التَّوْفيقُ الذي يَرْتَكِزُ على مَقولَة: الحَقُّ الذي لا يُضادُّ الحَقّ[1]؛ وَالجَمْعُ الذي يَرْفِضُ وُجودَ الِاخْتِلافِ في أُصولِ الحِكْمَة[2]؛ وَالنَّقْدُ الذي يُعانِدُ رَأْسًا، إِنَّما تُفْصِحُ في مَجْموعِها وَثَمَراتِها، عَنْ فَرْضِيّاتٍ مَحْدودَة، وَما نَجَحَتْ إِلّا قَليلًا. بَيْنَما المُتَلَحِّظُ لِطَريقَةِ العامِرِيِّ في التَّفَلْسُف، يَجِدُ أَنَّهُ قَدْ نَجَحَ فيما جَنَحَ الآخَرونَ عَنْه، فَهُوَ، وَإِنْ كانَ يَبْني مِعْمارَهُ الفِكْرِيّ، ضِمْنَ نِظامِ المَعاني الإِيمانِيَّةِ أَوَّلًا، إِلّا أَنَّهُ اسْتَطاعَ أَنْ يَخْتَصَّ بِميزَةٍ لافِتَةٍ هِي: تَزْويدُ المَدْلولاتِ الفَلْسَفيةِ اللَّطيفَةِ بِالمَعاني الإِيمانِيَّةِ الكَثيفَة، وَالأَخْذُ بِها إلى دَوائِرِ الإِصْلاحِ الفِكْرِيِّ وَالأَخْلاقِي. ثُمَّ إِنَّ ميزَةَ حَرَكَةِ النَّقْدِ عِنْدَه، أَنَّها تُطَبَّقُ على العُلومِ العَقْلِيَّةِ أَوِ الحِكْمِيَّة، كَما تُطَبَّقُ على العُلومِ المِلِّيَّةِ أَوِ الشَّرْعِيَّة.
بناء الإنسان المؤمن/العامل لأنّ العلم مبدأ والعمل تمامُه
هُوَ يُلامِسُ مَجالاتِ العُلومِ وَبِخاصَّةٍ الأَحْكامُ التَّقْويمِيَّةُ لِلمَعارِفِ حَوْلَ بَعْضِها البَعْضِ؛ لِذا تَراهُ في تَقْويمِهِ لِلعُلومِ أَكْثَرَ بَحْثًا عَنِ الفَوائِدِ المُجْتَلَبَةِ مِنْها، أَوِ بِلُغَةٍ مُعاصِرَة: هَمُّهُ الِاسْتِعْمالُ وَالتَّداوُلُ وَلَيْسَ الحَقيقَةَ وَالِاتِّساقَ فَقَط، لِأَجْلِ ذَلِكَ نَعْثُرُ في مُعْجَمِهِ الِاصْطِلاحِيِّ على كَلِماتٍ أَنيقَةٍ وَعِباراتٍ شَهِيَّةٍ غَيْرِ مَعْهودَةٍ في المُمارَسَةِ الفَلْسَفِيَّةِ مِثْل: دَفائِنُ العُلوم، المَرافِقُ المُجْتَلَبَةُ مِنَ العُلوم، العَقْلُ المَرْصوص، الرَّأْيُ الأَقْوَم، اقْتِناءُ الفَضيلَة، إِجالَةُ الفِكْر، نِظامُ الخَليقَةِ وَغَيْرِها مِنَ المَعاييرِ الِاسْتِعْمالِيَّة؛ وَيَظْهَرُ لَنا أَنَّ البَاعِثَ على هَذا، إِنَّما هُوَ الرَّغْبَةُ في إِنْشاءِ خَطٍّ فِكْرِيٍّ رَشيد؛ تَتَرابَطُ فيهِ ثَمَراتُ الحِكْمَةِ مَعَ مَكارِمِ الشَّريعَة؛ ضِمْنَ مَشْروعٍ إِصْلاحِيٍّ لِلمَعْرِفَةِ وَلِلإِنْسان؛ وَهَذا سِرُّ حَرَكِيَّةِ وَقُوَّةِ فِكْرِ العامِرِي.
إِنَّ خَطَّهُ الفِكْرِيَّ يَجْري في فَلَكِ ما نُسَمّيه بِـ"الإِصْلاحِ الفَلْسَفِيّ"، الذي يُريدُ بِناءَ الإِنْسانِ المُؤْمِنِ/العامِل، الطّائِعِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِعَقْلِه، كَما هُوَ طائِعٌ لَهُ بِالأَعْمالِ الصّالِحَةِ طَلَبًا لِلتَّقْوى، لِأَنَّ العِلْمَ مَبْدَأٌ وَالعَمَلَ تَمامُه، وَلا يَرْغَبُ الطّالِبُ في العُلومِ الفاضِلَةِ إِلّا لِأَجْلِ الأَعْمالِ الصّالِحَة، وَفي هَذا يَقولُ العامِرِيّ: "فالعَقْل، وَإِنْ صَلَحَ لِتَدْبيرِ عامَّةِ ما تَحْتَهُ مِنَ المَوْهوماتِ الحِسِّيَّة، وَإِمْساكِ ما فَوْقَهُ مِنَ المَعْقولاتِ البَديهِيَّةِ كافَّة، فَإِنَّهُ لَيْسَ يَصْلُحُ لَهُما إِلّا بِالقُوَّةِ الإِلَهِيَّةِ المُسْتَعْلِيَةِ عَلَيْه[3]".
بَيِّنٌ إِذَنْ، أَنَّ العامِرِيَّ، على جَلالَةِ تَقْديرِهِ لِقُوى التَّعَقُّلِ في الإِنْسان، فَإِنَّها مِنْ مَنْظورِهِ قاصِرَةٌ عَنْ دَرْكِ وَإِبْلاغِ المَعاني الإيمانِيَّةِ وَالمَراتِبِ الإِنْسِيَّةِ الرَّفيعَة؛ لِأَجْلِ ذَلِكَ "مِنَ الواجِبِ (على الإِنْسانِ) أَنْ يُثَقِّفَ نَفْسَهُ النُّطْقِيَّةَ بِالمُواظَبَةِ على الأَوْضاعِ المِلِّيَّة، لِيَتَدَرَّجَ بِها إلى إِصابَةِ الحَقّ، وَالِاعْتِقادِ لِلحَقّ، وَالمُتابَعَةِ لِلحَقّ، وَالإِيضاحِ لِلحَقّ... فَيوقِنَ أَنَّ اللهَ تَعالى قَدْ شَرَّفَ جَوْهَرَهُ بِنورِ العَقْلِ لِيَتَعاطى بِهِ خِلافَتَهُ على عِمارَةِ العالَمِ السُّفْلِيّ، فَيَتَدَرَّجَ بِهِ إلى أَنْ يَصيرَ زينَةً لِلعالَمِ العُلْوِيّ، فَإِنَّهُ مَتى دَنَّسَ جَوْهَرَهُ وَاسْتَهْلَكَ ذاتَه، فَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَة[4]".
وَهُنا، تَتَجَلَّى المَعالِمُ المَنْهَجِيَّةُ ضِمْنَ مَشْروعِ الإِصْلاحِيَّةِ الفَلْسَفِيَّة، فالتَّعَقُّلُ الإِنْسانِيُّ وَإِنْ كانَ مُرْتَفِعًا على المَعاني الحِسِّيَّة، مُتَصَرِّفًا فيها، إِلّا أَنَّهُ مَحْدودٌ بِالمُقارَنَةِ مَعَ المَعاني الإِيمانِيَّةِ الواسِعَة، لِذا فَإِنَّ المَراشِدَ الإِلَهِيَّةَ هِيَ التي تُنيرُ لَهُ الطَّريقَ نَحْوُ عِمارَةِ البِلادِ وَسِياسَةِ البِلاد. فالعامِرِيُّ إِذَن، عِنْدَما يُوَجِّهُ التَّعَقُّلَ الإِنْسِيَّ نَحْوَ هَذِهِ الغاياتِ الإِعْمارِيَّةِ الخَيِّرَة، فَإِنَّهُ يَظْفَرُ بِثَمَراتٍ ثَلاثٍ هِيَ تَوَالِيًا:
* إِنَّ التَّدْبيرَ الإِلَهِيَّ لِإِيجادِ العالَمِ مُتَّجِهٌ إلى: إِفاضَةِ الجودِ التّام، أَيْ إِيجادِ العالَم.
* وَمُتَّجِهٌ أَيْضًا، إلى إِبْرازِ القُدْرَةِ التّامَّة، أَيْ اسْتِبْقاءِ العالَم.
* وَأَيْضًا في الثّالِثَة، مُتَّجِهٌ إلى إِظْهارِ الحِكْمَةِ التّامَّة، أَيْ تَصْريفِ العالَم.
وَتَأْكيدًا مِنْهُ على الطّابَعِ الِاتِّصالِيِّ لِلعَقْلِ بِما يُسَمّيه: الأَوْضاعَ المِلِّيَّة، فَإِنَّهُ يَرْسُمُ مُقَدِّمَةً مَتينَةً جاءَ فيها "الإِيمانُ في الحَقيقَةِ هُوَ الِاعْتِقادُ الصّادِقُ اليَقينِيّ، وَمَحَلُّهُ مِنَ القُوى التَّمْييزِيَّةِ هُوَ القُوَّةُ العاقِلَة. وَالكُفْرُ في الحَقيقَةِ هُوَ الِاعْتِقادُ الكاذِبُ الظَّنِّيّ، وَمَحَلُّهُ مِنَ القُوى التَّمْييزِيَّةِ هُوَ القُوَّةُ المُتَخَيِّلَة... وَقَدْ تَصْلُحُ القُوَّةُ المُتَخَيِّلَةُ لِلعَقيدَةِ الصّادِقَةِ حَسَبَ صُلوحِها لِلعَقيدَةِ الكاذِبَة. وَأَمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَلَنْ تَصْلُحَ إِلّا لِلعَقيدَةِ الصّادِقَة[5]".
كمال العقل إنما يكون من كمال الدين
وَهُنا، يُمْكِنُ القَوْلُ بِأَنَّ وَعْيَ العامِرِيِّ بِقُصورِ التَّفَلْسُفِ الإِنْسانِيِّ في تَدْبيرِ الحَياةِ كانَ مُلازِمًا لَه، فَلا رَيْبَ أَنَّ العَقْلَ الصَّريحَ بِفِطْرَتِه، يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى، وَيُدْرِكُ قِيَمَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ وَيُدْرِكُ أَهَمِّيَّةَ الإِحْسانِ بَيْنَ ذَوي الأَلبابِ في المُعامَلاتِ "غَيْرَ أَنَّ عُقولَنا الجُزْئِيَّةَ تَقْصُرُ عَنْ مَعْرِفَةِ كَيْفِيّاتِها وَكَمِّيّاتِها، فَيُحْوِجُنا الضَّعْفُ إلى مَنْ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر، وَخُصوصًا إِذا كانَتِ المَصالِحُ في هَيْئاتِها وَمَقاديرِها تَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ تَغَيُّرِ طِباعِ القُرون[6]".
وَمَدْلولُ هَذا الإِقْرار، رَجحانُ المَعالِمِ الدّينِيَّةِ على غَيْرِها مِنَ المَعالِمِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَة، لَيْسَ فَقَطْ في الأَبْوابِ الِاعْتِقادِيَّةِ وَالعِبادِيَّة، بَل وَفي الأَبْوابِ المَعْرِفِيَّة. كَذَلِك، يَقولُ العامِرِيُّ مُظْهِرًا هَذِهِ الفِكْرَةَ "العِلْمُ الدّينِيُّ لا مَحالَةَ يَنْزِلُ في ذاتِهِ مَنْزِلَةَ أُصولِ الصِّناعاتِ النَّظَرِيَّةِ وَمَبادِئِها في الصِّدْقِ وَالقُوَّة[7]"؛ وَهَذا الطَّريقُ في البِناءِ على المَعاني الإِيمانِيَّةِ إِنَّما يَتَضَمَّنُ داخِلَهُ التَّعْبيرَ عَنْ حُدودٍ في العَقْلِ البَشَرِيّ، لا يَسْتَطيعُ اسْتِكْمالَها إِلّا بِالدّين، فَقُوَّةُ الدّينِ أَظْهَرُ مِنْ قُوَّةِ العَقْل، وَالأَقْوى: أَنَّ كَمالَ العَقْلِ إِنَّما يَكونُ مِنْ كَمالِ الدّين.
[1] ابْنُ رُشْدٍ في مَشْروعِ التَّوْفيقِ بَيْنَ الْحَقِّ الدِينِيِّ وَالْحَقِّ الْفَلْسَفِيّ.
[2] أَبو نَصْرٍ الْفارابيّ وَمَشْروعُ الْجَمْعِ بَيْنَ رَأْيِ الْحَكيمَيْن: أَفْلاطون وَأَرِسْطو.
[3] الْعامِرِيّ، أَبو الْحَسَن، الْأَمَدُ عَلَى الْأَبَد، ضِمْنَ كِتاب، أَرْبَعُ رَسائِلَ فَلْسَفِيَّةٍ، تَحْقيقُ سعيد الْغانِمِيّ، بَيْروت، دارُ التَّنْوير، 2015، ص 182.
[4] الْمَرْجِعُ السَابِق، ص 188/189.
[5] نَفْسُه، ص 259.
[6] العامِرِيّ، كِتابُ الْإِعْلامِ بِمَناقِبِ الْإِسْلام، ص 98.
[7] نَفْسُه، ص 102.


