اقتصاد ومال

"اقتِصادُ الشَّيْخوخَة" في العالَمِ العَرَبيّ!

تَراجُعُ مُعَدَّلِ الخُصوبَةِ وازْدِيادُ مُتَوَسِّطِ العُمْرِ المُتَوَقَّعِ وَتَفاقُمُ هِجْرَةِ الشَّباب، يضَعُ المِنْطَقَةَ أَمامَ تَحَدٍّ اقْتِصادِيٍّ غَيْرِ مُسْبوق: مَن سَيُمَوِّلُ التَّقاعُدَ والرِّعايةَ الصِّحِّيَّةَ في مُجْتَمَعاتٍ تَشيخُ قبلَ أنْ تَكْتَمِلَ تَنْمِيَتُها؟!.

يَتَّجِهُ العالَمُ العَرَبِيُّ نَحْوَ الشَّيخوخةِ بِوَتيرةٍ مُتَسارِعَةٍ مَعَ انْخِفاضِ مُعَدَّلاتِ الإنْجابِ وارْتِفاعِ مُتَوَسِّطِ العُمْرِ المُتَوَقَّعِ وتَزايُدِ هِجْرَةِ الشَّباب. غَيرَ أَنَّ هذا التَّحوُّلَ يَأتي في وَقْتٍ لا تَزالُ فيهِ اقْتِصاداتُ المِنْطَقَةِ تُعاني مِنَ البِطالَةِ وضَعْفِ الإنْتاجِيَّةِ وهَشاشَةِ أَنْظِمَةِ الحِمايَةِ الاجْتِماعِيَّة. وَبَينَما شاخَتْ أُوروبّا واليابانُ بَعْدَما حَقَّقتا مُسْتَوَياتٍ مُرْتِفَعَةً مِنَ الثَّراء، يُواجِهُ العالَمُ العَرَبِيُّ احْتِمالًا مُخْتَلِفًا: الشَّيْخوخَةُ قَبْلَ اكْتِمالِ التَّنْمِيَة.

على مَدى عُقودٍ مِنَ الزَّمَن، ارْتَبَطَ العالَمُ العَرَبِيُّ بِوَفْرَةِ الشَّبابِ لا بِكَثْرةِ المُسِنّين. لَكِنَّ المَشْهَدَ بَدَأَ يَتَغَيَّرُ بِهُدوء. مُعَدَّلاتُ الإنْجابِ تَتَراجَع، ومُتَوَسِّطُ العُمْرِ المُتَوَقَّعِ يَرْتَفِع، وأعْدادُ كِبارِ السِّنِّ تَتَزايدُ بِسُرْعَة، ما يفرضُ سُؤالًا جديدًا على المِنْطَقَة: هل يَشيخُ العَرَبُ قبْلَ أنْ يُصْبِحوا أكْثَرَ ثَراءً؟.

المنطقة تدخل مرحلة الشيخوخة قبل أن تستفيد بالكامل من "العائد الديموغرافي"

تُشيرُ تَقْديراتُ الأُمَمِ المُتَّحِدةِ ولَجْنَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدةِ الاقْتِصاديَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ لِغَرْبِيِّ آسْيا (الإسكوا) إلى أَنَّ عَدَدَ الأَشْخاصِ الذين تَبلُغُ أَعْمارُهُم 65 سَنَةً فأكْثَرَ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ سَيَصِلُ إلى نَحوِ 71.5 مِلْيونِ شَخْصٍ بِحُلولِ عامِ 2050، فيما سَيَتَجاوَزُ عَدَدُ مَن هُمْ فَوْقَ السِّتّينَ 102 مِلْيونِ نَسَمَة، أي نَحْوَ 15 في المِئَةِ مِنَ السُّكّان. وبِذَلِكَ سَيَكونُ نَحْوَ واحِدٍ مِنْ كُلِّ سَبْعَةِ عَرَبٍ في سِنِّ السِّتّينَ وما فَوْق، بَعْدَما كانتِ المِنْطَقَةُ تُعْرَفُ لِعُقودٍ بِأَنَّها واحِدةٌ مِنْ أكْثَرِ مَناطِقِ العالَمِ شَبابًا.

هَذا التَّحوُّلُ يَعْكِسُ تَغيُّراتٍ ديموغْرافِيَّةً عَميقَة. في سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي كانَتِ المَرْأَةُ العَرَبِيَّةُ تُنْجِبُ في المُتَوَسِّطِ أكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَطْفال، أَمّا اليَوْمَ فَقَدْ انْخَفَضَ مُعَدَّلُ الخُصوبَةِ إلى أَقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أَطْفالٍ لِلْمَرْأَةِ الواحِدَة. وفي المُقابِل، ارْتَفَعَ مُتَوَسِّطُ العُمْرِ المُتَوَقَّعِ مِن أقلَّ مِن 50 سَنَةً في خَمْسينِيّاتِ القَرْنِ الماضي إلى نَحْوِ 73 سَنَةً اليَوْم، بَلْ يَتَجاوَزُ 78 سَنَةً في بُلْدانِ الخَليجِ العَرَبِيّ.

لا تَتَحَرَّكُ البُلْدانُ العَرَبِيَّةُ كُلُّها بِالسُّرْعَةِ نَفْسِها. تَعيشُ الجُمْهورِيَّةُ اللُّبْنانِيَّةُ والجُمْهوريَِّةُ التّونِسِيَّةُ المَلامِحَ المُبَكِّرَةَ لِلشَّيْخوخَةِ السُّكّانِيَّة، بَيْنَما تَسيرُ بُلْدانٌ مِثْلُ المَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّةِ والجُمْهورِيَّةِ الجَزائِرِيَّةِ الدّيمقْراطِيَّةِ الشَّعْبِيَّةِ والمَمْلَكَةِ الأرْدُنِيَّةِ الهاشِمِيَّةِ في الاتِّجاهِ ذاتِه. أَمّا جُمْهورِيَّةُ مِصْرَ العَرَبِيَّة وجُمْهورِيَّةُ العِراقِ فلا تَزالُ كُلٌّ مِنْهُما تَتَمَتَّعُ بِكُتْلَةٍ شَبابيَّةٍ كَبيرَة، في حينِ تَبْقى الجُمْهورِيَّةُ اليَمَنِيَّةُ وجُمْهورِيَّةُ السّودانِ والجُمْهورِيَّةُ الإسْلامِيَّةُ الموريتانِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ فُتُوَّة. لَكِنَّ الاتِّجاهَ العامَّ واحِدٌ تَقْريبًا في مُخْتَلِفِ أَنْحاءِ المِنْطَقَة.

بلدان عربية تواجه "الشيخوخة مع النزيف البشري"

يُقَدِّمُ لُبْنانُ نَموذَجًا مُبَكِّرًا لِما قَد تُواجِهُهُ بُلْدانٌ عَرَبِيَّةٌ أُخْرى. يُشَكِّلُ الأَشْخاصُ الذين تَجاوَزوا الخامِسَةَ والسِّتّينَ أكْثَرَ مِن 10 في المِئَةِ مِنَ السُّكّان، وقد تَرْتَفِعُ نِسْبَتُهُم إلى نَحْوِ 23 في المِئَةِ بِحُلولِ مُنْتَصَفِ القَرْن. كَذلِكَ ساهَمَتْ مَوْجاتُ الهِجْرَة، خُصوصًا مُنْذُ الأَزْمَةِ المالِيَّةِ المُسْتَمِرَّةِ مُنْذُ عامِ 2019، في تَسْريعِ هَذا التَّحوُّلِ عَبْرَ خُروجِ أَعْدادٍ كَبيرَةٍ مِنَ الشَّبابِ وَالمُتَخَصِّصين.

المُفارَقَةُ أَنَّ المِنْطَقَةَ تَدْخُلُ مَرْحَلَةَ الشَّيْخوخَةِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَفيدَ بِالكامِلِ مِن "العائِدِ الدّيموغْرافِيّ"، أي الفَتْرَةِ التي تَرْتَفِعُ فيها نِسْبَةُ السُّكّانِ القادِرينَ على العَمَلِ مُقارَنَةً بِنِسْبَتَيِ الأطْفالِ والمُسِنّين. وبَيْنَما استَثْمَرَتْ دُوَلُ شَرْقِ آسْيا هَذِهِ المَرْحَلَةَ لِتَحْقيقِ قَفزاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ كُبْرى، لا تَزالُ الاقْتِصاداتُ العَرَبِيَّةُ تُعاني مِن مُعَدَّلاتٍ مُرْتَفِعَةٍ مِن بِطالَةِ الشَّبابِ وضَعْفِ الإنْتاجِيَّة.

وتَزْدادُ المُشْكِلةُ تَعْقيدًا بِسَبَبِ هِجْرَةِ الشَّباب. ففي عَدَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ تُغادِرُ الفِئاتُ الأكْثَرُ تَعْليمًا وإنْتاجِيَّةً بَحْثًا عَنْ فُرَصٍ أَفْضَلَ في الخارِج، ما يَعْني أَنَّ بَعْضَ البُلْدانِ يُواجِهُ ما يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِـ"الشَّيْخوخَةِ مَعَ النَّزيفِ البَشَرِيّ"، إذ يَتَراجَعُ عَدَدُ المُساهِمينَ في الاقْتِصادِ وَأَنْظِمَةِ التَّقاعُدِ فيما تَرْتَفِعُ أَعْدادُ كِبارِ السِّنّ.

تتراجع قدرة الأسرة العربية التقليدية على رعاية كبار السن

وهُنا يَبْرُزُ السُّؤالُ الأَهَمّ: مَن سَيَدْفَعُ الفاتورَة؟ في الكَثيرِ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّة، يَعْمَلُ جُزْءٌ كَبيرٌ مِن قُوى العَمَلِ في الاقْتِصادِ غَيْرِ الرَّسْمِيّ. وتُشيرُ تَقْديراتٌ إلى أَنَّ العَمالَةَ غَيْرَ الرَّسْمِيَّةِ تُمَثِّلُ نَحْوَ 64 في المِئَةِ مِنْ إجْمالي العَمالَةِ العَرَبِيَّة، ما يَعْني أَنَّ مَلايينَ العامِلينَ لا يَدْفَعونَ اشْتِراكاتٍ مُنْتَظِمَةً لأَنْظِمَةِ التَّقاعُدِ ولا يَتَمَتَّعونَ بِحِمايةٍ كافِيَةٍ عِنْدَ التَّقَدُّمِ في العُمْر.

ولا تَقِفُ التَّحَدِّياتُ عِنْدَ حُدودِ التَّقاعُد. فَكُلَّما تَقَدَّمَ النّاسُ في العُمْرِ ازْدادَتْ مُعَدَّلاتُ الإصابَةِ بِالأَمْراضِ المُزْمِنَةِ مِثْلَ السُّكَّرِيّ وأمْراضِ القَلْبِ والسَّرَطانِ والخَرَف. وتُعَدُّ مِنْطَقَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وشَمالِ أفْريقْيا مِن بَيْنِ المَناطِقِ الأَعْلى عالَمِيًّا في مُعَدَّلاتِ الإصابةِ بالسُّكَّرِيّ، إذ يَعيشُ فيها نَحْوَ 85 مِلْيونَ بالِغٍ مُصابٍ بِالمَرَض، وقدْ يَرْتَفِعُ العَدَدُ إلى 163 مِلْيونًا بِحُلولِ عامِ 2050. كَذَلِكَ تَبْدو أَعْدادُ مَن تَجاوَزوا الثَّمانينَ سَنَة، وهُم الفِئَةُ الأَكْثَرُ احْتِياجًا إلى الرِّعايةِ المُكَثَّفَة، مُرشَّحةً لِلارْتِفاعِ بِصورَةٍ كَبيرَةٍ خِلالَ العُقودِ المُقْبِلة.

وفي الوَقْتِ نَفْسِه، تَتَراجَعُ قُدْرَةُ الأُسْرَةِ العَرَبِيَّةِ التَّقْليدِيَّةِ على رِعايَةِ كِبارِ السِّنِّ بِسَبَبِ الهِجْرَةِ وتَقَلُّصِ حَجْمِ الأُسْرَةِ وتَزايُدِ تَكاليفِ المَعيشَة. وبِذَلِكَ تَنْتَقِلُ مَسْؤولِيَّةُ الرِّعايَةِ تَدْريجِيًّا مِنَ العائِلَةِ إلى الدَّوْلَةِ والسّوق، في وَقْتٍ لَمْ تَستَكْمِلْ فيهِ مُعْظَمُ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ بِناءَ أَنْظِمَةِ حِمايَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ قادِرَةٍ على تَحَمُّلِ هذا العِبْء.

رفع مشاركة النساء في سوق العمل يمثّل أحد أهمّ العوامل المساعدة في مواجهة آثار الشيخوخة

ومَعَ ذلِك، لا تَعْني الشَّيْخوخَةُ الأَعْباءَ فَقَط. فَقَدْ ظَهَرَ في الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَةِ ما يُعْرَفُ بِـ"اقْتِصادِ الفِضَّة"، وهو مَجْموعَةُ الأَنْشِطَةِ الاقْتِصادِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِاحْتِياجاتِ كِبارِ السِّنّ، مِنَ الرِّعايَةِ الصِّحِيَّةِ والتَّأمينِ إلى التِّكنولوجِيّاتِ المُساعِدَةِ والخِدْماتِ المَنْزِليَّة. هذهِ التَّحوُّلاتُ يُمْكِنُ أَنْ تَفْتَحَ أَسْواقًا جَديدةً وفُرَصًا اسْتِثْمارِيَّةً واعدةً في العالَمِ العَرَبِيِّ أيْضًا.

كَذلكَ، يُمَثِّلُ رَفْعُ مُشارَكةِ النِّساءِ في سوقِ العَمَلِ أَحَدَ أَهَمِّ العَوامِلِ المُساعِدَةِ في مُواجَهَةِ آثارِ الشَّيْخوخَة. إذ لا يَتَجاوَزُ مُعَدَّلُ مُشارَكَةِ النِّساءِ العَرَبِيّاتِ في القُوى العامِلَةِ نَحْوَ 19 في المِئَة، في مُقابِلِ 48 في المِئَةِ عالمِيًّا. وَزِيادَةُ هذهِ النِّسْبَةِ يُمْكِنُ أَنْ تُعَوِّضَ جُزْءًا مِنَ النَّقْصِ المُتَوَقَّعِ في القُوى العامِلَة، وتَدْعَمَ قُدْرَةَ الاقْتِصاداتِ على تَمْويلِ أَنْظِمَةِ التَّقاعُدِ والرِّعايَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن