نَحْنُ لا نَعودُ إلى الأَحْداثِ الكُبْرى التي شَكَّلَتْ وَعْيَنا السِّياسِيَّ لِكَي نَسْتَخْلِصَ مِنْها الدُّروس، بَلْ لِكَي نَبْحَثَ فيها عَنْ أَدِلَّةٍ تُؤَيِّدُ مَواقِفَنا الحالِيَّة. وَلِهَذا تَبْدو نِقاشاتُنا حَوْلَ التّاريخِ شَديدَةَ الحَرارَةِ وَفَقيرَةَ النَّتائِجِ في الوَقْتِ نَفْسِه. فَالمَعْرَكَةُ في حَقيقَتِها لَيْسَتْ حَوْلَ الماضي أَصْلًا، بَلْ حَوْلَ الحاضِر. وَما يَبْدو خِلافًا على تَفْسيرِ ما جَرى بِالأَمْسِ لَيْسَ في الكَثيرِ مِنَ الأَحْيانِ سِوى خِلافٍ على ما يَنْبَغي أَنْ يَجْرِيَ اليَوْم.
التجربة السياسية المصرية تُقدّم مثالًا على الكيفية التي تتحوّل بها اللحظات التاريخية إلى سجون ذهنية
وَلَعَلَّ ما يَحْدُثُ كُلَّ عامٍ مَعَ ذِكْرى "يونْيو 1967" يَكادُ يَكونُ نَموذَجًا مُصَغَّرًا لِهَذِهِ الحالَة. فَبَدَلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ الهَزيمَةُ إلى دَرْسٍ تاريخِيٍّ اسْتَوْعَبْناهُ وَتَجاوَزْناه، تَتَحَوَّلُ إلى ساحَةٍ يَتَجَدَّدُ فيها العِراكُ نَفْسُهُ عامًا بَعْدَ عام. تَتَكَرَّرُ الكَلِماتُ والاتِّهاماتُ والانْفِعالاتُ ذاتُها، بَيْنَما يَبْقى السُّؤالُ الأَهَمُّ غائِبًا: ماذا تَعَلَّمْنا؟ وَكَيْفَ يُساعِدُنا ذَلِكَ على فَهْمِ ما يَنْتَظِرُنا لا ما مَضى وانْقَضى؟.
وَإِذا كَانَتْ هَذِهِ الظّاهِرَةُ تَبْدو عامَّةً في الكَثيرِ مِنَ المُجْتَمَعات، فَإِنَّ التَّجْرِبَةَ السِّياسِيَّةَ المِصْرِيَّةَ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَةِ تُقَدِّمُ مِثالًا شَديدَ الوُضوحِ على الكَيْفِيَّةِ التي تَتَحَوَّلُ بِها اللَّحَظاتُ التّاريخِيَّةُ إلى سُجونٍ ذِهْنِيَّةٍ لِلأَجْيالِ التي عاصَرَتْها.
فَقَدْ ظَلَّ قِطاعٌ مِنَ اليَسارِ المِصْرِيّ، لِسَنَواتٍ طَويلَة، يَنْظُرُ إلى الواقِعِ مِنْ خِلالِ مَنْظومَةٍ مِنَ المَرْجِعِيّاتِ التّاريخِيَّةِ التي شَكَّلَتْ وَعْيَهُ السِّياسِيَّ في مَرْحَلَةٍ سابِقَة. كَانَتِ انْتِفاضَةُ يَنايِر 1977 حاضِرَةً بِوَصْفِها النَّموذَجَ المَحَلِّيَّ الأَقْرَبَ لِفَهْمِ التَّفاعُلاتِ الاجْتِماعِيَّةِ والاقْتِصادِيَّة، فيما كانَتِ الثَّوْرَةُ الرّوسِيَّةُ عامَ 1917 حاضِرَةً بِوَصْفِها المَرْجِعِيَّةَ الثَّوْرِيَّةَ الكُبْرى التي تُسْتَدْعى في تَفْسيرِ حَرَكَةِ التّاريخِ والصِّراعِ السِّياسِيّ.
وَلَمْ تَكُنِ المُشْكِلَةُ في اسْتِلْهامِ تِلْكَ التَّجارِب، بَلْ في التَّعامُلِ مَعَها بِاعْتِبارِها مَفاتيحَ جاهِزَةً تَصْلُحُ لِتَفْسيرِ كُلِّ زَمانٍ وَمَكان، على الرَّغْمِ مِمّا طَرَأَ على المُجْتَمَعِ المِصْرِيِّ والعالَمِ مِنْ تَحَوُّلاتٍ عَميقَةٍ خِلالَ العُقودِ التّالِيَة. فَالمُجْتَمَعُ الذي كانَ قائِمًا في سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي لَمْ يَعُدْ هُوَ نَفْسَهُ بَعْدَ عُقودٍ مِنَ التَّحَوُّلاتِ الاقْتِصادِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ والتِّكْنولوجِيَّة. لَكِنَّ الخَرائِطَ الذِّهْنِيَّةَ بَقِيَتْ في الكَثيرِ مِنَ الأَحْيانِ على حالِها، حَتّى حينَ تَغَيَّرَتِ الأَرْضُ التي يُفْتَرَضُ أَنْ تُفَسِّرَها.
وَفي المُقابِل، جاءَتْ لَحْظَةُ 2011 لِتَخْلُقَ بِدَوْرِها عَدَسَةً جَديدَةً عِنْدَ جيلٍ آخَر، سَرْعانَ ما تَحَوَّلَتْ لَدَى بَعْضِهِ إلى مَرْجِعِيَّةٍ تَفْسيرِيَّةٍ شامِلَة، تُقْرَأُ مِنْ خِلالِها كُلُّ التَّحَوُّلاتِ اللّاحِقَةِ كَأَنَّها امْتِدادٌ مُباشِرٌ لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ أَوِ انْحِرافٌ عَنْها.
الأزمة الحقيقية أننا نُعاني من نقص المستقبل في وعينا
اللّافِتُ أَنَّ بَعْضَ الأَجْيالِ التي تَمَرَّدَتْ على جُمودِ الأَجْيالِ السّابِقَةِ انْتَهَت، مِنْ حَيْثُ لا تَدْري، إلى الوُقوعِ في النَّمَطِ نَفْسِه. فَقَدْ رَفَضَتْ أَنْ يُفَسَّرَ حاضِرُها بِمَرْجِعِيّاتٍ تَعودُ إلى عُقودٍ مَضَت، لَكِنَّها سُرْعانَ ما صَنَعَتْ مَرْجِعِيّاتِها الخاصَّةَ، ثُمَّ راحَتْ تَنْظُرُ إلى ما بَعْدَها مِنْ خِلالِها.
وَهَكَذا انْتَقَلَ الجُمودُ مِنْ مُحْتَوًى إلى آخَر، وَمِنْ لَحْظَةٍ تاريخِيَّةٍ إلى أُخْرى، بَيْنَما بَقِيَتِ الآلِيَّةُ الذِّهْنِيَّةُ نَفْسُها على حالِها. والنَّتيجَةُ في الحالَتَيْنِ واحِدَة: تَجْميدُ الزَّمَنِ داخِلَ لَحْظَةٍ بِعَيْنِها، ثُمَّ إِعادَةُ إِنْتاجِ العالَمِ كُلِّهِ مِنْ داخِلِها. فَكَما جَرى أَحْيانًا تَفْسيرُ الحاضِرِ بِعَيْنِ 1977 أو 1917، أَصْبَحَ يُفَسَّرُ أَحْيانًا أُخْرى بِعَيْنِ 2011. تَغَيَّرَتِ المَرْجِعِيّاتُ لَكِنَّ الآلِيَّةَ الذِّهْنِيَّةَ بَقِيَتْ على حالِها.
الأَزْمَةُ الحَقيقِيَّةُ أَنَّنا لا نُعاني فَقَطْ مِنْ فَيْضِ الماضي، بَلْ مِنْ نَقْصِ المُسْتَقْبَلِ في وَعْيِنا. نُناقِشُ ما جَرى أَكْثَرَ مِمّا نَتَخَيَّلُ ما يُمْكِنُ أَنْ يَجْري، وَنَخْتَلِفُ حَوْلَ الرِّواياتِ أَكْثَرَ مِمّا نَشْتَغِلُ على الاحْتِمالات، وَنَسْتَنْزِفُ طاقَتَنا في إِعادَةِ مُحاكَمَةِ التّاريخِ بَدَلَ أَنْ نُوَجِّهَها لِفَهْمِ التَّحَوُّلاتِ القادِمَة.
وَهَكَذا تَتَحَوَّلُ السِّياسَةُ إلى حِوارٍ بَيْنَ ذِكْرَياتٍ مُتَنافِسَة، يَسْتَدْعي فيهِ كُلُّ طَرَفٍ لَحْظَتَهُ التَّأْسيسِيَّةَ الخاصَّة، بَيْنَما يَبْقى المُسْتَقْبَلُ خارِجَ دائِرَةِ الاهْتِمامِ الفِعْلِيّ. فَالعَقْلُ الذي يَعيشُ داخِلَ ذاكِرَةٍ ثابِتَةٍ يَفْقِدُ تَدْريجِيًّا مَرونَتَهُ أَمامَ واقِعٍ مُتَغَيِّر، وَيُصْبِحُ أَكْثَرَ مَيْلًا لِقِراءَةِ العالَمِ وِفْقَ ما كان، لا وِفْقَ ما هُوَ كَائِن.
وَلِهَذا، لا يَتَعَلَّقُ الخُروجُ مِنْ هَذا "الظِّلِّ الثَّقيلِ" بِقَطْعِ الصِّلَةِ بِالماضي أَوِ التَّقْليلِ مِنْ أَهَمِّيَّتِه، بَلْ بِإِعادَتِهِ إلى مَوْقِعِهِ الطَّبِيعِيّ: مَصْدَرٌ لِلْفَهْمِ لا أَداةً لِلْهَيْمَنَة، مادَّةٌ لِلتَّعَلُّمِ لا مِعْيارًا وَحيدًا لِلْحُكْم، وَتَجْرِبَةٌ تُراجَعُ لا سَرْدِيَّةٌ تُقَدَّس.
القضيّة هي كيف نستعد لتحديات الغد وكيف نمتلك القدرة على قراءة ما يتشكّل أمامنا من تحوّلات جديدة
الماضي يَحْتَلُّ مَساحَةً واسِعَةً مِنْ وَعْيِنا، بَيْنَما يَبْدو المُسْتَقْبَلُ وَكَأَنَّهُ الضَّيْفُ الغائِبُ عَنْ أَغْلَبِ نِقاشاتِنا السِّياسِيَّةِ والثَّقافِيَّة. نَتَجادَلُ حَوْلَ ما جَرى أَكْثَرَ مِمّا نَتَساءَلُ عَمّا سَيَجْري، وَنَنْشَغِلُ بِإِعادَةِ تَفْسيرِ اللَّحَظاتِ التي صَنَعَتْنا أَكْثَرَ مِمّا نُفَكِّرُ في اللَّحَظاتِ التي لَمْ تَأْتِ بَعْد.
القَضِيَّةُ لَيْسَتْ كَيْفَ نَنْتَصِرُ في مَعارِكِ الأَمْس، بَلْ كَيْفَ نَسْتَعِدُّ لِتَحَدِّياتِ الغَد. وَلَيْسَتْ كَيْفَ نَفْرِضُ رِوايَتَنا على التّاريخ، بَلْ كَيْفَ نَمْتَلِكُ القُدْرَةَ على قِراءَةِ ما يَتَشَكَّلُ أَمامَنا مِنْ تَحَوُّلاتٍ جَديدَة. فَالأُمَمُ لا تَتَقَدَّمُ لِأَنَّها تَحْفَظُ ذاكِرَتَها فَقَط، بَلْ لِأَنَّها تَمْتَلِكُ مِنَ الخَيالِ ما يَسْمَحُ لَها بِتَجاوُزِها.
لا مُشْكِلَةَ في وُجودِ الماضي بَيْنَنا، بَلْ في غِيابِ المُسْتَقْبَلِ عَنّا. وَعِنْدَما يَسْتَعيدُ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ في وَعْيِنا، عِنْدَئِذٍ فَقَطْ يَتَراجَعُ ذَلِكَ الظِّلُّ الثَّقيلُ الذي يَمُدُّهُ الماضي فَوْقَ حاضِرِنا، وَتُصْبِحُ الذّاكِرَةُ مَصْدَرًا لِلْحِكْمَةِ لا قَيْدًا على الحَرَكَة، وَيُصْبِحُ التّاريخُ طَريقًا إلى الغَدِ لا جِدارًا يَحولُ بَيْنَنا وَبَيْنَه.
(خاص "عروبة 22")

