اقتصاد ومال

استِخْدامُ الذَّهَبِ أَمْ عَدَمُ استِخْدامِه؟ هَذا هُوَ السُّؤال!تَأَمُّلاتٌ في الأَزْمَةِ المالِيَّةِ اللُّبْنانِيَّة

في النِّقاشِ الدّائِرِ حَوْلَ ما إِذا كانَ يَنْبَغي اسْتِخْدامُ الذَّهَبِ المُحْتَفَظِ بِهِ لَدى مَصْرِفِ لُبْنان (BDL) لِسَدادِ أَمْوالِ المودِعينَ العالِقَةِ في القِطاعِ المَصْرِفِيِّ اللُّبْنانِيِّ مُنْذُ نوفَمْبِر/تِشْرينَ الثّاني 2019، بَرَزَتْ عُمومًا ثَلاثَةُ آراء. أَوَّلًا، الرَّأْيُ القائِلُ بِعَدَمِ وُجوبِ اسْتِخْدامِ الذَّهَب. ثانِيًا، الرَّأْيُ القائِلُ بِوُجوبِ اسْتِخْدامِ جُزْءٍ مِنَ الذَّهَب، وَلَكِنْ لِلِاسْتِثْمارِ في البُنى التَّحْتِيَّة، بِما يُحَفِّزُ بِدَوْرِهِ النُّمُوَّ الِاقْتِصادِيَّ وَيُساعِدُ بِالتّالي بِشَكْلٍ غَيْرِ مُباشِرٍ عَلى اسْتِعادَةِ الوَدائِع. ثالِثًا، الرَّأْيُ القائِلُ بِوُجوبِ اسْتِخْدامِ الذَّهَبِ وَوَضْعِهِ في الخِدْمَة، لِأَنَّ ذَلِكَ سَيُؤَدّي فَوْرًا إِلى إِعادَةِ الوَدائِعِ وَاسْتِعادَةِ الثِّقَةِ بِالمَصارِف.

استِخْدامُ الذَّهَبِ أَمْ عَدَمُ استِخْدامِه؟ هَذا هُوَ السُّؤال!
تَأَمُّلاتٌ في الأَزْمَةِ المالِيَّةِ اللُّبْنانِيَّة

سَنُعَلِّقُ في هَذِهِ المُذَكِّرَةِ عَلى الرَّأْيَيْنِ الثّاني وَالثّالِث، إِذْ إِنَّ الرَّأْيَ الأَوَّلَ غَيْرُ مَنْطِقِيّ، لِأَنَّهُ يَعْني عَمَلِيًّا الِاحْتِفاظَ بِالذَّهَبِ بِوَصْفِهِ "صَنَمًا" عَديمَ الفائِدَة. 

يَرى الرَّأْيُ الثّاني، الَّذي عَبَّرَ عَنْهُ بِأَفْضَلِ صورَةٍ الوَزيرُ السّابِقُ سَعادَة الشّامي[1]، أَنَّ الذَّهَبَ يُفْهَمُ عَلى نَحْوٍ أَفْضَلَ بِاعْتِبارِهِ جُزْءًا مِنْ تُراثِ الأُمَّة، يَحْتَفِظُ بِهِ المَصْرِفُ المَرْكَزِيُّ بِصِفَتِهِ وَصِيًّا عَلَيْهِ نِيابَةً عَنِ الشَّعْبِ اللُّبْنانِيّ. وَبِالتّالي، فَإِنَّ اسْتِخْدامَ الذَّهَبِ لِتَعْويضِ المودِعينَ سَيَعْني نَقْلَ خَسائِرِ القِطاعِ الخاصِّ إِلى الميزانِيَّةِ العُمومِيَّةِ العامَّة، وَبِالتّالي تَحْميلَ العِبْءِ لِعُمومِ السُّكّان.

استخدام الذهب يضمن العدالة العمودية بين المودعين

وَبَدَلًا مِنْ ذَلِك، يَقْتَرِحُ هَذا الرَّأْيُ الإِبْقاءَ على جُزْءٍ مُهِمٍّ مِنْ ذَهَبِ لُبْنانَ على شَكْلِ احْتِياطِيٍّ اسْتراتيجِيٍّ مادِّيّ، في حينِ تَتِمُّ تَصْفيةُ جُزْءٍ مِنْه (20 مِلْيارَ دولار) ـ رَهْنًا بِمُوافَقَةِ البَرْلَمان ـ وَتَحْويلُهُ إِلى الصُّنْدوقِ الوَطَنِيِّ الِاسْتِئْمانِيِّ لِلذَّهَبِ (NGTF). وَيُسْتَخْدَمُ الدَّخْلُ المُتَوَلِّدُ مِنْ هَذا الصُّنْدوقِ لِدَعْمِ الِاسْتِثْماراتِ المُعَزِّزَةِ لِلنُّمُوِّ في البُنى التَّحْتِيَّة، وَالتي سَتُؤَدّي دَوْرًا مُهِمًّا في تَسْهيلِ اسْتِعادَةِ الوَدائِعِ المَصْرِفِيَّةِ وَإِعادَةِ الثِّقَةِ بِالنِّظامِ المالِيّ.

مَعَ ذَلِك، نَعْتَقِدُ أَنَّ الرَّأْيَ الثّاني دونَ المُسْتَوى الأَمْثَلِ لِلأَسْبابِ التّالِيَة:

1 ـ إِذا كانَ ذَهَبُ مَصْرِفِ لُبْنانَ مِلْكًا لِلشَّعْب، فَإِنَّ المُودِعينَ هُمْ أَيْضًا مِنَ الشَّعْب، وَبِالتّالي فَإِنَّ سَدادَ أَمْوالِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ المُصَفّى يُعَدُّ أَمْرًا عادِلًا. وَمَعَ وُجودِ ما يُقَدَّرُ بِـ975 أَلْفَ حِسابٍ مَصْرِفِيّ، وَافْتِراضِ وُجودِ صاحِبِ حِسابٍ واحِدٍ لِكُلِّ أُسْرَةٍ وَمُتَوَسِّطِ خَمْسَةِ أَفْرادٍ لِكُلِّ أُسْرَة، فَإِنَّ هَذِهِ الحِساباتِ تُغَطّي تَقْريبًا كامِلَ عَدَدِ سُكّانِ لُبْنانَ البالِغِ 4.9 مَلايينَ نَسَمَة.

2 ـ إِنَّ اسْتِخْدامَ الذَّهَبِ المُصَفّى لِسَدادِ أَمْوالِ المُودِعينَ لا يُساعِدُ فَقَطْ على ضَمانِ العَدالَةِ الأُفُقِيَّةِ مِنْ خِلالِ تَوْزيعِ الكُلْفَةِ بَيْنَ الحُكومَةِ وَمَصْرِفِ لُبْنانَ وَالمَصارِف[2]، بَلْ يَضْمَنُ أَيْضًا العَدالَةَ العَمودِيَّةَ بَيْنَ المودِعينَ عَبْرَ المُساهَمَةِ في سَدادِ أَمْوالِ كِبارِ وَصِغارِ المودِعينَ على حَدٍّ سَواء.

حالات فساد وهدر ستنجم عن إنفاق عائدات الذهب على مشاريع البنى التحتية

3 ـ إِنَّ سَدادَ أَمْوالِ المودِعينَ مِنَ الذَّهَبِ المُصَفّى يُعَزِّزُ الثِّقَةَ بِالمَصارِفِ بِشَكْلٍ مُباشِر، بَدَلًا مِنَ التَّعْويلِ بِصورَةٍ غَيْرِ مُباشِرَةٍ على النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيِّ النّاتِجِ عَنْ إِنْفاقِ عائِداتِ الذَّهَبِ عَلى البُنى التَّحْتِيَّة. كَما أَنَّهُ يُتيحُ لِلْمَصارِفِ التَّعافي وَاسْتِعادَةَ الرِّبْحِيَّةِ بِصورَةٍ أَسْرَعَ وَأَكْثَرَ ضَمانًا. عِلاوَةً على ذَلِك، فَإِنَّ اسْتِثْمارَ مَبْلَغِ الـ20 مِلْيارِ دولارٍ المُقْتَرَحِ في صُنْدوقٍ يَحْتَوي على مِحْفَظَةٍ آمِنَةٍ مِنَ الأُصولِ المالِيَّةِ يُحَقِّقُ عَوائِدَ مُتَواضِعَةً مَعَ مُرورِ الوَقْت، وَلا تَتَجاوَزُ مِلْيارَ دولارٍ سَنَوِيًّا إِلّا بَعْدَ 20 عامًا[3].

4 ـ إِنَّ سَدادَ أَمْوالِ المودِعينَ مُباشَرَةً مِنْ عائِداتِ الذَّهَبِ يَحُدُّ، إِنْ لَمْ يُنْهِ، حالاتِ الفَسادِ وَالهَدْرِ الَّتي سَتَنْجُمُ عَنْ إِنْفاقِ هَذِهِ العائِداتِ على مَشاريعِ البُنى التَّحْتِيَّةِ (وَيُعَدُّ "مَجْلِسُ الجَنوب" مِثالًا واضِحًا عَلى ذَلِك).

5 ـ تَنْصُّ "القاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ" في المالِيَّةِ العامَّةِ عَلى أَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ أَنْ يَكونَ الوَسيلَةَ المِثالِيَّةَ لِتَمْويلِ البُنى التَّحْتِيَّة، لِأَنَّ هَذِهِ النَّفَقاتِ تُوَلِّدُ عَوائِدَ مَعَ مُرورِ الوَقْتِ تُغَطّي كُلْفَةَ الِاقْتِراض. فَلِماذا لا يُسْتَخْدَمُ التَّمْويلُ الرَّسْمِيُّ لِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِثْمارات؟ وَفي المُقابِل، يُمْكِنُ اسْتِخْدامُ الذَّهَبِ المُصَفّى لِسَدادِ أَمْوالِ المودِعين.

6 ـ قَدْ تَكونُ تَصْفِيَةُ جُزْءٍ مِنَ الذَّهَبِ لِسَدادِ أَمْوالِ المودِعينَ أَكْثَرَ شَعْبِيَّةً مِمّا نَعْتَقِد، لِأَنَّهُ سَيُرْضي غالِبِيَّةَ السُّكّان. وَالأَهَمُّ مِنْ ذَلِك، أَنَّهُ سَيَكونُ أَسْهَلَ بِكَثيرٍ مِنَ النّاحِيَةِ السِّياسِيَّةِ مُقارَنَةً بِالقَضِيَّةِ الخِلافِيَّةِ المُتَمَثِّلَةِ في اسْتِخْدامِ عائِداتِ الذَّهَبِ لِإِعادَةِ إِعْمارِ الجَنوبِ مَثَلًا (وَهِيَ قَضِيَّةٌ مِنَ المُرَجَّحِ أَنْ تَبْرُزَ لاحِقًا)، إِذْ إِنَّ مِثْلَ هَذا الإِنْفاقِ قَدْ يُثيرُ اسْتِياءَ بَقِيَّةِ مَناطِقِ البِلاد.

إِذا كانَ الرَّأْيُ الثّالِثُ هُوَ الأَفْضَل، فَما حَجْمُ الأَمْوالِ الَّتي يَنْبَغي تَوْفيرُها مِنْ خِلالِ تَصْفيةِ الذَّهَب؟ يُبَيِّنُ الجَدْوَلُ أَعْلاهُ أَنَّ إِجْمالِيَّ الوَدائِعِ يَبْلُغُ 83 مِلْيارَ دولار. لَكِنْ وِفْقًا لِمَشْروعِ قانونِ "الفَجْوَةِ المالِيَّةِ" المُقْتَرَح، لا يَتَوَجَّبُ إِعادَةُ جَميعِ هَذِهِ الوَدائِع، إِذْ سَيَتِمُّ شَطْبُ نَحْوِ 28 مِلْيارَ دولارٍ بِاعْتِبارِها وَدائِعَ شاذَّةً[4]. وَهَذا يَتْرُكُ 55 مِلْيارَ دولار، مُوَزَّعَةً تَقْرِيبًا بَيْنَ 20 مِلْيارَ دولارٍ تُمَثِّلُ صِغارَ المودِعينَ أَصْحابَ الحِساباتِ الَّتي لا تَتَجاوَزُ 100 أَلْفِ دولار، وَ35 مِلْيارَ دولارٍ تُمَثِّلُ حِساباتِ كِبارِ المُودِعين. وَيَقْتَرِحُ القانونُ سَدادَ مَبْلَغِ الـ20 مِلْيارَ دولارٍ نَقْدًا[5]، وَمَبْلَغَ الـ35 مِلْيارَ دولارٍ عَبْرَ أَوْراقٍ مالِيَّةٍ مَدْعومَةٍ بِالأُصولِ. وَالسُّؤالُ الجَوْهَرِيُّ هُوَ: كَيْف؟

في ما يَتَعَلَّقُ بِسَدادِ مَبْلَغِ الـ20 مِلْيارَ دولار، يُظْهِرُ الجَدْوَلُ أَنَّ مَصْرِفَ لُبْنانَ يَمْتَلِكُ 11.5 مِلْيارَ دولار، في حينِ تَمْتَلِكُ المَصارِفُ 3.5 مِلْياراتِ دولار. وَبِالتّالِي يُصْبِحُ المَجْموعُ 14 مِلْيارَ دولار، ما يَعْني أَنَّ المَبْلَغَ المُتَبَقِّيَ وَقَدْرُهُ 6 مِلْياراتِ دولارٍ يُمْكِنُ تَأْمينُهُ مِنْ خِلالِ تَصْفيةِ هَذا القَدْرِ مِنَ الذَّهَب، الَّذي تُقَدَّرُ قيمَتُهُ بِنَحْوِ 41 مِلْيارَ دولارٍ. أَمّا مَبْلَغُ الـ35 مِلْيارَ دولارٍ مِنَ الأَوْراقِ المالِيَّةِ المَدْعومَةِ بِالأُصول، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكونَ مَدْعومًا بِما تَبَقّى مِنَ الذَّهَبِ وَالبالِغِ 35 مِلْيارَ دولارٍ، أَيْ مِنْ دونِ اسْتِخْدامِ الذَّهَبِ لِلسَّدادِ الفِعْلِيّ، بَلْ كَضَمانَة، على أَنْ تَتَوَلّى الحُكومَةُ وَمَصْرِفُ لُبْنانَ وَالمَصارِفُ تَسْديدَ المُسْتَحَقّاتِ عِنْدَ الِاسْتِحْقاق (على مَدى فَتْرَةٍ مُقْتَرَحَةٍ تَبْلُغُ 20 عامًا).

في غياب الشروط المسبقة لا جدوى حتى من التفكير في مسألة الذهب

وَعَلَيْه، فَإِنَّ الإِجابَةَ عَنِ السُّؤالِ هِي: نَعَم، يَنْبَغي اسْتِخْدامُ الذَّهَبِ بِمِثْلِ الطَّريقَةِ المُبَيَّنَةِ أَعْلاهُ لِلْمُساعَدَةِ في سَدادِ الوَدائِع. وَرُبَّما يَكونُ السُّؤالُ الأَكْثَرُ جَوْهَرِيَّةً هُوَ: تَحْتَ أَيِّ شُروط؟ إِنَّ الشُّروطَ الكافِيَةَ الَّتي نَراها مُتَطَلِّباتٍ أَساسِيَّةً مُسْبَقَةً تَتَمَثَّلُ في: إِقْرارِ قانونٍ عادِلٍ لِلْفَجْوَةِ المالِيَّةِ وَقانونٍ لِإِعادَةِ هَيْكَلَةِ المَصارِف، وَاسْتِعادَةِ السِّيادَةِ الكامِلَةِ وَالِاسْتِقْرارِ السِّياسِيّ، وَوَضْعِ بَرْنامَجٍ مَتينٍ لِلْإِصْلاحِ الِاقْتِصادِيِّ وَالحَوْكَمَة. وَفي غِيابِ هَذِهِ الشُّروط، لا جَدْوى حَتّى مِنَ التَّفْكيرِ في مَسْأَلَةِ الذَّهَب!.



[1] الشّامِي، سَعادَة. "إِدارَةُ ذَهَبِ لُبْنانَ: الحَوْكَمَةُ وَالنُّمُوُّ وَالتَّعافي المالِيُّ"، مَعْهَدُ عِصامِ فارِس لِلسِّياساتِ العامَّةِ وَالشُّؤونِ الدَّوْلِيَّة (IFI)، الجامِعَةُ الأَميرْكِيَّةُ في بَيْروت، مارس/آذار 2026.
[2] الجِهاتُ المَسْؤولَةُ عَنِ الأَزْمَة، بِتَرْتيبٍ تَنازُلِيٍّ بِحَسَبِ مُسْتَوى المَسْؤولِيَّة.
[3] بافْتِراضِ مُعَدَّلِ عائِدٍ مُتَحَفِّظٍ قَدْرُهُ 5%...
[4] تُمَثِّلُ هَذِهِ بِشَكْلٍ أَساسِيٍّ "حِساباتٍ مَشْبوهَةً" وَحِساباتٍ غَيْرَ مُؤَهَّلَةٍ جَرى تَحْوِيلُها مِنَ اللّيرَةِ اللُّبْنانِيَّةِ إِلَى الدّولارِ الأَميرْكِيِّ خِلالَ الأَزْمَة.
[5] مِنَ اللّافِتِ أَنَّ مَبْلَغَ الـ20 مِلْيارَ دُولارٍ يُمَثِّلُ 85% مِنْ إِجْمالِيِّ الحِسابات.
(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن