صحافة

لبنان وعودة الدولة إلى دورها الطبيعي

ناصيف حتي

المشاركة
لبنان وعودة الدولة إلى دورها الطبيعي

إطلاق صواريخ من جنوب لبنان، وقيل تحديداً من شمال نهر الليطاني، أو المنطقة التي ما زالت خارج سيطرة الجيش اللبناني، والتي تُشكل السيطرةُ عليها المرحلة الثانية والمقبلة في الخطة التدريجية لحصرية السلاح بيدِ السلطات اللبنانية، عدَّه البعض بمثابة "تسجيل موقف" أو "إنقاذ ماء الوجه"، لأسباب عقائدية ومعنوية واستراتيجية تعكس طبيعة العلاقة التي تربط "حزب الله" بإيران، دون الذهاب نحو التورط في حرب مفتوحة مع إسرائيل ستكون كارثية بالنسبة للبنان.

لكن ذلك لا يمنع من أن يتحول هذا الأمر، لأسباب متعددة، إلى الانزلاق نحو حرب جديدة مختلفة لا يمكن ضبط إيقاعها (من حيث حجمها القتالي ومداها الجغرافي وكثافتها النارية وأهدافها)، وبالتالي مفتوحة مع إسرائيل ومدمِّرة للبنان. حرب تريدها إسرائيل، رغم أنها ليست بحاجة لحجةٍ للاستمرار في حربها، حرب الاستنزاف، التي لم تتوقف رغم اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي تم التوصل إليه في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. الحرب الإسرائيلية، التي بدأت أخيراً وتشهد تصعيداً في مختلف أبعادها، تندرج في إطار الحرب مع إيران لإحداث ما تَعدُّه تل أبيب تغييراً أساسياً واستراتيجياً في ميزان القوى مع طهران، ومعها حلفاؤها، خاصة في لبنان (من حيث الوزن والدور ذوي الأبعاد المختلفة للحليف)، ولأهمية الموقع الجيواستراتيجي للبنان.

وللتذكير، فإن لبنان، منذ توقيعه اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1969، التي جعلت من لبنان "هانوي" للثورة الفلسطينية، تحوّل إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل بين القوى الرئيسة في الإقليم ومسرح للمواجهة بالوكالة بين هذه القوى. وبالطبع، تبقى المسؤولية لبنانية بالأساس في هذا المجال، ولو تغيّر اللاعبون وعناوين "اللعبة". لقد حان الوقت ليعود مفهوم الدولة ليحكم وينظم الحياة الوطنية، وبالتالي يعود منطق الدولة الذي تعبر عنه المؤسسات الرسمية المعنية ليكون مسؤولاً وحيداً، عبر هذه الموسسات، عن قرار الحرب والسلم وعن الأعمال العسكرية والأمنية: هذا هو المعيار الأساسي لتعزيز وتثبيت مفهوم السيادة الوطنية. السيادة الوطنية مفهوم مطلق وليس نسبياً أو انتقائياً تتشارك فيه الدولة مع أطراف أخرى.

في هذا السياق، يأتي قرار مجلس الوزراء، يوم الثاني من مارس (آذار)، في مناخٍ يحمل مخاطر قوية للانزلاق في حربٍ تهدد لبنان مجتمعاً ودولة، ليؤكد الرفض المطلق من قِبل الدولة لأي أعمال عسكرية وأمنية تتناقض "مع حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية وحدها دون سواها"، وكذلك ليؤكد "رفض زجّ لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة". قرار يحظى بدعم واسع ومتزايد في المجتمع اللبناني في خِضم المخاطر المحيطة بلبنان وفي ظل التطورات الإقليمية الحاصلة، وكذلك تفاقم التحديات الداخلية المختلفة والمكلِّفة؛ من اقتصادية وسياسية وغيرهما.

ومن نافل القول إن تنفيذ القرار، بشأن حصرية السلاح، في مختلف أوجهه ومراحله وبشكل تدريجي (كما هو واضح) وحازم، ليس بالأمر السهل، وأمامه كثير من العوائق، ولكنه ليس بالمستحيل إذا ما توفرت القناعة والإرادة بأنه أمر أكثر من أساسي وضروري للمُضي في عملية الإنقاذ الوطني. الأمر الذي يستدعي استعادة الدولة دورها الطبيعي، وبشكل خاص في كل ما هو شأن سيادي، والانخراط أيضاً في مسار إصلاحي متعدد الأوجه والأبعاد لا يمكن النجاح فيه، إذا لم تكن هنالك دولة مؤسسات تقوم على المساءلة والحوكمة الرشيدة.

(الشرق الأوسط)

يتم التصفح الآن