تقدير موقف

بَينَ القَرارِ 242 والبَنْدِ 224!

كُلُّنا نَتَذَكَّرُ وَنَعْرِفُ القَرارَ 242 (المُفَخَّخَ لَفظيًّا) الَّذي أَصْدَرَهُ مَجْلِسُ الأَمْنِ قَبْلَ تِسْعٍ وَخَمْسينَ عامًا، وَالَّذي كانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَن يُسْدِلَ السِّتارَ على ما جَرى في مِثْلِ تِلْكَ الأَيّامِ السَّوْداءِ مِن يونْيو/حُزَيْران 1967؛ بِانسِحابٍ إسرائيليٍّ (كامِل) إلى حُدودِ الرّابِعِ مِن يونْيو/حُزَيْران. وَكُلُّنا نَعْرِفُ كَيْفَ ساعَدَ المُنْدوبُ الأَميرْكِيُّ آرْثَر غولْدْبِرغ (Arthur Goldberg) الدّاهِيَةَ البَريطانِيَّ اللّوْردَ كارادون (Lord Caradon) في تَفْخيخِ القَرارِ الأُمَمِيِّ (لَفْظِيًّا) بِما جَرى مِنِ اخْتِلافٍ لُغَوِيّ، لَهُ دَلالَتُهُ بَيْنَ النُّسْخَةِ الإِنْجليزِيَّةِ "الرَّسْمِيّةِ" وَالنُّسَخِ الصّادِرَةِ بِاللُّغاتِ الأَرْبَعِ الأُخْرى، لِتَتَمكَّنَ إِسْرائيلُ مِنَ الفِرارِ بِفِعْلَتِها؛ مُراوَغَةً وَتَضْليلًا (التَّفاصيلُ كامِلَة).

بَينَ القَرارِ 242 والبَنْدِ 224!

مِياهٌ كَثيرَةٌ جِدًّا جَرَت في النَّهْر؛ لَم تَعُدْ إِسْرائيل، ابْتِداءً، تَكْتَرِثُ أَصْلًا بِالقَراراتِ الأُمَمِيَّة، كَما لَم تَعُدِ الدُّوَلُ العَرَبيّةُ "عَرَبِيَّةً" كَما كانَت في تِلْكَ الأَيّامِ القَوْمِيَّةِ/النّاصِرِيَّةِ البَعيدة، تَكْتَرِثُ بِقَضاياها الكُبْرى، أَو تُعْطي لِلصِّراعِ العَرَبِيِّ - الإِسْرائيلِي، أَو ما كانَ يُسَمّى "قَضِيَّةَ العَرَبِ الأولى"، ما يَستَحِقُّهُ مِنِ اهْتِمام، بِدايَةً مِنَ التَّنَكُّرِ لِلاءاتِ الخَرْطوم، الَّتي يَتَنَدَّرُ بِها البَعْضُ أَو يَسْخَرونَ مِنْها، ونَدْفَعُ ثَمَنَ التَّفْريطِ فيها كُلَّ يَوْمٍ أَمامَ خُطَطِ هَيمَنَةٍ إسْرائيليّةٍ لا تَخْفى على أَحَد، وَلَيسَ نِهايَةً بِدَفْنِ مُبادَرَةِ المَلِكِ عبْدِ اللهِ العَرَبِيَّة (بَيْروت 2002) في أَكْفانٍ "إِبْراهيمِيَّة"، صُهْيونِيَّةِ المَرْمى، وَلَو تَجَمَّلَتِ بِاسْمِ أَبي الأَنْبِياء.

كُلُّنا نَعْرِفُ القَرارَ 242 وَما آلَ إِلَيْه، وَلَكِنْ هَلْ سَمِعْتُم عَنِ البَنْدِ 224 غَيْرِ المَسْبوق، الَّذي يَجْري تَداوُلُهُ الآنَ في الكونْغرِسِ الأَميرْكِيّ، وَالَّذي مِنْ شَأنِهِ تَغْييرُ مُعادَلاتِ القُوى في مِنْطَقَتِنا تَغييرًا جَذْرِيًّا؟.

هِيَ مُفارَقَةٌ رَقَميّةٌ بِلا شَكّ. وَلَكِنَّ الانْحِيازَ الأَميرْكِيّ، أَو قُلِ اللّوبي الصُّهْيونِيّ، كَعادَتِهِ الأَميرْكِيَّة، يَكْمُنُ في التَّفاصيل.

في التَّفاصيل، كانَ نُوّابٌ أَميرْكِيّونَ قَد تَقَدَّموا في فِبْرايِر/شُباطَ الماضي بِمَشْروعِ قانونٍ لِـ"مَأْسَسَةِ" التَّعاوُنِ العَسْكَرِيِّ بَيْنَ البَلَدَينِ تَحْتَ مُسَمّى "U.S.-Israel FUTURES Act"، وَما زالَ المَشروعُ (الَّذي شَهِدنا كَيفَ احْتَفَتْ بِهِ الـ AIPAC) مَشْروعًا، وَلَكِنَّ فَحْواه، وَأَهَمَّ ما فيه، سُرعانَ ما وَجَدَا طَريقَهُما إلى البَنْدِ/المادَّةِ 224 مِنَ النُّسْخَةِ الَّتي أَقَرَّتْها بِالفِعْلِ قَبْلَ أَيّامٍ لَجْنَةُ القُوّاتِ المُسَلَّحَةِ في مَجْلِسِ النُّوّابِ ضِمْنَ مَشْروعِ قانونِ الدِّفاعِ الأميرْكِيِّ للسَّنَةِ المالِيَّةِ 2027 (FY2027 NDAA).

"عقد زواج مؤسّسي" يدمج بين القاعدتين الصناعيتين العسكريتين في البلدين

بِبَساطَة، كانَ هُناكَ مَنْ نَجَحَ في الكَواليسِ (وَهُناكَ دائِمًا مَنْ يَلْعَبُ في الكَواليسِ) في أَن يَتَجَنَّبَ جَدَلًا سِياسِيًّا قَد يُثيرُهُ مَشْروعُ "FUTURES Act" فَأَخَذَ الفِكْرَةَ الأَهَمَّ إِسْرائيلِيًّا، إلى بَنْدٍ داخِلَ قانونِ الدِّفاعِ السَّنَويّ، وَهُوَ المَسارُ الَّذي، بِطَبيعَتِه، لَدَيْهِ فُرْصَةٌ أَكبَرُ بِكَثيرٍ لِلوُصولِ إلى مَرْحَلَةِ التَّشْريعِ النِّهائيّ.

تَحْمِلُ المادَّةُ 224 عُنْوانَ "مُبادَرَةِ التَّعاوُنِ التِّكْنولوجِيِّ الدِّفاعِيِّ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسرائيل" (United States-Israel Defense Technology Cooperation Initiative)، وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ المُصْطَلَحاتِ البيروقْراطِيّةِ الجافَّةِ وَالمَأْلوفَةِ في صِياغَةِ مِثْلِ تِلْكَ القَوانين، تُجَسِّدُ هَذِهِ المادَّة، أَو بِالأَحرى ما تُشيرُ إِلَيْه، تَحَوُّلًا هُوَ الأَعْمَقُ في تاريخِ العَلاقاتِ العَسْكَرِيَّةِ بَيْنَ واشِنطُن وَتَلِّ أَبيب، وَقَدْ لا يَكونُ مِنَ المُبالَغَةِ وَصفُهُ بِـ"عَقْدِ زَواجٍ مُؤَسَّسِيٍّ" يَدْمُج، بِشَكْلٍ غَيْرِ مَسْبوق، بَيْنَ القاعِدَتَيْنِ الصِّناعِيَّتَيْنِ العَسكريَّتَيْنِ في البَلَدَيْن، وَيَجْعَلُ الدَّعْمَ الأَميركِيَّ لِإسْرائيلَ عَمَلِيًّا أَكْثَرَ رُسوخًا وَأَقَلَّ خُضوعًا لِلتَّقَلُّباتِ السِّياسِيَّة.

على مَدى عُقودٍ، حُكِمَتِ العَلاقاتُ العَسكريّةُ بَينَ الطَّرَفَينِ بِمُذَكِّراتِ تَفاهُم (MoU) عَشْرِيَّة، تَقومُ فيها واشِنْطُن بِدَوْرِ "المانِحِ" وَتَلُّ أَبيبَ بِدَوْرِ "المُتَلَقّي" لِمُساعَداتٍ تَبْلُغُ حالِيًّا 3.8 مِلْياراتِ دولارٍ سَنويًّا. وَمَعَ اقْتِرابِ نِهايَةِ المُذَكِّرَةِ الحاليّةِ في عامِ 2028، يُدْرِكُ صُنّاعُ القَرارِ في واشِنطُن وَتَلِّ أَبيب، أَو بِالأَحرى الصَّهايِنَةُ "التّْرامْبِيّونَ" هُنا وَهُناك، أَنَّ هَذا النَّموذَجَ التَّقْليدِيَّ رُبَّما لَم يَعُدْ صالِحًا مَعَ ما بَدا مِنْ تَغَيُّرٍ في المِزاجِ الشَّعْبِيِّ الأَميرْكِيِّ حِيالَ إِسْرائيلَ بَعْدَ السّابِعِ مِن أُكتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّل، خاصَّةً بَيْنَ الشَّباب، مِمَّا قَد يَدْفَعُ الإِداراتِ اللّاحِقَة، تَحتَ الضُّغوطِ السِّياسِيَّةِ وَالشَّعْبِيَّةِ المُتَوَقَّعَة، إلى شَيْءٍ مِن إِعادَةِ النَّظَرِ "في التَّفاصيل".

تَحَوُّر جينيّ في طبيعة التحالف الأميركي - الإسرائيلي

الهَدَفُ غَيْرُ المُعْلَن، وَالأَكْثَرُ خُطورَة، لِما تَقضي بِهِ المادَّةُ 224 هُوَ ما يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِـ"التَّحْصينِ السِّياسِيِّ" لِلتَّحالُفِ العَسْكَرِيِّ الإِسْرائيلِيِّ الأَميرْكِيّ، الَّذي يَنْتَقِلُ بِموجَبِ هَذِهِ المادَّةِ إلى ما يُشْبِهُ "التَّماهي". وَيَنُصُّ القانونُ صَراحَةً عَلى دَمْجِ التِّقْنِيّاتِ ذاتِ الأَصْلِ الإِسْرائيلِيِّ مُباشَرَةً في أَنْظِمَةِ التَّسْليحِ الرَّسْميّةِ لِلجَيْشِ الأَميرْكِيّ (Programs of Record)، مِمَّا يُصْبِحُ مَعَهُ مُجَرَّدُ التَّفْكيرِ في وَضْعِ قُيودٍ عَلى "الدَّعْمِ العَسْكِرِيِّ لِإسْرائيلَ" مِن قِبَلِ أَيِّ إِدارَةٍ أَميرْكِيَّةٍ مُسْتَقبَلِيَّةٍ أَمْرًا شِبْهَ مُسْتَحيلٍ عَمَلِيّاتِيًّا؛ لِأَنَّ الإِضرارَ بِسَلاسِلِ التَّوْريدِ العَسْكَرِيَّةِ الإِسْرائيلِيَّةِ سَيَعْني تِلْقائِيًّا تَعْطيلَ أَو إِضْعافَ مَنْظومَةِ الدِّفاعِ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ نَفْسِها.

سياسِيًّا، وَهَذا هُوَ الأَهَمّ، تَنْتَقِلُ إِدارَةُ التَّحالُفِ العَسْكَرِيّ، بِهَذا الإِجْراءِ الَّذي يَبْدو بيروقْراطِيًّا، مِنْ أَرْوِقَةِ وِزارَةِ الخارِجِيَّةِ وَالكُونْغرِس، حَيْثُ النِّقاشاتُ العَلَنِيَّةُ وَالتَّصْويتاتُ الَّتي لا يُمكِنُها تَجاهُلُ آراءِ النّاخِبينَ "الشَّباب"، أَو حتّى التَّلْويحُ بِحُقوقِ الإِنْسان، إلى ما وَراءَ الجُدْرانِ السَّميكَةِ لِلبِنْتاغون، حَيْثُ تُدارُ الأُمور، بِحُكْمِ الطَّبيعَةِ العَسْكَرِيَّةِ لِلمُؤَسَّسَة، بَعيدًا عَنْ صَخَبِ وَسائِلِ الإِعْلامِ وَالرِّقابَةِ الدّيموقْراطِيَّةِ المُباشِرَة.

باختصارٍ، تُمَثِّلُ المادَّةُ 224 ما يُمْكِنُ اعتِبارُهُ تَحَوُّرًا جينِيًّا في طَبيعَةِ التَّحالُفِ الأَميرْكِيِّ - الإِسرائيلِيّ. فَبِاسْتِحداثِها هَيْكَلًا عَسْكَرِيًّا سَيَكونُ بِطَبيعَتِهِ عابِرًا لِلإِداراتِ وَالتَّقَلُّباتِ السِّياسِيَّة، تَضْمَنُ أَنَّهُ مَهْما تَغَيَّرَتِ الوُجوهُ في البَيْتِ الأَبْيَضِ أَو الكابيتولْ هيل، فَإِنَّ الآلَةَ العَسْكَرِيَّةَ لِلبَلَدَيْنِ سَتَبْقى تَعْمَلُ بِنَبضٍ واحِد.

تُحَوِّلُ المادَّةُ 224 التَّعاوُنَ الأَميرْكِيَّ - الإِسرائيلِيَّ مِن مَفْهومِ المُساعَدَةِ إلى مَفْهومِ "الشَّراكَة"، عَبْرَ بِناءِ تَكامُلٍ مُؤَسَّسِيٍّ تِكْنولوجِيٍّ وَصِناعِيٍّ طَويلِ الأَمَدِ داخِلَ البُنْيَةِ الدِّفاعيّةِ الأَميرْكِيَّةِ نَفْسِها. وَلِهَذا فَإِنَّ أَهَمِّيَّتَها لَيْسَت عَسْكَرِيَّةً مُباشَرَة، بَل مُؤَسَّساتِيَّةً وَاسْتْراتيجِيَّة.

العَلاقاتُ بَيْنَ الدُّوَلِ قَد تَكون:

- علاقاتٍ شَخصيّةً بَينَ قادَة.

- أَو عَلاقاتٍ سِياسِيَّةً تَقوى وَتَضْعُفُ حَسَبَ ما يَستَجِدُّ مِن ظُروف.

- أَو عَلاقاتٍ مُؤَسَّسِيَّةً أَكْثَرَ رُسوخًا بِطَبيعَتِها.

وَالمادَّةُ 224 تَنْتَمي بِوُضوحٍ إلى النَّوْعِ الثّالِث.

الأَهَمِّيَّةُ الحَقيقِيَّةُ لِلمادَّةِ 224 لَيْسَت في التَّمْويل، وَلَيْسَت في التِّكْنولوجْيا، بَلْ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ: "Institutionalization".

البند 224 يُؤسّس لمرحلة جديدة تتماهى فيها القوّتان الاستعماريتان "عسكريًا"

وَبَعْد،

فَقَد كانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَن يَفْرِضَ القَرارُ الأُمَمِيُّ 242، الصّادِرُ قَبْلَ سِتَّةِ عُقود، انْسِحابًا كامِلًا لِقُوّاتِ الاحْتِلالِ الإِسرائيلِيِّ إلى خُطوطِ الرّابِعِ مِن يونْيو/حُزَيْران 1967، وَهُوَ ما لَم يَحْدُث أَبَدًا. بَل على العَكْسِ تَمامًا. نَكْتُبُ هَذِهِ السُّطورَ وَالإِسْرائيلِيّونَ مَوْجودونَ في لُبْنانَ وَسورْيا وَالضِّفَّةِ الغَرْبِيَّة، ناهيكَ عَنْ قَرارِ تَقْنينِ ضَمِّ مُرْتَفَعاتِ الجولان، الَّذي بارَكَهُ ترامب في وِلايَتِهِ الأولى، مُتَجاهِلًا القَرارَ الأُمَمِيّ، بِالضَّبْطِ كَما تَجاهَلَهُ بِقَرارِهِ الاعْتِرافَ بِالقُدْسِ "المُوَحَّدَةِ" عاصِمَةً "أَبَدِيَّةً" لِإسْرائيل.

وَترامب هُوَ ذاتُهُ الَّذي لا يُريدُ أَن تَنتَهِيَ وِلايَتُهُ الثّانِيَةُ مِن دونِ اعْتِمادِ البَنْدِ 224، الَّذي يُؤَسِّسُ لِمَرْحَلَةٍ جَديدَةٍ تَتَماهى فيها القُوَّتانِ الاسْتِعْمارِيَّتانِ "عَسْكَرِيًّا"، مِمّا يَضْمَنُ لِقُوّاتِ الاحْتِلالِ القُوَّةَ العَسْكَرِيَّةَ الَّتي تُمَكِّنُها، لَيْسَ فَقَطْ مِنَ الاحْتِفاظِ بِما احْتَفَظَت بِهِ مِنْ أَراضٍ عَرَبيّةٍ رَغْمَ أَنْفِ القَرارِ الأُمَمِيِّ 242، بَل وَالعَمَلِ عَلى تَحْقيقِ أَطْماعِها التَّوَسُّعِيَّةِ الَّتي لَم تَعُدْ تَخْفى على أَحَد!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن