هَذا التَّسْليمُ الأَكاديمِيُّ والسِّياسِيُّ بِعَوْدَةِ عَصْرِ المَدافِعِ لا يَنْبَغي أَنْ يَقودَ العَقْلَ العَرَبِيَّ إلى اسْتِنْتاجٍ مُبْتَسَرٍ أَوْ مُخِلّ، يَفْتَرِضُ أَنَّ مُجَرَّدَ تَكْديسِ العَتادِ العَسْكَرِيِّ يَكْفي بِمُفْرَدِهِ لِضَمانِ البَقاءِ أَوْ تَحْقيقِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ الفَرْدِيِّ أَوِ الإِقْليمِيّ. فالمَأْزِقُ الحَقيقِيُّ الذي يُواجِهُ الإِقْليمَ اليَوْمَ لا يَنْبَعُ مِنْ نَقْصٍ في القُدُراتِ المادِّيَّةِ أَوْ شُحٍّ في أَدَواتِ القُوَّةِ الصَّلبَة، بَل يَنْبَعُ بِشَكْلٍ أَساسِيٍّ مِنْ غِيابِ الحاضِنَةِ الثَّقافِيَّةِ والمُؤَسَّسِيَّةِ التي تُوَجِّهُ هَذِهِ القُوَّة، وَتَضْبِطُ إِيقاعَها، وَتَمْنَعُ تَحَوُّلَها إلى أَداةِ اسْتِنْزافٍ تُرْهِقُ المَوارِدَ الوَطَنِيَّةَ في صِراعاتٍ بَيْنِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لا طائِلَ مِنْها.
الأمن الإقليمي المستدام لا يوضَع في قوالب مادية جافة
هُنا تَتَجَلّى الأَهَمِّيَّةُ القُصْوى لِإِحْداثِ تَزاوُجٍ مَنْهَجِيٍّ بَيْنَ نَظَرِيّاتِ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، التي تُرَكِّزُ على تَوازُنِ القُوى وَطَبيعَةِ النِّظامِ العالَمِيّ، وَبَيْنَ حَقْلِ دِراساتِ المَناطِق، الذي يَغوصُ في العُمْقِ الثَّقافِيِّ والِاجْتِماعِيِّ والتّاريخِيِّ لِكُلِّ إِقْليمٍ على حِدَة. إِنَّنا في الغالِبِ نَقْرَأُ المُعْضِلَةَ الأَمْنِيَّةَ في مِنْطَقَتِنا عَبْرَ عَدَساتٍ اسْتُورِدَتْ بِالكامِلِ مِنَ المَدارِسِ الواقِعِيَّةِ الكْلاسيكِيَّة، وَهِيَ قِراءَةٌ تَخْتَزِلُ الأَمْنَ في سِباقاتِ التَّسَلُّحِ المُفْرِطَةِ والبَحْثِ الدَّؤوبِ عَنْ تَحالُفاتٍ وَمِظَلّاتِ حِمايَةٍ خارِجِيَّةٍ مِنَ القُوى المُهَيْمِنَة. هَذا التَّسْطيحُ يَتَعَمَّدُ إِغْفالَ مُتَغَيِّرٍ حاكِم؛ وَهُوَ أَنَّ الأَمْنَ الإِقْليمِيَّ المُسْتَدامَ لا يوضَعُ في قَوالِبَ مادِّيَّةٍ جافَّة، بَل يَتَأَسَّسُ أَوَّلًا في طَبيعَةِ الثَّقافَةِ المُجْتَمَعِيَّةِ التي تُحَدِّدُ كَيْفِيَّةَ تَفاعُلِ الدُّوَلِ مَعَ مُحيطِها الإِقْليمِيّ. مِنْ دونِ هَذا العُمْقِ الثَّقافِيِّ الذي يَسْتَوْعِبُ الِاخْتِلافَ وَيُديرُهُ بِعَقْلانِيَّة، تُصْبِحُ القُوَّةُ الخَشِنَةُ مُجَرَّدَ عِبْءٍ يُثْقِلُ كاهِلَ الدَّوْلَة، وَتَتَحَوَّلُ مِنْ دِرْعٍ تَحْمي الأَوْطانَ إلى أَداةٍ قَدْ تُسَرِّعُ مِنْ وَتيرَةِ التَّآكُلِ الدّاخِلِيِّ وَتُعَمِّقُ مِنَ الِانْقِساماتِ المُجْتَمَعِيَّةِ والسِّياسِيَّة.
لِتَفْكيكِ هَذِهِ الإِشْكالِيَّة، مِنَ المُفيدِ جِدًّا الِانْفِتاحُ الأَكاديمِيُّ والمَوْضوعِيُّ على خِبْراتِ أَقاليمَ أُخْرى نَجَحَتْ في إِدارَةِ تَناقُضاتِها الصَّعْبَةِ على الرَّغْمِ مِنِ امْتِلاكِها قُدُراتٍ عَسْكَرِيَّةً ضَخْمَة. يُقَدِّمُ إِقْليمُ شَرْقِ آسْيا، وَتَحْديدًا في مِنْطَقَةِ المُحيطِ الهادِئِ (الباسيفيكِيّ)، نَموذَجًا بالِغَ الثَّراءِ مِنْ خِلالِ تَجْرِبَةِ رابِطَةِ دُوَلِ جَنوبِ شَرْقِ آسْيا (آسيان) والتَّرْتيباتِ الأَمْنِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ المُواكِبَةِ لَها، مِثْلَ المُنْتَدى الإِقْليمِيِّ لِلآسِيان. نَحْنُ نَقِفُ أَمامَ مِنْطَقَةٍ تَعِجُّ بِالنِّزاعاتِ السِّيادِيَّةِ المُعَقَّدَةِ على المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ والجُزُرِ الِاسْتْراتيجِيَّة، وَتَحْمِلُ إِرْثًا ثَقيلًا مِنَ المَظالِمِ التّاريخِيَّةِ والدِّماءِ بَيْنَ دُوَلٍ فاعِلَةٍ وَمُؤَثِّرَةٍ وَذاتِ ثِقْلٍ عَسْكَرِيٍّ كَبيرٍ كالصّينِ واليابانِ والكورِيَّتَيْن.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ المُحَفِّزَاتِ القَوِيَّةِ التي تُنْذِرُ بِانْفِجارٍ عَسْكَرِيٍّ شامِلٍ في أَيِّ لَحْظَة، اسْتَطاعَتِ النُّخَبُ الآسِيَوِيَّةُ أَنْ تُطَوِّرَ نَهْجًا تَفاوُضِيًّا وَثَقافِيًّا فَريدًا يُعْرَفُ بِطَريقَةِ "آسيان". يَعْتَمِدُ هَذا النَّهْجُ الِاسْتِثْنائِيُّ على بْراغْماتِيَّةٍ شَديدَةِ الدِّقَّةِ لِضَبْطِ التَّفاعُلاتِ الأَمْنِيَّةِ والسِّياسِيَّة، وَهُوَ نِظامٌ مَرِنٌ لا يَطْمَحُ إلى تَصْفِيَةِ الخِلافاتِ تَصْفِيَةً نِهائِيَّةً وَسَريعَة، بَل يَعْتَمِدُ بِقُوَّةٍ على مَبْدَأ التَّجْزِئَةِ الوَظيفِيَّةِ لِلصِّراعِ وَإِدارَةِ الأَزماتِ عَبْرَ قَنَواتٍ خَلْفِيَّةٍ هادِئَة.
التداخل العميق في المصالح الاقتصادية يجعل من الانزلاق نحو الحرب بمثابة دمار لجميع الأطراف
هَكَذا، يَتِمُّ حَصْرُ الخِلافِ السِّياسِيِّ أَوِ التَّوَتُّرِ الحُدودِيِّ في مَسارٍ ضَيِّقٍ وَمُحْكَمٍ يَخْضَعُ لِآلِيّاتِ تَشاوُرٍ مُسْتَدامَةٍ تَتَجَنَّبُ التَّصْريحاتِ العَدائِيَّةَ العَلَنِيَّة، بَيْنَما تُتْرَكُ المَساراتُ الأُخْرى مَفْتوحَةً تَمامًا وَذَلِكَ لِضَمانِ اسْتِمْرارِ الِانْدِماجِ الِاقْتِصادِيّ، وَتَعْزيزِ التَّبادُلِ التِّجارِيّ، والتَّطْويرِ التِّكْنولوجِيِّ المُشْتَرَك. هَذِهِ البْراغْماتِيَّةُ المُتَأَصِّلَةُ في الثَّقافَةِ السِّياسِيَّةِ لِدُوَلِ "آسِيانِ" وَمُحيطِها الباسيفيكِيّ، تَخْلُقُ حالَةً مِنَ التَّوازُنِ الرَّدْعِيِّ الذي يَتَجاوَزُ مُجَرَّدَ التَّلويحِ بِالقُوَّةِ العَسْكَرِيَّة. الجُيوشُ هُناكَ حاضِرَةٌ بِقُوَّةٍ في المَشْهَد، وَتَمْتَلِكُ أَحْدَثَ التَّرساناتِ العَسْكَرِيَّةِ لِضَمانِ الرَّدْعِ الفَعّال (وَهُوَ ما يُؤَكِّدُ حَتْمِيَّةَ القُوَّةِ الخَشِنَة)، لَكِنَّ صُنّاعَ القَرارِ يُدْرِكونَ تَمامًا أَنَّ التَّداخُلَ العَميقَ في المَصالِحِ الِاقْتِصادِيَّةِ وَخُطوطِ الإِمْدادِ يَجْعَلُ مِنَ الِانْزِلاقِ نَحْوَ الحَرْبِ الشامِلَةِ بِمَثَابَةِ دَمارٍ مُتَبادَلٍ لِجَميعِ الأَطْراف، وَهُوَ ما يوصَفُ في أَدَبِيّاتِ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ بِالِاعْتِمادِ المُتَبادَلِ المُعَقَّد.
في المُقابِل، وَبِإِسْقاطِ هَذا التَّحْليلِ المُقارَنِ على تَفاعُلاتِ المَشْهَدِ العَرَبِيّ، نَجِدُ أَنْفُسَنا مُقَيَّدينَ بِثَقافَةٍ سِّياسِيَّةٍ تَميلُ تاريخِيًّا إلى تَبَنّي مَواقِفَ صِفْرِيَّةٍ حادَّةٍ لا تَقْبَلُ المُساوَمَة. في مِنْطَقَتِنا، يَكْفي أَنْ يَطْفُوَ خِلافٌ سِياسِيٌّ طارِئٌ أَوْ تَتَبايَنَ الرُّؤى حَوْلَ مَلَفٍّ إِقْليمِيٍّ مُحَدَّدٍ بَيْنَ دَوْلَتَيْن، حَتّى تَنْهارَ كُلُّ جُسورِ التَّواصُلِ دَفْعَةً واحِدَةً وَبِشَكْلٍ تَراجيدِيّ. تَتَمَدَّدُ شَظايا الخِلافِ بِسُرْعَةٍ مُذْهِلَةٍ لِتَشْمَلَ قَطْعَ العَلاقاتِ الدّيبْلوماسِيَّة، وَوَقْفَ التَّبادُلِ التِّجارِيِّ بِالكامِل، وَإِغْلاقَ الحُدودِ البَرِّيَّةِ والجَوِّيَّة، واسْتِدْعاءَ لُغَةِ التَّخْوينِ والتَّحْريضِ التي تُسَمِّمُ الوَعْيَ العامَّ وَتُمَزِّقُ النَّسيجَ المُجْتَمَعِيَّ العابِرَ لِلحُدود.
ينبغي الجمع بين تحديث القدرات الذاتية للدول وبين هندسة مساحات اقتصادية وسياسية مشتركة
فَمِنْ أَجْلِ اسْتِشْرافِ مُسْتَقْبَلٍ آمِنٍ وَمُسْتَقِرٍّ لِلمِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ في العُقُودِ القادِمَة، لا بُدَّ مِنْ إجراءِ مُراجَعَةٍ نَقْدِيَّةٍ وَشامِلَةٍ لِنَظْرَتِنا إلى مَفْهومِ الأَمْنِ الإِقْليمِيِّ وَأساليبِ إِدارَتِه. الهَدَفُ هُنا لا يَكْمُنُ إِطْلاقًا في التَّنْظيرِ لِلتَّخَلّي عَنِ القُوَّةِ الخَشِنَةِ أَوْ تَهْميشِ دَوْرِها المِحْوَرِيّ، وَلَكِنْ في بَلْوَرَةِ ثَقافَةٍ اسْتْراتيجِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ جَديدَةٍ تَصْنَعُ إِطارًا عَقْلانِيًّا وَمُوَجِّهًا لِهَذِهِ القُوَّةِ الضّارِبَة. نَحْنُ بِحاجَةٍ ماسَّةٍ إلى تَرْسيخِ إِدْراكٍ إِقْليمِيٍّ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ الِاخْتِلافَ في التَّوَجُّهاتِ السِّياسِيَّةِ هُوَ أَمْرٌ طَبيعِيٌّ وَمُلازِمٌ لِتَفاعُلاتِ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، وَأَنَّ اسْتِقْرارَ دُوَلِ الجِوارِ وَتَماسُكَ مُؤَسَّساتِها يُمَثِّلُ مَصْلَحَةً وَطَنِيَّةً عُلْيا لِكُلِّ دَوْلَةٍ ضِمْنَ الإِقْليم.
إِنَّ صِياغَةَ هَذا التَّوَجُّهِ تَسْتَلْزِمُ جُهْدًا مُتَوازِيًا يَجْمَعُ بَيْنَ الِاسْتِمْرارِ في تَحْديثِ القُدُراتِ الذّاتِيَّةِ لِلدُّوَل، وَبَيْنَ هَنْدَسَةِ مساحاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَسِّياسِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ وَمُسْتَقِرَّة، على غِرارِ نَجاحاتِ تَجْرِبَةِ "آسِيان"، نَحْمي فيها مَصالِحَنا الحَيَوِيَّةَ وَمَشاريعَنا التَّنْمَوِيَّةَ مِنْ تَقَلُّباتِ الأَمْزِجَةِ السِّياسِيَّة. بِهَذا التَّوازُنِ الدَّقيقِ بَيْنَ صَرامَةِ مُعْطَياتِ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَعُمْقِ التَّحْليلِ الثَّقافِيِّ في دِراساتِ المَناطِق، يُمْكِنُنا فَقَطْ تَحْويلُ القُوَّةِ الخَشِنَةِ مِنْ أَداةِ اسْتِنْزافٍ مُتَبادَلٍ وَخَطَرٍ داهِم، إلى دِرْعٍ رَصينَةٍ تَحْرُسُ نَهْضَةً إِقْليمِيَّةً تَعْتَمِدُ على العَقْلِ والبْراغْماتِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

