلَ به". وشدّدَ، في حديثٍ إلى صحيفةِ "نيويورك تايمز"، على أن "حزبَ الله منفتحٌ على وقفِ إطلاقِ نارٍ حقيقيٍ"، موضحًا أن "الحاجةَ الحاليةَ تكمنُ في تحقيقِ وقفٍ لإطلاقِ النارِ، بغضِ النظرِ عما إذا كان الاتفاقُ منفصلًا عن إيرانَ أو مرتبطًا بها". وتدخلُ المفاوضاتُ مرحلةً دقيقةً مع بقاءِ الأعينِ شاخصةً نحوَ الجنوبِ، الذي شهدَ، أمسِ الثلاثاء، تكثيفًا للعملياتِ الإسرائيليّةِ، وقصفًا مدفعيًا استهدفَ بلدات دبين وشوكين وبرعشيت وبلاط والمروانية، بالتزامنِ مع تنفيذِ عملياتِ تفجيرٍ داخلَ الأراضي اللبنانيّة.
ووجَّهَ جيشُ الاحتلالِ إنذاراً جديدًا إلى سكانِ النبطيةِ بضرورةِ الإخلاءِ الفوريّ، بينما تشهدُ المدينةُ تدميرًا ممنهجًا، لا يختلفُ عما تعيشُهُ مدينةُ صور. واستهدفَت مُسيّراتٌ إسرائيليةٌ سياراتٍ ودراجاتٍ نارية في حاروف وتول وصريفا وأنصار، ما أسفرَ عن سقوطِ عددٍ من القتلى والجرحى، فيما قُتلَ عاملانِ سوريانِ في غارةٍ استهدفَتهُمَا داخلَ مشتلٍ في بلدةِ جبشيت. بدورِهَا، أعلنَت قيادةُ الجيشِ اللبنانيِّ إصابةَ عسكريّينِ بجروحٍ متوسطةٍ، جراء استهدافِهِمَا بشكلٍ مباشرٍ من القواتِ الإسرائيليّةِ على طريقِ حبوش – دير الزهراني. ولاحقًا، أفادَت وزارةُ الصحةِ بمقتلِ 3468 شخصًا وإصابة 10577 في العدوانِ المستمرِ على البلادِ منذ 2 آذار/مارس الماضي. في المقابلِ، عكسَت الوقائعُ الميدانيّةُ التزامَ الحزبِ عمليًا بالتهدئةِ عبر حصرِ عملياتِهِ بالقواتِ الإسرائيليّةِ المتوغّلةِ داخلَ الأراضي اللبنانيّة، من دونِ الإعلانِ عن أيّ هجماتٍ باتجاهِ الداخلِ الإسرائيليّ. وذلكَ على الرغمِ من إعلانِهِ، على لسانِ نائبِ رئيسِ المجلسِ السياسيّ في الحزبِ محمود قماطي، عن رفضِ معادلةِ إسرائيلَ، التي تربطُ وقفَ الهجماتِ على الضاحيةِ الجنوبيّةِ لبيروتَ بوقفِ استهدافِ المستوطناتِ الشماليّة. وينتظرُ الحزبُ ما ستؤولُ إليه المباحثاتُ بينَ واشنطنَ وطهرانَ، مع إدراكِهِ أنَ الأمورَ تبقَى مرهونةً بخواتيمِهَا، خصوصًا أن المسوؤولينَ الإيرانيينَ يؤكدونَ أن سياستَهُم تقومُ على استمرارِ دعمِ "المقاومةِ" وتوفيرِ مظلةِ الحمايةِ لهَا.
فإيرانُ الثورة تقفُ عندَ منعطفٍ شديدِ الخطورةِ، فهي لا تستطيعُ التخلي عن "وكلائِهَا" في المنطقةِ، كما أنها تريدُ التوصلَ إلى اتفاقٍ مع "الشيطانِ الأكبر"، لكن من دونِ تقديمِ تنازلاتٍ كبيرة. إلا أن هذا المنطقَ لا يرضي الإدارةَ الأميركيّةَ الحالية، الساعية إلى تجريدِ النظامِ من عناصرِ قوتِهِ وفرضِ المزيدِ من الضغوطِ عليه بهدفِ دفعِهِ إلى الاستسلام. ونقلَت وكالةُ "مهر"، عن مصدرٍ مطَّلعٍ قريبٍ من فريقِ التفاوضِ الإيرانيّ، أن طهرانَ لم تردّْ بعد على النصِ النهائيِّ المُقترحِ للاتفاقِ المؤقت. وأشارَ إلى أن إيرانَ تسعَى إلى ضمانِ "مكاسبَ فعليّة" من أيّ تفاهمٍ مُحتملٍ، لا الاكتفاء بـ"تعهداتٍ عامة". وقال إن "الولايات المتحدة قلقةً من الحرب، أما نحن فقلقون من الاتفاق". ويوضح ذلكَ مدَى تآكلِ الثقةِ واستمرارِ الخلافاتِ، التي لا تزالُ تحولُ دونَ الإعلانِ عن اتفاقٍ، على الرغمِ من المساعي الديبلوماسيّةِ المبذولةِ منعًا لسقوطِ المنطقةِ مجددًا في دوامةِ العنفِ، التي لم تتوقفْ كليًا بعد. وفي هذا السياقِ، أكدَ الرئيسُ ترامب أن المحادثاتَ بينَ واشنطنَ وطهرانَ مستمرةٌ بلا انقطاعٍ، في معرضِ نفيِهِ جميعَ التقاريرِ التي تحدثَت عن توقفِهَا، موضحًا أنه أبلغَ إيرانَ أن الوقتَ حانَ "بطريقةٍ أو بأخرى" للتوصلِ إلى تسويةٍ ما. وترافقَ كلامُهُ مع حديثِ الوزير روبيو عن احتمالِ موافقةِ طهرانَ على التفاوضِ بشأنِ جوانبَ من برنامجِهَا النوويِّ كانت ترفضُ سابقًا التطرقَ إليها، منبهًا إلى أن رفعَ العقوباتِ "سيبقى مشروطًا ولن يكون ثمنًا لإعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمزَ". في الأثناء، أفادت القيادةُ المركزيةُ الأميركيّةُ (سنتكوم) بأن آلافَ العسكريينَ، المنتشرين بحرًا وجوًا وعلى الأرضِ، يواصلونَ دعمَ الحصارِ البحريِّ المفروضِ على إيرانَ، مستحضرةً صورًا لعناصرٍ من مشاةِ البحرية، وهم يُنفِّذونَ تدريباتٍ على الإنزالِ بالحبالِ السريعةِ، على متنِ السفينةِ الهجوميةِ البرمائيّةِ "يو إس إس تريبولي" في بحرِ العرب.
بدورِهَا، واصلَت طهرانُ التشديدَ على سيطرتِهَا على حركةِ الملاحةِ في مضيقِ هُرمزَ، إذ أشارَت العلاقاتُ العامةُ لبحريةِ "الحرسِ الثوري" إلى أن 24 سفينةً عبرَت المضيقَ خلالَ الساعاتِ الـ24 الماضيةِ، بعد حصولِهَا على إذنٍ مسبقٍ وبالتنسيقِ معهَا. وتُريدُ طهرانَ أن تؤكدَ مدَى قدرتهَا على التأثيرِ في حركةِ الملاحةِ، وبالتالي في الأسواقِ العالميّةِ، بعدما اختبرَت قدرتهَا على مقارعةِ الدولِ من بابِ الاقتصادِ وتحقيقِ خسائرَ كبيرة. فهي تريدُ لهذه الحرب أن تُغيّرَ معادلةَ هذا الممرّ الحساسِ والحيويِّ بفرضِ سيطرتِهَا المطلقةِ عليه، فيما تؤكدُ أن أيّ ترتيباتٍ ستكونُ مشتركةً مع سلطنةِ عُمان. في غضونِ ذلك، أعلن الجيشُ الأميركيُّ أن صاروخينِ إيرانيينِ أُطلقَا باتجاهِ الكويت لم يُصيبَا هدفَهُمَا أو تحطمَا في أثناءِ تحليقهما، وأن القوات الأميركيّة والبحرينيّة اعترضت ثلاثة صواريخ أُطلقت باتجاه البحرين. وتكشفُ هذه المواجهةُ "المحدودةُ" هشاشةَ الهدنةِ، لكن مع عجزِ الطرفينِ عن خرقِهَا بشكلٍ كاملٍ أو "نعيِهَا". يُشارُ إلى أنَ وزارةَ الخزانةِ الأميركيّةِ أعلنَت عن عقوباتٍ جديدةٍ متعلقةٍ بإيرانَ، استهدفَت أفرادًا ومنصاتٍ لتبادلِ العملاتِ المشفرة. وأوردَت وكالةُ "رويترز" أن العقوباتَ طالَت "نوبيتكس"، وهي أكبرُ منصةٍ إيرانيّةٍ لتداولِ العملاتِ المُشفرةِ، متهمةً إياها بتمكينِ الحكومةِ والمؤسساتِ الرسميّةِ المدرجةِ على القائمةِ السوداءِ من الالتفافِ على عقوباتِ الغرب.
عراقيًا، تحاولُ بغدادُ ترتيبَ بيتِهَا الداخلي وسطَ محاولاتٍ لإيجادِ حلٍّ لمسألةِ الفصائلِ المُسلّحةِ بضغطٍ أميركيّ. وأعلنَ فصيلانِ مواليانِ لإيرانَ، هما "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي"، أنهما "سينفصلان عن قواتِ "الحشد الشعبي". في الأثناءِ، فوَّضَ "الإطارُ التنسيقيّ" رئيسُ الحكومة علي الزيدي باتخاذِ القراراتِ والإجراءاتِ الكفيلةِ بحفظِ المصالحِ العليا للبلادِ، وأيَّدَ "حصر السلاح بيدِ الدولةِ، وفكِ ارتباطِ الحشدِ الشعبي عن الأُطرِ السياسيّةِ والحزبيّة". وتراقبُ واشنطنَ هذه الخطواتُ، التي تقابلهَا بكثيرٍ من الارتياحِ للمسارِ المُتخذِ، حتى أن القائمَ بأعمالِ السفارةِ الأميركيّةِ جوشوا هاريس، وصفَ قرارَ الإطارِ بأنه "خطوةٌ نوعيّةٌ في طريقِ ترسيخِ الاستقلالِ والسيادةِ لمستقبلِ العراقِ الواعد". لكن لا تزالُ تبرزُ الكثيرُ من المطباتِ والعراقيلِ، على الرغمِ من الخطواتِ الملموسةِ المتخذةِ في هذا المجال. أما فلسطينيًا، فكثّفَت حركةُ "حماس" اللقاءات مع وسطاءِ اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ في غزّة من مصر وقطر وتركيا، لإيجادِ مقارباتٍ بشأنِ القضايا العالقة، مع تعمّدِ إسرائيلَ عدمِ تطبيقِ خطةِ ترامب، وعرقلةِ أيّ خطواتٍ لتثبيتِ الهدنةِ الهشة. وفي حين تتمسّكُ الحركةُ بتنفيذِ استحقاقاتِ المرحلةِ الأولى المتضمنةِ الانسحابَ الإسرائيليّ من الأراضي التي تحتلُهَا، وإدخالِ المساعداتِ إلى القطاعِ. من جانبِهَا، تضغطُ إسرائيل لنزعِ سلاحِ الفصائلِ بوصفه أبرزَ بنودِ المرحلةِ الثانية، مع رفضِ بحثِ أيّ بندٍ آخر.
ونفَت "حماس" الأنباءَ التي تحدثَت عن رفضِهَا تسليمَ الحكمِ في قطاعِ غزّة، واصفةً تصريحات بعض الأطراف في "مجلس السلام" بأنها "أكاذيبٌ مضللةٌ تهدفُ إلى توفيرِ غطاءٍ للاحتلالِ ليستمرَ في عدوانِهِ". وتأتي أحداثُ القطاعِ المُقلقة، مع محاولةِ إسرائيل توسيع نطاقِ احتلالِهَا واستمرارِ العملياتِ العسكريةِ الداميةِ، على وقعِ ما يجري في الضفةِ الغربيةِ المحتلةِ والقدسِ من محاولاتٍ استيطانيّةٍ لتضييقِ الخناقِ على الفلسطينيين. وفي هذا السياقِ، أصدرَ وزراءُ خارجيةُ ثماني دولٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ بيانًا مشتركًا، أدانوا فيه بأشدِ العباراتِ استمرارَ اقتحاماتِ المستوطنينَ للمسجدِ الأقصَى تحتَ حمايةِ قواتِ الاحتلالِ، ورفعِ العلمِ الإسرائيليِّ داخلَ باحاتِه. أما نيوزيلندا، فقرّرَت منعَ دخولِ 3 مستوطنينَ متطرفينَ أراضيها، نظرًا إلى نشاطِهِم في توسيعِ المستوطناتِ غير القانونيّةِ في الضفة. ودوليًا، لوّحَ الكرملين بانتهاجِ "نمطٍ جديدٍ" في الحربِ مع أوكرانيا، مبررًا ذلك بما وصفَهُ "الأفعالَ الإرهابيةَ غير الإنسانيّة" التي ارتكبها الجيشُ الأوكرانيّ ضد المدنيينَ في الآونةِ الأخيرة. فيما سارعَت كييف إلى طلبِ مساعدةِ الغربِ، مطالبةً واشنطنَ مجددًا بإرسالِ صواريخَ اعتراضيّةً إضافيةً لأنظمةِ "باتريوت" لتعويضِ الإمداداتِ المتضائلة.
وفي الآتي، أبرز ما ورد في الصحف العربية الصادرة اليوم:
اعتبرت صحيفة "الخليج" الإماراتية أن "ما تمارسه الولايات المتحدة من دور على الصعيد العالمي، باعتبارها قوة عظمى، وتسعى من خلاله إلى فرض سياساتها بالقوة، هو دور يتناقض مع العلاقات الدولية الأساسيّة، لذلك فإن هذا الدور يتراجع، وخاصة مع المساعي التي تبذلها الدول البازغة لإقامة نظام دوليّ جديد متعدد الأقطاب تكون الولايات المتحدة أحد أقطابه وليس القطب الأوحد". وأضافت: "أما إيران فقصة أخرى، فهي دولة إقليمية كبرى، لكنها لا تراعي حجم قدراتها التي تؤهلها للعب دور تسعى إليه في الإقليم، وإنما تبحث عن دور من خلال سياسات محددة بإطار ديني، تسعى لتوظيفها في خططها للهيمنة وتصدير أفكارها، في محاولة للخروج من حالة الحصار الخانقة والعزلة الدولية التي تعيشها منذ سنوات، لذلك فإن هذا الدور يواجه رفضاً إقليمياً واسعاً، لأنه لا يستند إلى علاقات طبيعية ووسائل إيجابية تمكّنه من النجاح".
صحيفة "الدستور" الأردنية، من جانبها، رأت أنه "لا يمكن التعويل على تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لكي نصل إلى استنتاجات واضحة وحقيقة وواقعية بشأن نهاية الحرب والاتفاق مع ايران، وتداعيات الحرب الكارثيّة على الشرق الاوسط والعالم". وتحدثت عن تباين في أهداف الحرب بين الحليفين: الأميركي والإسرائيلي. وحيث أصبح كل منهما عبئًا على الاخر، ويقيد حركته ويربك حساباته الانتخابيّة المرتقبة الكونغرس الانتخابات النصفية في الخريف المقبل والكنيست. فليس من مصلحة أميركا استمرار الحرب، ونهاية الحرب هدف استراتيجيّ لترامب، وفيما يخص حسابات إسرائيل، فان نهاية الحرب وفق اتفاق وقف إطلاق النار، فإنه يعتبر خسارة استراتيجية كبرى لإسرائيل ونتنياهو".
في إطارٍ متصلٍ، كتبت صحيفة "الوطن" القطرية: "لقد دلت تجربة توقيع مذكرة التفاهم بأن ميزان القوى في مصلحة إيران، ولا مفرّ أمام ترامب إلا البحث عن تفاهم، وتحدّي ضغوط نتانياهو، واللوبي الصهيوني، وابتزازات إبستين. وإذا لم يفعل، كما هو حاله الآن، ستتفاقم خسائره، ويزداد انسداد أبواب الخروج من مأزقه، لأنه في النهاية، مهما كان عنيدًا لا بد له من أن يخضع لموازين القوى، والحقائق التي أخذت تتراكم في وجهه يومًا بعد يوم، فلم تعد إطالة الحرب في خدمته". وأوضحت أن "أما البُعد الآخر في هذه الحرب، وهو المتعلق بنتنياهو، ومحاولته الاستفراد بكل من لبنان وغزة (والمسجد الأقصى والقدس والضفة الغربية)، فإنه ماضٍ إلى مأزق الفشل. فقد اعتمد على الحسم العسكري، واستعداء كل دول المنطقة (....) الأمر الذي أدخله في عزلة خانقة، إقليميًا ودوليًا".
(رصد "عروبة 22")

