العراق في اليوم التالي للحرب!

العنوان يشكل مفارقة حقيقية، لأنه يفترض أن يكون حول اليوم التالي للحرب في إيران، بوصفها الدولة التي تعرضت لهجوم أمريكي- إسرائيلي مشترك، مع تهديدات معلنة بإسقاط النظام القائم فيها منذ 37 عاما! وبعيدا عن مدى جدية هذا التهديد، وإمكانية تحقيقه على الأرض ربما من خلال حملة جوية، أو من خلال إلقاء عبء هذا التغيير على عاتق الشعب الإيراني نفسه، أو عبر تحريك جماعات معارضة لخلق حالات تمرد ضد النظام، كما هو الحال مع الائتلاف الكردي الذي أعلن عن تشكيل خمس جماعات قبيل الهجوم (أعلن عن تشكيلها يوم 22 شباط 2026 ويضم حزب الحرية الكردستاني (PAK)، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، ومنظمة خبات كردستان إيران، وكومله كادحي كردستان)، أو حتى عبر تغيير من داخل النظام نفسه، على الطريقة الفنزويلية كما يحلم الرئيس ترامب، بعيدا عن كل ذلك كله، فإن السؤال عن اليوم التالي للحرب في العراق مبرر تماما!

تحدثنا كثيرا عما أسميناه اللعبة المزدوجة التي لعبتها كل من الولايات المتحدة وإيران في العراق خلال السنوات الماضية، حتى قبل احتلال العراق عام 2003، وكيف تعاملت الولايات المتحدة مع جماعات شيعية كانت محسوبة على إيران، في سياق إعدادها لهذا الاحتلال، ثم تحالفت معها عمليا بعد الاحتلال. يومها وجد الأمريكيون أن لا بديل لهم عن القبول بدور إيراني في العراق، بسبب هيمنة الأخيرة على قرار الفاعل السياسي الشيعي، لا يتعلق الأمر هنا بالجماعات الإسلامية المرتبطة بإيران وحسب، بل حتى بالجماعات الليبرالية المفترضة "الشيعية" أيضا.

كما اكتشف الإيرانيون في المقابل أنه من مصلحتهم العمل مع الأمريكيين لإنتاج نظام حكم يسيطر عليه الفاعل 
السياسي الشيعي، وفي الوقت نفسه دعم مجموعات شيعية هامشية مسلحة لمشاغلة الأمريكيين، واستخدامهم كورقة ضد أي محاولة أمريكية لإخراجهم من اللعبة. وهو ما أنتج، في النهاية، دولة يحتكر فيها الفاعل السياسي الشيعي السلطة تماما! كما تحدثنا أيضا، عن التعاون الأمريكي مع الميليشيات العقائدية الوكيلة لإيران في الحرب على داعش عبر إمدادها بالسلاح، أو عبر توفير الغطاء الجوي والمعلومات الاستخبارية لها! وعن مؤشرات بداية تفكير الأمريكيين بتغيير قواعد اللعبة بداية من ولاية ترامب الأولى، في سياق التحول الأمريكي في العلاقة مع إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي معها، مرورا بالمواجهة المباشرة مع وكلائها عام 2019 (بعد رسائل الكاتيوشا التي بدأت تنهمر على السفارة الأمريكية والقواعد الأمريكية) ووصولا إلى لحظة اغتيال سليماني – المهندس في بداية العام 2020!

وفي ظل ولاية الرئيس بايدن (2021 – 2025) ، ورغم محاولات التهدئة، إلا أن الأمور عادت مرة أخرى الى المواجهة في سياق حرب غزة، لاسيما بعد استهداف تلك الميليشيات لقاعدة "البرج 22" الأمريكية داخل الحدود الأردنية، ومقتل ثلاثة جنود أمريكيين في شباط/ فبراير 2024، وهو ما استدعى استهدافا أمريكيا مباشرا لوكلاء إيران في العراق. لكن الأمور تغيرت تماما مع ولاية ترامب الثانية، فقد سمعنا للمرة الأولى حديثا صريحا عن ضرورة حل الميليشيات الوكيلة والحليفة لإيران في العراق، ثم تطور الأمر إلى تهديدات صريحة ضد المؤسسات المالية العراقية التي تمول هذه الميليشيات عبر موازنة الحشد الشعبي، ثم إلى إجراءات عملية عبر رفع تصنيف أربع ميليشيات عاملة في الحشد الشعبي (هي حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وحركة أنصار الله الأوفياء، وكتائب الإمام علي) من "منظمة إرهابية عالمية مصنّفة بشكل خاص" (SDGT) إلى "منظمة إرهابية أجنبية" (FTO)، لتضاف إلى كتائب حزب الله التي سبق لها أن وضعت في هذا التصنيف.

وكذلك عبر منع تشريع قانون جديد لهيئة الحشد الشعبي يضفي طابعا مؤسساتيا لهذه الميليشيات، وعبر فرض الكونغرس الأمريكي قيودا على التمويل المخصص للقوات العسكرية والأمنية العراقية، وصلت إلى تجميد 75 في المئة من ذلك التمويل، وربط عودتها بشروط تتعلق بنزع سلاح تلك الميليشيات ومعاقبتها! وتصاعد هذا الضغط بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ليصل إلى اصدار فيتو على مرشح الإطار التنسيقي (وهو الكتلة التي تضم القوى الشيعية جميعها باستثناء التيار الصدري) لتولي منصب رئيس مجلس الوزراء، والتهديد بعدم التعاون مع أي حكومة عراقية تضم وزراء ينتمون إلى الميليشيات الوكيلة والحليفة لإيران، وهو ما عطل عمليا تشكيل الحكومة العراقية بانتظار نتائج المواجهة الأمريكية الإيرانية القائمة!

هذا السياق المتشعب يفسر لماذا علينا أن نسأل عن العراق في اليوم التالي للحرب، خاصة بعد أن قررت إيران، هذه المرة، إشراك الميليشيات الوكيلة لها في العراق في المواجهة، على عكس ما فعلته في حرب الـ 12 يوما التي جرت في حزيران 2025 عندما قررت تحييد تلك الميليشيات ولم تشركها في الحرب (للمرة الألف لا سلطة عراقية فعلية على تلك الميليشيات وقرارها في النهاية قرار إيراني بحت)!

على الأغلب لن يسقط النظام في إيران، لكن هذه الضربات ستضعفه كثيرا، خاصة إذا ما استمرت المواجهة لأسابيع، وستجعله ينكفئ داخليا على المدى المنظور، لترميم النظام والدولة معا. وبالتأكيد لن يكون هناك فك ارتباط كامل بين الفاعلين السياسيين الشيعة في العراق وإيران، فستبقى إيران تنظر إلى العراق بوصفه حديقتها الخلفية دائما، لكنها ستضطر اليوم للتواري قليلا، والتكيف مع شروط ما بعد الحرب.

وبالتالي السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرح هنا: هل ستكتفي الولايات المتحدة، أو قل الرئيس ترامب، بشروط ما قبل الحرب تجاه الميليشيات "الإيرانية العراقية"، أم ستكون هناك شروط أخرى تجاه الفاعلين السياسيين الشيعة القريبين من إيران، وبالتالي سنكون أمام فيتوهات ستطالهم وتطال الفاعلين السياسيين السنة والكرد الذين كانوا صنيعة إيرانية (مثل محمد الحلبوسي) أو حلفاء إيران (مثل بافل الطالباني)، وبالتالي التعاطي مع غرمائهم (مثل منح منصب رئاسة الجمهورية للحزب الديمقراطي الكردستاني مثلا)!

وسؤال آخر يطرح هل ستقتصر هذه الشروط على هذا، أم تتجاوزه إلى فرض عقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية، وفتح ملفات الفساد، وتفكيك الشبكات الاقتصادية الزبائنية التي تحكم العراق حاليا، والتي يدير كثيرا منها زعماء هذه الميليشيات بالشراكة مع الزعماء السياسيين، شيعة وسنة وكردا؟ وهل ستشمل هذه الشروط ملف القضاء المسيس غير المهني الذي وفر حصانة صلدة ليس للفساد والفاسدين فحسب، بل للميليشيات ولانتهاكات حقوق الإنسان في العراق؟

والسؤال الآخر المهم أيضا: هل يعيد الأمريكيون النظر باحتكار الفاعل السياسي الشيعي للسلطة/ الدولة في العراق، والذي كان بالنهاية نتاج تواطؤ أمريكي؟ أم سنكون أمام شروط أمريكية جديدة تسمح بشراكة حقيقية سنية كردية في السلطة/ الدولة، وتعيد صياغة علاقات القوة لتكون أكثر توازنا هذه المرة؟ لم يتأثر العراق داخليا بشكل كبير من الزلزال الذي حصل في سوريا، لكنه بالضرورة سيتأثر، هذه المرة، بارتدادات الزلزال الذي يحدث، الآن، في إيران!

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن