تخيّمُ الضبابيةُ على المشهدِ الراهنِ في ظلِّ تمديدِ وقفِ إطلاقِ النارِ بين واشنطنَ وطهرانَ. لكنَ المفاوضاتِ لا تزالُ عاجزةً عن التقدمِ، بسببِ التناقضِ الحادِّ في المطالبِ، تزامنًا مع التصعيدِ المستمرِ في التصريحات. أما مضيقُ هُرمزَ، فباتَ "ورقةَ نزاعٍ استراتيجيّةً" تُمتدُّ تداعياتُها إلى العالمِ برمتِه، من دون القدرةِ على وقفِ "النزيفِ الاقتصاديّ" المستمر. فيما تبقَى الأنظارُ شاخصةً نحو باكستانَ، والدورِ الذي تلعبُهُ لإعادةِ إحياءِ المباحثاتِ بعد تعثرِها. ويعودُ هذا التعثرُ إلى وجودِ عقدٍ "مُستعصيةٍ" عدة، أبرزُها ملفُ تخصيبِ اليورانيوم، إذ ترفضُ إيرانُ بشكلٍ قاطعٍ تعليقَ تخصيبِه لمدة 20 عامًا، أو نقلِه إلى الخارج. كما تتمسكُ بمطلبِ ضرورةِ رفعِ الحصارِ بشكلٍ كاملٍ عن الموانئِ والسفن، كشرطٍ لاستكمالِ المحادثاتِ، وإعادةِ الحوارِ إلى "السكّةِ الصحيحةِ". وبين هذين الحدّين، تبدُو الفوارقُ شاسعةً، وتحتاجُ إلى جهودٍ مضنيٍة واستثنائيّة. وهو ما يُحتمُ على طرفيّ الحربِ تقديمَ "تنازلاتٍ"، لا تبدو مُمكنةً في الوقتِ الراهنِ على الرغمِ من دخولِهِما مرحلةَ "عضِّ الأصابعِ"، نتيجةَ الخسائرِ في الاقتصادِ العالمي والتحذيراتِ اليوميّةِ من "السيناريو الأسوأ"، في حالِ استمرارِ الوضعِ على ما هو عليه.
ونفَى البيتُ الأبيضُ صحةَ التقاريرِ التي تحدثَت عن منحِ الرئيسِ الأميركي دونالد ترامب مهلةً نهائيّةً للنظامِ الإيراني لتقديمِ مقترحِ اتفاقٍ لإنهاءِ الحرب، ما حسمَتْهُ المتحدثةُ كارولين ليفيت عبر إشارتِها إلى أن الأنباءَ المتداولةَ في وسائلِ إعلامٍ إسرائيليّةٍ حولَ "مهلةِ الأيامِ القليلةِ" لا تعكسُ الواقع. كما أكدَت أن واشنطنَ تبدِي "مرونةً" تجاهَ المسارِ التفاوضيّ، لكنها في انتظارِ مقترحٍ "موحدٍ ومُتكاملٍ" من الجانبِ الإيراني. إلا أن الأبرزَ في تصريحاتِها كان تَقليلُها من أهميةِ احتجازِ طهرانَ لسفينتينِ في مضيقِ هُرمز. إذ اعتبرَتْ أن هذه الحوادثَ "لا تُعدُّ انتهاكًا للهدنةِ" لكونِ السفينتينِ دوليتينِ وليستا أميركيتينِ أو إسرائيليتين. وتضغطُ الولاياتُ المتحدةُ على إيرانَ لدفعِها نحوَ إبرامِ اتفاقٍ وفقَ الشروطِ المعروضةِ، لكنَ الأخيرةَ تُبرزُ نقطةَ قوتِها في القدرةِ على التعايشِ مع الاستنزافِ الحاصلِ، بينما تبدو المجتمعاتُ الصناعيةُ الغربيةُ أقلَ قدرةً على تحمّلِ أمدِ الأزماتِ وتكاليفِها الطويلة. وأكدَ الرئيسُ الإيراني مسعود بزشكيان، أمسِ الأربعاءِ، أن بلادَهُ "تُرحبُ دائمًا بالحوارِ والاتفاقِ". لكنّهُ اعتبرَ أن استمرارَ الحصارِ والتهديداتِ يُمثّلان العقبةَ الأبرزَ أمامَ أيِّ مفاوضاتٍ حقيقيةٍ، متهمًا واشنطنَ بالتناقضِ بين أقوالِها وأفعالِهَا. أما رئيسُ البرلمانِ وكبيرُ المفاوضينَ محمد باقر قاليباف، فربطَ بين استئنافِ الملاحةِ في مضيقِ هُرمزَ ووقفِ ما وصفَهُ بـ"احتجازِ الاقتصادِ العالميّ كرهينةٍ"، في إشارةٍ إلى الحصارِ البحريِّ الأميركيّ. وترفضُ إيرانُ المباحثاتِ "تحتَ التهديدِ"، وتصرُّ على التمسكِ بـ"حقوقِها الشرعيةِ"، في وقتٍ يبدو فيهِ أن الصينَ، المتأثرةَ بشدّةٍ بما يَجرِي، قد دَخلَتْ على الخطِّ.
وفي هذا الإطارِ، كشفَتْ تقاريرُ صحفيةٌ إسرائيليّةٌ عن دورٍ فاعلٍ خلفَ الكواليسِ تلعبُهُ بكين، التي تَسعَى إلى تليينِ موقفِ قادةِ "الحرسِ الثوريّ الإيرانيِّ". إذْ حذّرَتْ من أنَهَا قد تبحثُ عنْ بدائلَ للنفطِ والغازِ الإيرانيِّ، أو تُعلِّقَ اتفاقيةَ الشراكةِ الاستراتيجيّةِ إذا استمرَّ حصارُ المضيقِ. كما أشارَتِ التقاريرُ عينُها إلى قلقٍ صينيٍّ من مقترحٍ إيرانيٍّ يتيحُ لشركاتٍ أميركيّةٍ الدخولَ إلى قطاعِ النفطِ وتطويرَهُ، مقابلَ رفعِ العقوباتِ والإفراجِ عن الأموالِ المُجمّدةِ، ما تراهُ بكين تهديدًا لمكانتِها في هذا القطاعِ الحيويِّ. وفي سياقٍ متصلٍ، أفادَتْ وكالةُ "بلومبيرغ" بأن ترامب يستهدفُ الصينَ أيضًا بالحصارِ الذي فرضَهُ على الموانئِ الإيرانيّةِ. فالأخيرةُ تَشترِي نحوَ 95 في المئةِ من النفطِ الإيرانيِّ الخامِ الذي يُنقَلُ عبرَ شبكةٍ من "أسطولِ الظلِّ" ووسطاءَ غيرِ معروفينَ. وتَزيدُ هذه الخسائرُ، التي ستستمرُ حتَى بعدَ انتهاءِ الأزمةِ، من الدعواتِ إلى تغليبِ لغةِ الحوارِ والديبلوماسيةِ، وضرورةِ إيجادِ "حلحلةٍ سياسيّةٍ" ما. فالمنطقةُ تنزلقُ بشكلٍ متسارعٍ وسطَ عجزِ جميعِ الأطرافِ عن كبحِ جماحِهَا. لذلكَ، يبدو التعويلُ كبيرًا على "دبلوماسيةِ إسلام آباد"، لإحداثِ خرقٍ حقيقيٍّ قبلَ نفادِ الفرصِ. تزامنًا، نَقلَتْ صحيفةُ "نيويورك تايمز" عن مسؤولينَ باكستانيينَ قولَهُمْ إن القادةَ في إسلامِ آبادَ يسعَوْنَ، في الأيامِ الأخيرةِ، إلى رأبِ الصدعِ ليسَ بين إيرانَ والولاياتِ المتحدةِ فحسبُ، بل أيضًا بينَ المسؤولينَ الأميركيينَ والأطرافِ المختلفةِ داخلَ طهرانَ نفسِها. كما تحدثَتْ عن "بوادرَ إيجابيةٍ" صدرَتْ عن النظامِ الإيرانيِّ، ما يمكنُ أن يُسهمَ في عقدِ جولةٍ ثانيةٍ من المفاوضاتِ خلالَ الأيامِ القليلةِ المقبلةِ.
ومع الجهودِ الباكستانيّةِ الحثيثةِ، لا تبدُو أنقرةُ بعيدةً عمّا يجرِي خلفَ الكواليسِ. وقالَ مصدرٌ دبلوماسيٌّ تركيٌّ لوكالةِ "رويترز" إنَ وزيرَ الخارجيةِ هاكان فيدان بحثَ هاتفيًا مع نظيرِهِ الباكستانيِّ محمد إسحاق دار آخرَ المستجداتِ المتعلقةِ بالمحادثاتِ بين طهرانَ وواشنطنَ، مشيرًا إلى أنهمَا تبادلَا وجهاتِ النظرِ بشأنِ جهودِ الوساطةِ المطروحةِ. ويأتي التحرّكُ التركيُّ المتوازِي على وقعِ التحذيرِ الذي أطلقَهُ رئيسُها رجب طيب أردوغان، الذي قالَ خلالَ مكالمةٍ هاتفيةٍ مع نظيرِهِ الألماني فرانك فالتر شتاينماير، إن الحربَ في الشرقِ الأوسطِ بدأَتْ أيضًا تُضعِفُ أوروبا. ونبَّهَ إلى أنَهُ "إذا لمْ يجرِ التدخلُ في هذا الوضعِ بنهجٍ يخدمُ السلامَ، فإن الضرّرَ الناجمَ عن النزاعِ سيكونُ أكبرَ بكثيرٍ". ويُدركُ الجميعُ، على "اختلافِ أجنداتِهِمْ"، صعوبةَ المرحلةِ الراهنةِ. لذلك، يتحرَكُونَ في اتجاهاتٍ عدةٍ لتوفيرِ بدائلَ وطرحِ تحالفاتٍ جديدةٍ، بما سيغيرُ حتمًا موازينَ القوَى القائمةِ، ويُسهمُ في تنويعِ الاقتصاداتِ، مع ما يشهدُهُ العالمُ من "خضةٍ" في أسواقِ الطاقةِ وأسعارِ النفطِ. في غضونِ ذلك، طالبَ مفوضُ الطاقةِ في الاتحادِ الأوروبيِّ دان يورغنسن باتخاذِ خطواتٍ للحدِّ من الاستهلاكِ اليوميِّ، ومن ضمنِها العملُ عن بُعدٍ في بعضِ أيامِ الأسبوعِ، وتشجيعُ استخدامِ وسائلِ النقلِ العامةِ. كما حذّرَ منْ أنَ أزمةَ الطاقةِ الحاليّةِ قد تتحولُ إلى أزمةٍ ماليةٍ، إذا توسعَتِ الدولُ الأعضاءُ في الاتحادِ الأوروبيِّ في تقديمِ برامجِ الدعمِ للمواطنينَ لمواجهةِ ارتفاعِ أسعارِ الوقودِ، الأمرُ الذي سيُزيدُ العجزَ في الموازناتِ العامةِ.
يحدُثُ كلُّ ذلكَ وسطَ تصاعدِ شدّةِ التصعيدِ، فالحشودُ الأميركيّةُ العسكريةُ تُقابلُهَا تشديداتٌ إيرانيّةٌ عمليةٌ على الممرِ البحرِي الاستراتيجيِّ. إذ تعرّضَتْ 3 سفنٍ لإطلاقِ نارٍ في مضيقِ هُرمزَ، واحتُجزَتِ اثنتانِ منْهَا. وأوضحَ مركزُ عملياتِ التجارةِ البحريةِ البريطانيُّ أن سفينةَ حاوياتٍ تعرّضَتْ لإطلاق نارٍ من زورقٍ حربيٍّ تابعٍ لـ"الحرسِ الثوريِّ الإيرانيِّ"، من دونِ نداءٍ تحذيريٍّ مسبقٍ، ما تسبّبَ بأضرارٍ جسيمةٍ في جسرِ القيادةِ. في حينَ وضعَت وكالةُ "فارس" العمليةَ في إطارِ "التطبيقِ القانونيِّ" لسيطرةِ إيرانَ على المضيقِ. ولم تخرجْ الحوادثُ الأخرى عن السيّاقِ عينِه، في إطارِ ما يمكنُ تسميتُهُ بـ"حربِ البحارِ". فعلى الرغمِ من تمديدِ مفاعيلِ الهدنةِ، وتَوَقُّفِ الضرباتِ الجويةِ الأميركيّةِ والإسرائيليّةِ داخلَ إيرانَ، إلا أن المضيقَ باتَ ساحةَ "اختبارٍ" و"عرضِ عضلاتٍ" مفتوحةً للضغطِ المتبادلِ بين واشنطنَ وطهرانَ. فيما تستمر السفن التجارية في دفع الكلفة الأكبر، في ظلِّ غيابِ أيّ اتفاقٍ شامل. وتُبقِي طهرانُ بابَ الديبلوماسيةِ مواربًا، فهي لا تغلقُهُ بشكلٍ كاملٍ، بل تربِطُهُ بسلسلةِ شروطٍ، وتُحمُّلُ الطرفَ الآخرَ مسؤوليةَ ما يجري. وهذا ما عكستْهُ تصريحاتُ وزيرُ الخارجيةِ الإيرانيِّ عباس عراقجي، الذي قالَ إن الوضعَ الراهنَ في مضيقِ هُرمزَ هوَ نتيجةُ "انتهاكاتِ الولاياتِ المتحدةِ واعتداءاتِها" العسكريةِ. في المقابلِ، يمارسُ "نظامُ الملالي" الترهيبَ الداخليَّ، من حملةِ الإعداماتِ إلى الاعتقالاتِ، فالاستعراضاتِ العسكريةِ التي كانَ آخرُهَا مسيراتٌ عرضَ فيهَا "الحرسُ الثوريُّ" صواريخَ ومنصاتِ إطلاقِ للمرةِ الأولى منذُ بدءِ وقفِ إطلاقِ النارِ.
وهذه العروضُ لإظهارِ الجاهزيةِ ليست أمرًا جديدًا في التفكيرِ الإيرانيِّ، بل هي في صلبِ تركيبةِ النظامِ و"عسكرتِه" لحياةِ الإيرانيينَ، الذي يعانون الأمرّينِ. وعادَتْ، أمسِ الأربعاءِ، مسألةُ الإعداماتِ إلى الواجهةِ، بعدما أعلنَ ترامب أن السلطاتِ الإيرانيّةَ صرفَتِ النظرَ عن إعدامِ 8 متظاهراتٍ، بناءً على طلبِه. كما أكدَ أنَّ 4 منهنَّ سيُطلقُ سراحهُنَّ فورًا، فيمَا ستُحكم الأربعُ الأخرياتُ بالسجنِ لمدةِ شهرٍ، وفقَ ما أوردَتْهُ "وكالةُ الصحافةِ الفرنسيةِ". لكنَّ هذه "الادعاءاتِ" كذّبَتْهَا طِهرانُ، ووصفَتْهَا بـ"المزاعمِ الكاذبةِ"، التي تهدِفُ إلى "اختلاقِ نجاحاتٍ وهميةٍ بالاستنادِ إلى معلوماتٍ غيرِ صحيحةٍ". ويتسابقُ طرفا الحربِ على إظهارِ نقاطِ القوةِ ولعبِ دورِ المنتصرِ، بينما المؤشراتُ في الميدانِ توحي بأن كلاهُمَا يُواجهُ "مأزقًا حقيقيًا"، لكنهمَا يرفضَان التنازل. في الأثناءِ، برزَ تطورانِ أساسيانِ، أولُهُمَا، رفضُ مجلسِ الشيوخِ الأميركيِّ مشروعَ قرارٍ لوقفِ الحربِ على إيرانَ، إذ أيّدَ الجمهوريونَ في الكونغرسِ، إلى حدٍ كبيرٍ، خطواتِ الرئيسِ ترامب. أما الثاني، فتجسّدَ في إعلانِ وزارةِ الحربِ الأميركيةِ (البنتاغون) أنَ وزيرَ البحريةِ جون فيلان سيغادرُ منصبَهُ "بمفعولٍ فوريٍّ"، من دونِ تقديمِ تفسيرٍ لهذا الرحيلِ المفاجئِ. وأعقبَ ذلكَ إقالةُ رئيسِ أركانِ الجيشِ الأميركيِّ الجنرال راندي جورج، واثنين من كبارِ الضباطِ الآخرينَ، في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهرِ، في سياقٍ يرتبطُ بالحربِ على إيرانَ.
ولا ينحصرُ الدورُ الأميركيُّ في طهرانَ وحدَهَا، بل يتمدّدُ إلى لبنانَ الذي يشاركُ اليومَ في جولةٍ ثانيةٍ من المحادثاتِ رفيعةِ المستوى بينَ لبنانَ وإسرائيلَ. ومن المقرّرِ أن يشاركَ في هذه الجلسةِ وزيرُ الخارجيةِ الأميركيُّ ماركو روبيو، ومستشارُهُ مايكل نيدهام، والسفيران الأميركيان، في لبنانَ ميشال عيسى، وإسرائيلَ مايك هاكابي، وفقًا لما كشفَ عنهُ مسؤولٌ أميركيٌّ لصحيفةِ "الشرقِ الأوسطِ". في المقابلِ، يُمثّلُ لبنانَ سفيرتُهُ في الولاياتِ المتحدةِ ندى حمادة معوض، التي تحملُ، بحسبِ المعطياتِ الإعلاميةِ، بندينِ رئيسيينِ في أجندتِها. أولُهُمَا تمديدُ مفاعيلِ وقفِ النارِ لمدةٍ لا تقلُّ عن شهرٍ كاملٍ، بهدفِ إتاحةِ المجالِ لانطلاقِ المفاوضاتِ مع الجانبِ الإسرائيليِّ. وثانيهُمَا وقفُ عملياتِ التدميرِ الممنهجةِ التي تُنفّذُها قواتُ الاحتلالِ على مرأَى من العالمِ، وهي تشملُ البُنىَ التحتيّةَ والمنازلَ والمدارسَ، في انتهاكٍ صريحٍ للهدنةِ الهشّةِ، التي تشهدُ خروقاتٍ واعتداءاتٍ متكررةٍ. وأعلنَ "حزبُ الله"، أمسِ الأربعاءِ، أنه استهدَفَ بمسيّرةٍ مربضَ مدفعيةٍ للجيشِ الإسرائيليِّ في بلدةِ البياضةِ داخلَ لبنانَ، "ردًّا على الخروقاتِ المستمرةِ"، التي تجاوزَت المئتي خرقٍ منذُ دخولِ وقفِ إطلاقِ النارِ حيّزَ التنفيذِ. في المقابلِ، شهدَتِ الأوضاعُ الميدانيةُ مزيدًا من التوترِ، بعدَ سقوطِ قتيلٍ وجريحينِ جرّاءَ غارةٍ نفّذَتْهَا مسيّرةٌ إسرائيليّةٌ على أطرافِ منطقةِ الجبورِ في البقاعِ الغربيِّ. كما تعرّضَتْ بلدةُ الطيري لقصفٍ إسرائيليٍّ، في منطقةٍ يتواجدُ فيها عددٌ من الصحافيينَ والمدنيينَ، ما أدَى إلى سقوطِ قتيلينِ. وفي وقتٍ لاحقٍ مساءً، أُعلنَ عن ارتقاءِ الصحافيةِ في جريدةِ "الأخبارِ" آمال خليل في البلدةِ عينِهَا، وإصابةِ زميلتِهَا المصوّرةِ المستقلّةِ زينب فرج.
هذه "الجريمةُ الموصوفةُ" تُضافُ إلى سجلِ إسرائيلَ الإرهابيِّ، وتعمُدِّهَا قتلَ الصحافيينَ واستهدافِهِمْ بحججٍ واهيةٍ، تمامًا كما جرَى في غزّةَ على مدَى عامينِ من حربِ الإبادةِ. وفي سياقٍ متّصلٍ، أفادَتْ "الوكالةُ الوطنيةُ للإعلامِ" بأنَ عناصرَ الدفاعِ المدنيِّ في مركزِ رميشَ أَسعَفوا جريحًا من "حزبِ الله" كانَ قدْ وصلَ إلى بلدةِ عين إبل زحفًا من بنتِ جبيلَ. ثم علمَتِ القواتُ الإسرائيليّةُ بوجودِه وطالبَتْ بتسليمِهِ، مهددةً بقصفِ سيارةِ الإسعافِ، ما دفعَ الجريحَ إلى تسليمِ نفسِه منعًا لاستهدافِ المسعفينَ والبلدةِ. في غضونِ ذلكَ، تتواصلُ العملياتُ الإسرائيليّةُ جنوبَ الليطاني بوتيرةٍ متصاعدةٍ تُسابقُ المفاوضاتِ. فنفَّذَ جيشُ الاحتلالِ عملياتِ تفجيرٍ واسعةٍ ومُكثفةٍ في أحياءٍ سكنيّةٍ في مدينةِ بنتِ جبيلَ وبلداتِ بيت ليف وشمع وطير حرفا وحانين. إلى جانبِ جرفِ الطرقِ في وادي السلوقي، بينما طالَتْ عملياتُ النسفِ منازلَ وممتلكاتٍ في بلدةِ عيتا الشعب. وفي هذا المناخِ المُتشنجِ، أكّدَ رئيسُ الجمهوريّةِ جوزاف عون أمامَ زوارِهِ، أنَ المرحلةَ الراهنةَ تستوجبُ أعلى درجاتِ الواقعيّةِ والحكمةِ والعقلانيّةِ. وشدِّدَ على أنَّ وحدةَ الموقفِ الوطنيِّ تبقَى ركيزةً أساسيّةً لحمايةِ لبنانَ في مسارِ المفاوضاتِ المُرتقبةِ، ولمنعِ أيِّ محاولةٍ إسرائيليّةٍ لاستغلالِ الانقساماتِ الداخليّةِ. لكنَّ الأهمَّ في كلامِهِ لم يكنْ في توصيفِ المرحلةِ فحسبُ، بلْ في محاولةِ رسمِ سقفٍ سياسيٍّ واضحٍ للمفاوضاتِ. فأكدَ أنّ توجّهَ لبنانَ في المفاوضاتِ واضحٌ: "لا تنازلَ، ولا مساومةَ، ولا تسليمَ إلّا بما يُحقِّقُ السيادةَ اللبنانيّةَ ومصلحةَ جميعِ اللبنانيّينَ".
يبدو المسارُ اللبنانيُّ واضحَ الخُطَى، لكن في ظلِّ واقعٍ سياسيٍّ وميدانيٍّ مُعقدٍ. في المقابلِ، تظهرُ معطياتٌ جديدةٌ في الإقليمِ، تمثلَتْ في زخمِ الزياراتِ وحفاوةِ الاستقبالِ الذي لقيَهُ الرئيسُ السوريُّ أحمد الشرع في جولتِهِ الخليجيةِ، التي شملَت السعودية وقطر والإمارات، حيث جرى بحثٌ في العلاقاتِ الثنائيّةِ وتطوراتِ المنطقةِ والإقليم. وتسيرُ دمشقُ بخطواتٍ ثابتةٍ لتكريسِ وجودِهَا العربيِّ بعد أعوامٍ طويلةٍ من العزلةِ، فيما تحاولُ إيجادَ حلولٍ لمشاكلِ الداخلِ المتعدّدةِ. وبرزَ، أمسِ الأربعاءِ، تسلّلُ عشراتِ المستوطنينَ الإسرائيليينَ إلى قريةٍ في جبلِ الشيخ جنوبي سوريا واعتلائِهِم أحدَ المباني، في حين أعلنَ جيشُ الاحتلالِ إعادتُهُم بعدَ مدةٍ وجيزةٍ من عبورِهِم إلى سوريا. وباتَ هذا الفكرُ الاستيطانيُّ، الذي تشجعُهُ الحكومةُ وترعاهُ، مُكرّسًا مع الاعتداءاتِ المنهجيةِ في الضفةِ الغربيةِ، التي تشهدُ ترديًا واضحًا واستهدافًا مباشرًا للفلسطينيينَ وممتلكاتِهِم. فأعلنَتْ وزارةُ الصحةُ الفلسطينيّةُ استشهادَ شابٍ برصاصِ مستوطنينَ، ليرتفعَ بذلكَ عددُ الضحايا إلى 3 في غضونِ يومينِ. أما في قطاعِ غزّة، فتستمرُ الاعتداءاتُ الإسرائيليةُ من دون تنفيذٍ فعليٍّ لاتفاقِ وقفِ النارِ. إذ استُشهدَ 5 فلسطينيينَ، من بينِهِم 3 أطفالٍ، وأُصيبَ آخرون بجروحٍ خطيرةٍ، إثرَ غارةٍ شنَّتْهَا طائرةٌ مُسيّرةٌ قربَ مسجدٍ في منطقةِ "مشروعِ بيت لاهيا" شمالَ القطاع.
في الملفِ العراقيِّ، يستمرُ مشهدُ "الانسدادِ السياسيِّ" وسطَ خلافاتٍ مُتصاعدةٍ وتباينٍ في الرؤى والحصصِ داخلَ "الإطارِ التنسيقيِّ الشيعيِّ"، الذي يبدو عاجزًا عن تحديدِ اسمٍ لتولِي رئاسةِ الحكومةِ. في المقابلِ، تتبارزُ واشنطنُ وطهرانُ على أرضِ بغدادَ، ما يُزيدُ الوضعَ تعقيدًا. وتمارسُ الولاياتُ المتحدةُ ضغوطًا متسارعةً، فذكرَتْ مصادرُ لوكالةِ "رويترز" أن واشنطنَ أوقفَتْ "شحنةً ماليةً" تُقدَّرُ قيمتُهَا بنصفِ مليارِ دولارٍ كانت متجهةً إلى العراقِ. وأضافَت أنَهَا علّقَتْ أجزاءَ من تعاونِها الأمنيِّ مع بغدادَ، في خطوةٍ تهدفُ إلى دفعِ الحكومةِ العراقيةِ لاتخاذِ خطواتٍ جادةٍ بشأنِ تصرفاتِ الميليشياتِ المدعومةِ من إيرانَ.
وفي جولةِ اليوم على الصحفِ العربيةِ الصادرةِ، نظرةٌ حول أهم ما ورد فيها:
رأت صحيفة "الرياض" السعودية أن ما حصل في مضيق هُرمز "حمل دروسًا عميقة، حيث كشف الإغلاق حجم الترابط بين الدول، وبيّن تأثير أي اضطراب على سلاسل الإمداد، وأظهر أن الأمن البحري لم يعد شأنًا إقليميًا، إنما مسؤولية دولية مشتركة، تفرض البحث عن آليات أكثر استدامة لحماية هذا الممر الحيوي". وأشارت إلى أنه "يتكرس الإدراك بأن المضيق ليس مجرد ممر مائي عابر، بل شريان يتدفق عبره نبض الاقتصاد العالمي، ومسار تتقاطع عنده مصالح الطاقة والتجارة والاستقرار الدولي. انسيابية الملاحة فيه تتحول إلى معيار يقيس توازن العالم وقدرته على حماية ذاته من الاختناق، حيث تتجاوز أهميته حدود الجغرافيا لتلامس عمق الأمن الجماعي. فتحه واستمراريته يرسخان مصلحة عالمية مشتركة، تتطلب حضورًا مسؤولًا من الدول المعنية، ورؤية تتكامل فيها الإرادة السياسية مع الالتزام القانوني، ضمن إطار يعزز حرية العبور ويحميها من التقلبات".
صحيفة "الغد" الأردنية، من جهتها، كتبت أن "ما تعيشه منطقة الشرق الأوسط هو الحرب المعلقة، فلا هي حرب عسكرية، ولا هي توطئة لمصالحة أو تسوية، ولا هي استقرار.. وتكلفة الحرب المعلقة أعلى من الحرب العسكرية، لأن الحرب العسكرية تنتهي في لحظة ما، رغم أضرارها البشرية والاقتصادية والسياسية، مهما تعددت الأطراف التي تشارك بها، أما الحرب المعلقة فهي حرب استنزاف لكل شيء، الموارد والثروات وحياة الإنسان". وقالت إن "من سيصمد في لعبة الممرات البحرية، لعبة المضائق وما تعنيه على صعيد الطاقة والملاحة والتجارة، والاضطرار إلى اللجوء إلى بدائل، وسط تهديدات بإغلاق باب المندب من جانب جماعات موالية لإيران، وتهديدات أولية من جانب جماعات في الصومال أيضًا بإغلاق البحر الأحمر، وهذا يترك أثرًا على العالم، بما في ذلك قناة السويس المتضررة أيضًا ويرتد الضرر على مصر واستقرارها".
في سيّاقٍ متصل، شدّدت صحيفة "الوطن" البحرينية على أن "أمن دول مجلس التعاون الداخلي سيكون رهنًا بالقرارات التي سنتخذها تجاه أدوات القتل الإيرانية التي قُبض عليها في البحرين والكويت والإمارات". وأضافت أنه "إذا كان المجتمع الدولي برمّته اقتنع أن سياسة احتواء النظام الإيراني غير مجدية، ولن تردعه عمّا يخطط له مهما كانت الحوافز التي تُقدّم له، فلن يرتدع إلا بعد أن يُجرَّد من جميع أدواته الخطرة، التخصيب والصواريخ والميليشيات". وخلصت إلى أن أنظار الشعوب الخليجية تتجه نحو حكوماتها، "فهل سيكون هناك وحدة موقف تجاه هذه الشبكة الواحدة وتجاه كل من استهان بكرامتنا وأمننا؟ أم أن هناك من سيقنعنا بتكرار سياسة الاحتواء غير المجدية؟".
وعن لبنان، قالت صحيفة "الخليج" الإماراتية: "تتمحور مطالبات الحكومة اللبنانية في المفاوضات في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، ووقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، وعودة الأسرى اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل، ومعالجة النقاط الـ13 المتنازع عليها على طول الحدود اللبنانية – الإسرائيلية". لكنها أشارت إلى أن "ثمة عقبات جمة وقضايا خلافية بصفة أساسية تواجه المسار التفاوضي المباشر غير المسبوق بين لبنان وإسرائيل، وقد لا يسفر عن اتفاق سلام دائم في الأجل القصير على الأقل. ومع ذلك، وبصرف النظر عما تنجلي عنه المفاوضات، فإن مجرد انطلاقها يعكس عودة الدولة اللبنانية بمؤسساتها الوطنية، المدنية والعسكرية، لممارسة سيادتها وسياستها الخارجية المستقلة عن التدخلات الخارجية والداخلية".
(رصد "عروبة 22")

