بصمات

تَشْويهُ التُّراث!

مِنَ السِّماتِ الْبارِزَةِ التي بانَتْ بِها إِشْكالِيّاتُ الفِكْرِ العَرَبِيِّ المُعاصِر؛ سِمَةُ الاهْتِمامِ بِالتُّراث؛ لا مِنْ جِهَةِ التَّحْقيقِ أَوِ التَّعْريف؛ بَلْ مِنْ جِهَةِ المُناظَرَةِ وَالتَّقْويم، وَمُبَرِّرُ هَذا المَسْلَكِ في البَحْث، إِنَّما هُوَ تَحْميلُ هَذا التُّراثِ المَسْؤولِيَّةَ عَنْ أَسْبابِ التَّأَخُّرِ الحَضارِيِّ مِنْ حَيْثُ مَناهِجُ التَّفْكيرِ وَأَفْعالُ التَّدْبير؛ وَكانَتْ مَثْوى هَذِهِ النِّقاشات، فَضْلًا عَنْ تَحْريكِ الإِشْكالِ التُّراثِيِّ في الوَعْيِ المُعاصِر؛ الِانْتِقاصُ مِنْ قيمَتِهِ أَوْ إِجْلالُ قِطاعٍ مِنْ قِطاعاتِهِ على حِسابِ أُخْرى؛ مِثْلَما يُجِلُّ مُحَمَّد أَرْكون (1928/2010) النَّزْعَةَ الإِنْسانِيَّةَ التي عَبَّرَ عَنْها جيلُ مِسْكَوَيْهِ وَالتَّوْحيدي؛ أَوْ نِظامَ الِاسْتِدْلالِ البُرْهانِيِّ الذي رَفَعَهُ مُحَمَّد عابِد الجابِري (1935/2010) رُتْبَةَ اليَقينِ المَعْرِفِيِّ وَالمَنْهَجِيّ؛ أَوْ مِثْلَما بَحَثَ قَبْلَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَن بَدَوي (1917/2002) عَنْ نَزْعَةٍ وُجوديةٍ في التُّراثِ العَرَبِيّ.

تَشْويهُ التُّراث!

تِبْعًا لِهَذِهِ الطُّرُقِ في التَّفْكير، فَإِنَّ ساحَةَ التُّراثِ باتَتْ تُدْرَكُ لا بِاعْتِبارِها ذَخيرَةً عِلْمِيَّةً تَكونُ رُكْنًا مِنْ أَرْكانِ الاجْتِهادِ وَالتَّجْديد، بَلْ طَفِقَتْ إلى الوَعْيِ بِاعْتِبارِها ساحَةً لِلتَّباري وَالتَّنافُسِ بَيْنَ فِرَقٍ فَلْسَفِيَّةٍ تَبْحَثُ في التُّراثِ عَمّا يُماثِلُ هَذِهِ الاتِّجاهاتِ المُعاصِرَةَ مِثْل: العَقْلانِيَّةِ العِلْمِيَّةِ وَالنَّزْعَةِ الوُجوديةِ وَتَقْديسِ النَّزْعَةِ الإِنْسانِيَّةِ وَهَلُمَّ جَرًّا.

تشوّش التراث نازلة من نوازل الفكر الغربي

وَإِذْ بانَتْ فِكْرَةُ تَشَوُّشِ الوَعْيِ بِالمَسْأَلَةِ التُّراثِيَّة، فَإِنَّنا نَمْضي إلى المُفاتَشَةِ عَنْ مَنْبَتِ القَوْلِ بِهَذا التَّشَوُّش، الذي انْتَهى إلى تَشْويهِ التُّراثِ وَلَيْسَ إلى بَلْوَرَةِ طُرُقٍ مَنْهَجِيَّةٍ في كَيْفِيَّةِ تَمَثُّلِهِ أَوْ إِعادَةِ بِنائِه. وَلا بُدَّ هُنا مِنَ التَّنْبيهِ إلى أَنَّ تَشَوُّشَ التُّراثِ لَيْسَ مَسْأَلَةً نابِتَةً مِنْ داخِلِ الفِكْرِ الإِسْلامِيِّ العَرَبِيّ، وَإِنَّما هِيَ نازِلَةٌ مِنْ نَوازِلِ الفِكْرِ الغَرْبِيِّ بَدْءًا؛ سَارَ في دُروبِها جيلٌ مِنَ الكُتّابِ وَالمُفَكِّرينَ المُسْلِمينَ وَالعَرَب؛ وَبَيانُ هَذا الإِقْرارِ إِنَّما يَكونُ وِفْقًا لِما يَلي:

يُطالِعُنا مارْك ت. ميتْشيلْ (Mark Mitchell) في كِتابِهِ: حُدودُ اللّيبيرالِيَّة، التُّراث، وَالنَّزْعَةُ الفَرْدِيَّة، وَأَزْمَةُ الحُرِّيَّة[1]؛ بِأَنَّ الأَسْبابَ الفَلْسَفِيَّةَ التي قَطَعَتِ الصِّلَةَ التَّرابُطِيَّةَ مَعَ التُّراثِ أَوْ شَوَّهَتْ قيمَتَه، إِنَّما تَرْجِعُ إلى تِلْكَ الإِقْراراتِ المَعْرِفِيَّةِ التي وَضَعَ أُسُسَها كُلٌّ مِنْ: رينيه ديكارْت (1650-1596 / R. Descartes)، وَفْرانْسيس بيكون (F.Bacon / 1626-1561)، فَإِذا كانَ "بيكون" يَرْتَكِزُ في اصْطِلاحاتِهِ على: فِكْرَةِ القُوَّةِ وَالأَساس، فَإِنَّ "ديكارْت" يَرْتَكِزُ على فِكْرَةِ اليَقينِ الذّاتِيّ؛ وَكِلاهُما دَرْبانِ مَنْهَجِيَّانِ يَقودانِ إلى خُلاصَةٍ مُوَحَّدَةٍ هِيَ: لا سُلْطَةَ لِلتُّراثِ على العَقْلِ الإِنْسانِيّ، لِأَنَّ "بيكون" قَدْ طَوَّرَ نِظامَهُ انْطِلاقًا مِنْ وَضْعِ أَساسٍ جَديدٍ لِلْمَعْرِفَة، يَبْدَأُ بِالشَّكِّ الكُلِّيِّ في مَبادِئِ التَّفْكيرِ المَوْروثَة، بِخاصَّةٍ الأَرِسْطِيَّةِ الصّورِيَّة، وَيَضَعُ مُطْلَقَ ثِقَتِهِ في الاسْتِقْراءِ العِلْمِيّ؛ بِوَصْفِهِ مَصْدَرَ المَعْرِفَةِ اليَقينِيَّة، وَبِما أَنَّ "بيكون" يَعْتَبِرُ أَنَّ المَعْرِفَةَ قُوَّة، فَإِنَّ ثَمَراتِ العِلْمِ المُحَصَّلَةِ مِنْ طَريقِ الاسْتِقْراء، هِيَ قُوَّةٌ تَبْتَغي أَنْ تَسودَ وَتَمْلِك؛ فَالْأَساسُ الاسْتِقْرائِيُّ لِلْمَعْرِفَةِ وَالقُوَّةُ مُتَرادِفانِ عِنْدَه.

أَمّا "ديكارْت، فَقَدْ كانَتْ ثَوْرَةُ الشَّكِّ في فَلْسَفَتِهِ هِيَ نُقْطَةَ الارْتِكاز، وَكانَ أَساسُ اليَقينِ هُوَ التَّفْكير، الذي تُنْتِجُهُ الذّاتُ بِمَعْزِلٍ عَنْ تُراثِ الجَماعَةِ أَوْ تَعاليمِ السَّلَف؛ فَالإِطاحَةُ بِكَراسِيِّ المُعَلِّمينَ وَالصُّدودُ الجَذْرِيُّ عَنِ النِّظامِ المَعْرِفِيِّ الأَرِسْطِيّ؛ قَدْ أَوْصَلَتِ الذّاتَ الحَديثَةَ إلى القَطْعِ مَعَ التُّراث. فَمَعَ "بيكون"، المَطْلَبُ إِنَّما هُوَ تَجْديدُ الأَساس، وَإِرادَةُ القُوَّةِ بِالمَعْرِفَة، وَلَيْسَ الوَفاءُ لِأَساساتِ الأَسْلاف، أَوِ المَعْرِفَةُ المِثالِيَّة، وَمَعَ "ديكارْت" فَإِنَّ الحَقيقَةَ وَاليَقينَ مَقولَتانِ مِنْ تَوْليدِ الذّاتِ المُفَكِّرَة، التي تَبْدَأُ بِالبَديهِيّاتِ العَقْلِيَّة، ثُمَّ التَّحْليلِ وَالتَّرْكيبِ وَفي آخِرِ المَنْهَجِ الإِحْصاء؛ وَدَوْمًا بِحَسَبِ مارْك ميتْشيلْ، فَإِنَّ مُحَدِّداتِ الخَطِّ الذي جاءَ بِهِ "بيكون" وَ"ديكارْت" هِيَ: الفَرْدِيَّةُ وَالتَّجَدُّدُ وَالشَّكُّ في الحُدود، وَالعَداءُ العامُّ لِلتُّراث.

الخطأ هو أقرب طريق إلى الحقّ من الغموض

إِنَّ هَذِهِ السِّماتِ الفَلْسَفِيَّة، هِيَ التي أَخَذَها المُهْتَمّونَ بِالمَسائِلِ التُّراثِيَّةِ في الفِكْرِ العَرَبِيِّ بِخاصَّةٍ المُعاصِرِ مِنْه، وَأَنْزَلوها على مَفاهيمِهِ وَحَقائِقِه، وَمَعَ هَؤُلاءِ فَإِنَّ كَلِمات: الشَّكِّ الدّيكارْتِيِّ وَأَدَواتِ الإِبِسْتِمولوجْيا المُعاصِرَةِ وَمَعاجِمِ العُلومِ الإِنْسانِيَّةِ هِيَ الوَسائِلُ الحاسِمَة، ضِمْنَ إِرادَةِ تَجْديدِ التَّفْكيرِ وَإِرْسائِهِ على مَبادِئَ مُماثِلَة، وَمِنْ نَتائِجِ هَذا الِاسْتِعْمال:

- تَقْطيعُ التُّراثِ الإِسْلامِيِّ العَرَبِيِّ إلى وَحَداتٍ عِلْمِيَّةٍ مُتَفاضِلَةٍ مِنْ حَيْثُ القيمَةِ (البُرْهانُ أَسْمى مِنَ البَيانِ وَابْنُ رُشْدٍ أَفْضَلُ مِنَ الغَزالِيِّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ أَصْلُ العُنْفِ...) وَنِسْبَةُ جُزْءٍ مِنْ مُشْكِلاتِ الواقِعِ الفِكْرِيِّ إلى شَخْصِيّاتٍ تُراثِيَّةٍ مِثْل: مَسْؤولِيَّةِ أَبو حامِدٍ الغَزالِيِّ عَنْ تَدْميرِ الفَلْسَفَةِ أَوْ مَسْؤولِيَّةِ ابْنِ سينا عَنْ تَدْميرِ الوَعْيِ وَالِانْتِصارِ لِلْقَوْلِ الصّوفِيِّ وَهَلُمَّ جَرًّا.

- تَفْسيرُ المَعارِفِ التُّراثِيَّةِ وَخُصوصِيَّتِها؛ انْطِلاقًا مِنَ النِّزاعاتِ السِّيَاسِيَّة، حَيْثُ باتَتْ أَنْساقُ المَذاهِبِ الفِقْهِيَّةِ وَالكَلامِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةِ تَجَلٍّ لِهَذِهِ النِّزاعاتِ السِّيَاسِيَّةِ اللّامَعْقولَة، وَذَلِكَ تَمْهيدًا لِصَرْفِ القَوْلِ إلى أَنَّ مَعارِفَ التُّراثِ هِيَ بِدَوْرِها لامَعْقولَةٌ أَيْضًا.

- تَهْويلُ العِبارَةِ المَعْرِفِيَّةِ المُعاصِرَة، وَتَهْوينُ العِبارَةِ التُّراثِيَّة؛ فَالمَجالُ الذِّهْنِيُّ وَالصِّيَغُ النَّمَطِيَّةُ وَعِلْمُ النَّفْسِ التّاريخِيُّ وَرَواسِبُ الميتافيزيقا الكْلاسيكِيَّة؛ تُحاصِرُ الْباحِثَ حَتَّى تُنْسِيَهُ مَوْضوعَ التُّراثِ وَقِيمَتَهُ وَأَعْلامَه، فَيَجِدُ نَفْسَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا ضِمْنَ نِظامٍ مَعْرِفِيٍّ غَريبٍ عَنْ ذاتِهِ التُّراثِيَّة: انْتِماءً وَتَفْعيلًا.

لَقَدْ دَفَعَتْ هَذِهِ المُنْطَلَقاتُ إلى تَشْويهِ التُّراث، فَلا هِيَ قَطَعَتْ مَعَهُ جَذْرِيًّا كَما هُوَ الشَّأْنُ مَعَ "ديكارْت" وَ"بيكون"، وَلا هِيَ اقْتَدَرَتْ على فَهْمِ مَقاصِدِهِ أَوْ إِمْكانِيَّةِ بَثِّ الحَياةِ فيه؛ بَلْ أَحاطَتْهُ بِالغُموضِ وَالتَّشْويش، وَمَعْلومٌ أَنَّ الخَطَأَ هُوَ أَقْرَبُ طَريقٍ إلى الحَقِّ مِنَ الغُموض.



 [1] صَدَرَتْ تَرْجَمَتُه، عَنِ الْمَرْكَزِ الْعَرَبِيِّ لِلأَبْحَاثِ وَدِرَاسَةِ السِّيَاسَات، 2024.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن