صحافة

"المشهد اليوم".. تَمديدُ "هدنَةِ لُبنان" والرياض على خَطِّ "مَساعي التفاوُض"!ترامب يَرفَعُ سَقفَ المُواجَهةِ في هُرمُز وخَامِنئي "خاضِعٌ لِلحَرَسِ الثَّوْرِي".. والجرائمُ الإسرائيليّةُ تَتَواصَلُ في غَزَّة والضِّفة


الرئيس ترامب خلال مشاركته في الجولة الثانية من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيليّة في واشنطن وإعلانه تمديد وقف إطلاق النار (أ ف ب)

تتسارعُ وتيرةُ التطوّراتِ على أكثرَ من صعيدٍ وجبهةٍ، لكنّ أبرزَها كان أمسِ الخميسِ في لبنانَ، مع دخولِ الرئيسِ الأميركي دونالد ترامب بكاملِ ثقلِهِ في المفاوضاتِ الجاريةِ بين لبنانَ وإسرائيلَ. ويؤكدُ هذا الأمرُ حجمَ الأهميّةِ المُعطاةِ للساحةِ اللبنانيّةِ، والمحاولاتِ الدؤوبةِ للحدِّ من النفوذِ الإيرانيِّ. في المقابلِ، يبرزُ رفضُ لبنانَ الوقوعَ في "الفخِ" الإسرائيليّ، الذي يهدفُ إلى جرِّ لبنانَ نحوَ مفاوضاتِ سلامٍ وإبرامِ اتفاقٍ في هذا الإطار. وهو أمرٌ لا يبدو قابلًا للتحققِ في الظروفِ الراهنةِ، خصوصًا أنّ لبنانَ يلتزمُ بمبادرةِ السلامِ العربيّةِ القائمةِ على حلِّ الدولتين. ومع المساعي الأميركيّةِ التي خَطَفَتِ الأنظارَ، برزَت الزيارةُ السعوديّةُ، التي تعكسُ دخولَ الرياضَ أيضًا بكاملِ ثقلِها للحفاظِ على "الستاتيكو" القائمِ، ولمنعِ انزلاقِ البلادِ نحوَ أتونِ الفوضى والاقتتالِ الداخلي، لا سيّما أنّها تُعيدُ ترتيبَ أوراقِهَا في المنطقةِ انطلاقًا من دمشق، التي لن تكون بيروتُ بعيدةً عنها.

وفي التفاصيلِ، نجحَ لبنانُ في انتزاعِ تمديدٍ جديدٍ لوقفِ إطلاقِ النارِ، بعدما أعلَنَ الرئيسُ الأميركيّ دونالد ترامب هدنةً لمدّةِ ثلاثةِ أسابيعَ، بالتزامنِ مع انطلاقِ الجولةِ الثانيةِ من المباحثاتِ المباشرةِ بين لبنانَ وإسرائيلَ في البيتِ الأبيضِ، التي جرَتْ بمشاركةِ سفيرَي البلدينِ لدى الولاياتِ المتحدة. وحصلَ دخولُ ترامب على خطِّ المفاوضاتِ وإعلانُه المشاركةَ في جزءٍ من اللقاءاتِ على أهميّةٍ استثنائيّةٍ، إذ عكسَ جدّيةَ التعاطي مع هذا الملفِ الذي يحتاجُ إلى حسمٍ وعلاجٍ سريعٍ، في ظلِّ ما يجرِي ميدانيًا من قضمٍ إسرائيليٍّ ممنهجٍ للأراضِي جنوبَ البلادِ، وتدميرِهَا بالكاملِ، وتحويلِهَا إلى مناطقَ غيرِ صالحةٍ للحياةِ. وعبّرَ الرئيسُ الأميركيُّ عن تطلّعاتِه إلى اجتماعٍ مقبلٍ مع الرئيسِ اللبنانيّ جوزاف عون ورئيسِ الوزراءِ الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، لافتًا إلى أنّهما سيزورانِ واشنطنَ خلالَ فترةِ وقفِ إطلاقِ النارِ المُمدّدَةِ، ومؤكّدًا أنَّ الولاياتِ المتحدةَ ستدعمُ لبنانَ مباشرةً لتمكينِهِ من "حمايةِ نفسِه من حزبِ الله". إلا أنَّ هذا اللقاءَ يُستبعدُ حصولُه نظرًا إلى التركيبةِ الداخليّةِ اللبنانيّةِ، واستمرارِ تلّ أبيب في خروقاتِها وتعميقِ احتلالِهَا. في المقابلِ، يُعوَّلُ كثيرًا على الحراكِ العربيّ، وتحديدًا الذي تقودُهُ المملكةُ العربيّةُ السعوديّةُ، الذي تجَلّى في زياراتِ مسؤولينَ لبنانيينَ إلى الرياضِ في وقتٍ سابقٍ، والاتصالِ الهاتفيِّ بين وليّ العهدِ الأميرِ محمد بن سلمان والرئيسِ جوزاف عون، وصولًا إلى زيارةِ الموفدِ السعوديّ يزيد بن فرحان إلى بيروتَ، حيثُ عَقدَ لقاءاتٍ مع الرؤساءِ الثلاثةِ، تركّزَت بشكلٍ أساسيٍّ على حمايةِ لبنانَ وتطبيقِ اتفاقِ الطائفِ كاملًا من دونِ أيِّ انتقاصٍ.

هذا ولا يمكنُ فصلُ هذا الحراكِ عن المطامعِ الإسرائيليّةِ الساعيةِ إلى فرضِ منطقةٍ عازلةٍ واحتلالِ نحو 6% من الأراضي، بالتوازي مع التدميرِ الممنهجِ للقرَى والبلداتِ الجنوبيّةِ، وهو مطلبٌ حملَهُ لبنانُ إلى مفاوضاتِ واشنطنَ، نظرًا لما يسبّبُهُ من تعميقٍ للتصدِّعِ الداخلي وزيادةِ مخاطرِ التهجيرِ والأزمةِ الإنسانيّةِ. وتسابقُ تلّ أبيب المباحثاتِ بفرضِ أمرٍ واقعٍ ميدانيٍّ، إذ نفّذَت سلسلةَ عملياتٍ عسكريّةٍ طالَت بلداتٍ عدّة، من بينها بيت ليف وحانين وميس الجبل والخيام، حيث سُمعَت انفجاراتٌ عنيفةٌ، وتعرّضَت منازلُ للنسفِ والإحراقِ، بالتوازي مع قصفٍ مدفعيٍّ طالَ وادي الحجير ووادي السلوقي والقنطرة. ولم تعدْ هذه العملياتُ تقتصرُ على الضرباتِ عن بُعدٍ، بل باتَت تعكسُ انتقالًا إلى تدميرِ البيئةِ العمرانيّةِ، ومحاولةِ فرضِ واقعٍ ديموغرافيٍّ وأمنيٍّ جديدٍ. كما توسّعَت التحذيراتُ الإسرائيليّةُ، عبر دعوةِ سكّانِ عشراتِ القرَى إلى عدمِ العودةِ إليها أو التحرّكِ جنوبَ خطوطٍ محدّدةٍ، في ما يُشبهُ فرضَ "حزامٍ أمنيٍّ بالنارِ". في المقابلِ، نقلَتْ صحيفةُ "هآرتس" عن جنودٍ إسرائيليينَ تأكيدَهُمْ أنَّ عملياتِ النهبِ وسرقةِ ممتلكاتِ المدنيينَ تحوّلَتْ إلى "ظاهرةٍ روتينيّةٍ"، مع تفريغِ المنازلِ من محتوياتِها من دونِ أيِّ محاسبةٍ، ما يزيدُ من حدّةِ الغضبِ الشعبيِّ. يحدثُ ذلكَ وسطَ تأكيدِ "حزبِ الله" رفضَهُ العودةَ إلى مفاعيلِ الاتفاقِ السابقِ الذي كانَتْ تلّ أبيب تخرقُهُ يوميًا، ويشدّدُ على ضرورةِ التزامِ الطرفين بهِ، مع التلويحِ بالردِّ في ظلِّ استمرارِ الاعتداءاتِ. وأعلَنَ الحزبُ، في ثلاثةِ بياناتٍ متتاليةٍ، استهدافَ تجمعاتٍ لجنودٍ إسرائيليينَ في بلدةِ الطيبة، وإسقاطَ مسيّرةِ استطلاعٍ في مجدل زون، ردًا على "استباحةِ الأجواءِ اللبنانيةِ".

وتتزامنُ هذه المعطياتُ مع ما يجرِي في إيرانَ، والضبابيّةِ التي تحومُ حولَ المفاوضاتِ التي ترعاهَا باكستانُ، في ظلِّ التعقيداتِ المرافقةِ والشروطِ التي تَحولُ دونَ تحقيقِ أيِّ تقدّمٍ ملموسٍ في تقريبِ وجهاتِ النظرِ. وتتزايدُ المخاوفُ ممّا يجري في مضيقِ هُرمزَ، الذي باتَ "رُقعةَ شطرنجٍ جيوسياسيّة"، تدورُ حولَهُ معظمُ أحاديثِ الحربِ، إذ حوّلَتْهُ طهرانُ إلى ورقةٍ تفاوضيّةٍ. وفي جديدِ الأحداثِ، لا تزالُ أكثرَ من 800 سفينةٍ عالقةً في هذا المضيقِ الاستراتيجيّ، الذي باتَ يعانِي من تحكّمٍ إيرانيٍّ وضغطٍ أميركيٍّ. وفي المقابلِ، يواصلُ دونالد ترامب تأكيدَهُ أنّ قواتِهِ تسيطرُ بشكلٍ كاملٍ على هُرمزَ، وأنّه ماضٍ في سياسةِ تضييقِ الخناقِ على طهرانَ، وأنّه يملكُ الوقتَ الكافيَ لذلك، وغيرَ "مستعجلٍ" لإنهاءِ الحربِ. وأشارَ إلى أنَّهُ أصدرَ أوامرَهُ إلى البحريّةِ الأميركيّةِ بإطلاقِ النارِ على أيِّ قاربٍ يزرعُ الألغامَ في المضيقِ، وأن تُضاعِفَ كاسحاتُ الألغامِ جهودَها ثلاثَ مرّاتٍ لإزالةِ الألغامِ المزروعةِ. من جهتِهَا، أكّدَت وزارةُ الحربِ الأميركيّةِ أنّ قواتَها اعتلَت، أمس، متنَ سفينةٍ في المحيطِ الهنديِّ خاضعةٍ للعقوباتِ، كانت تنقل نفطًا من إيران، مشدّدةً على أنّه "لا يمكنُ للجهاتِ الخاضعةِ للعقوباتِ استخدامَ المياهِ الدوليّةِ للتهرّبِ". في المقابلِ، يتكبّدُ النظامُ الإيرانيُّ خسائرَ كبيرةً، إلّا أنّه يُفضّلُ اعتمادَ سياسةِ "الصبرِ" و"حياكةِ السجّادِ" إلى حينِ تبلورِ المعطياتِ. ومن هنا، يسعَى إلى الحصولِ على "مكاسب" عبر المباحثات، ويطالب أوّلًا برفع الحصار، في ظلّ المعلومات المتداولة عن تضارب الأجندات داخل الأجنحة الإيرانيّة، وتحديدًا بين الوفد التفاوضي و"الحرس الثوري".

وسلّطت تحليلاتٌ صحفيّةٌ الضوءَ على قائدِ "الحرسِ الثوري"، أحمد وحيدي، بوصفِه "استراتيجيَّ الظلّ" الذي يُحدّدُ مسارَ المشهدِ الإيرانيّ من خلفِ الكواليسِ. ويَتردّدُ اسمُه كثيرًا في الآونةِ الأخيرةِ، في ظلِّ التضاربِ الحاصلِ في تقييمِ صحّةِ المرشدِ الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، وقدرته على اتّخاذِ القراراتِ. وفي هذا السياقِ، كشفَ تقريرٌ جديدٌ لصحيفةِ "نيويورك تايمز"، نقلًا عن مسؤولين، أنّ المرشد لم يُسجّلْ حتى اللحظة أيَّ فيديو أو رسالةٍ صوتيّة، لعدمِ رغبتِه في أن يبدوَ "ضعيفًا" في أولِ خطابٍ علنيٍّ له منذ تولِّيهِ المنصب. كما أشارت الصحيفةُ إلى أنّه "ليس السلطة الأعلى؛ قد يكون قائدًا بالاسمِ، لكنَهُ لا يتمتّعُ بالموقعِ عينِهِ الذي كان لوالِدِهِ"، في إشارةٍ إلى المرشد السابق علي خامنئي. وأضافت أنّه "خاضعٌ للحرسِ الثوريِ، لأنه مدينٌ له بمنصبِهِ وباستمرارِ النظامِ". وعلى عكسِ ما يدّعِيهِ الرئيسُ ترامب بوجودِ قادةٍ جددٍ في إيرانَ يمكنُ "التحاورُ معهم"، تؤكّدُ المعطياتُ صعودَ دورِ التيّارِ المتشدّدِ داخلَ البلادِ، الذي يرفضُ تقديمَ تنازلاتٍ كافيةٍ للولاياتِ المتحدةِ في ما يتعلّقُ بالبرنامجِ النوويّ، ولا سيّما قضية تجميد التخصيبِ والتخلّي عن مخزونِ اليورانيوم العالي التخصيب.

بموازاةِ ذلكَ، شدّدَ كلٌّ من رئيسِ البرلمانِ الإيرانيّ محمد باقر قاليباف، والرئيسِ مسعود بزشكيان، ورئيسِ القضاءِ غلام حسين محسني إجئي، على أنَّ "إيرانَ موحّدةٌ"، ولا وجودَ لما يُسمَّى تيّاراتٍ متصارعةٍ، مؤكدين أنّ جميعَ مؤسّساتِ الدولةِ تتحرّكُ ضمنَ "مسارٍ واحدٍ"، وأنَّ أيَّ تصعيدٍ سيُواجَهُ بردٍّ يَجعلُ الخصومَ "يندمون". وجاءَ ذلكَ بعدمَا أفادَتِ القناةُ 12 الإسرائيليّةُ بأنَّ التقديراتِ تشيرُ إلى أنَّ القيادةَ الإيرانيّةَ تمرُّ بأزمةٍ عميقةٍ وصراعٍ على السلطةِ وصفتهُ بأنَّه الأخطرُ منذُ سنوات. كما أشارَتْ إلى أنّ قاليباف قدّمَ استقالتَه من إدارةِ المفاوضاتِ الدوليّةِ عقبَ تدخّلِ "الحرسِ الثوريِّ" الإيرانيِّ، وبعد إحباط وزير الخارجيّة عباس عراقجي مبادرةً قطريّةً لتنظيمِ حركةِ الملاحةِ في مضيقِ هُرمزَ، ووصفَتِ الوضعَ في طهرانَ بأنَّه "شللٌ تامٌّ" و"متفجّرٌ للغاية". بدورِهِ، لفتَ عراقجي إلى أنَّ "فشلَ عمليّاتِ القتلِ التي تُنفّذُهَا إسرائيلُ ينعكسُ في استمرارِ عملِ مؤسّساتِ الدولةِ الإيرانيّةِ بوحدةٍ وهدفٍ وانضباطٍ". ودافعَ عن الإجراءاتِ المتّخذةِ والمسارِ المتّبعِ حاليًا، مؤكّدًا أنّها تأتِي في إطارِ حمايةِ الأمنِ الوطنيّ. وجاءَ كلامُهُ خلالَ لقائِهِ في طهرانَ مبعوثًا خاصًا لوزيرِ خارجيّةِ كوريا الجنوبيّة. ووفقَ البيانِ، حمّلَ الوزيرُ الإيرانيُّ الولاياتِ المتحدةَ وإسرائيلَ، اللتين وصفَهُمَا بـ"المعتديتَينِ"، مسؤوليّةَ أيِّ تداعياتٍ مستقبليّةٍ لإغلاقِ المضيقِ. وتحدّثت العديدُ من المواقعِ عن فرضِ رسومٍ "للعبورِ الآمنِ"، إلّا أنَّ البرلمانَ الإيرانيَّ نفَى هذه التقارير. في المقابلِ، نقلَت وكالةُ "فارس" عن البنكِ المركزيِّ الإيرانيِّ قولَهُ إنّ "الرسومَ تُؤخذُ فقَطْ من السفنِ التي تحصلُ على إذنِ عبورٍ"، مؤكّدًا أنّها تُفرضُ "مقابلَ خدماتٍ أمنيّةٍ"، وتُحصّلُ نقدًا، وتختلفُ قيمتُها بحسبِ نوعِ وكميّةِ البضائعِ ومستوى المخاطرة.

عليه، يمكنُ اختصارُ المأزقِ الحاليِّ بمعادلةٍ واحدةٍ: الولاياتُ المتحدةُ تُحاصرُ الموانئَ الإيرانيّةَ لخنقِ الاقتصادِ ودفعِ طهرانَ إلى تقديمِ تنازلاتٍ، فيما تُضيّقُ إيرانُ الخناقَ على مضيقِ هُرمزَ لتؤكّدَ أنَّ حصارَهَا لن يكونَ مجّانيًا للعالمِ. وفي هذا السياقِ، كثّفَت واشنطنُ حشودَهَا واستعداداتِها العسكريّةَ في الشرقِ الأوسطِ، مع الإعلانِ عن وصولِ حاملةِ الطائراتِ يو إس إس جورج إتش. دبليو. بوش، ليرتفعَ عددُ حاملاتِ الطائراتِ الأميركيّةِ في المنطقةِ إلى ثلاثٍ. كما كشفَتْ صحيفةُ "واشنطن بوست" أنّه يُتوقَّعُ وصولَ أكثرَ من 4000 جنديٍّ أميركيٍّ إضافيٍّ، على متنِ سفينةِ الهجومِ البرمائيّ "يو إس إس بوكسر" وقوّةِ مشاةِ البحريّةِ التابعةِ لَهَا، إلى المنطقةِ خلالَ الأسابيعِ المقبلةِ. إلى ذلك، تواصلُ باكستانُ مساعِيهَا لعقدِ جولةٍ ثانيةٍ من المفاوضاتِ الأميركيّةِ – الإيرانيّةِ، على الرغم من العقباتِ والتعقيداتِ الكثيرةِ التي تحولُ دونَ تحقيقِ ذلك. وفي إطارٍ متّصلٍ، أكّدَ المتحدّثُ باسمِ الخارجيّةِ الإيرانيّةِ أنّ قرارَ المشاركةِ في جولةِ مفاوضاتٍ جديدةٍ لم يُتّخذ بعد، موضحًا أنّ بلادَهُ، على الرغم من استعدادها للتفاوض، تبقى أيضًا مستعدّةً لجميع السيناريوهات الأخرى. وإذ أشار إلى أنّ استمرار الضغوط الأميركيّة يُعوق بناء الثقة اللازمة لأيّ مسارٍ تفاوضي، أوضح أنّ المحادثات الحاليّة تجري عبر قنواتٍ غير مباشرة ومن خلال وسطاء.

من جهتها، تُراقب تل أبيب المستجدّات و"يدُها على الزناد"، إذا صحّ التعبير، فهي تُعِدّ العدّة لعودة الحرب التي يتمناها عددٌ من كبار المسؤولين الإسرائيليين. وأكّد ذلك وزير الدفاع يسرائيل كاتس، مشيرًا إلى أنّ تل أبيب "تنتظر ضوءًا أخضر" من الولايات المتحدة لاستئناف القتال. وقال متوعّدًا طهران: "لقد حدّدنا أهدافنا، وعندما تتجدّد الحرب سنُعيد إيران إلى عصر الظلام والحجر"، مضيفًا أنّه ستُوجّه "ضربات مدمّرة في أكثر الأماكن إيلامًا، بشكلٍ يهزّ ويُسقط أسس النظام". في الأثناء، أفادت وسائل إعلامٍ إيرانيّةٍ بسماعِ أصواتِ دفاعاتٍ جويّةٍ في مناطقَ من طهرانَ، مساءِ أمسِ الخميس، فيما نقلَتْ هيئةُ البثِّ الإسرائيليّة عن مصدرٍ أمنيٍّ تأكيده أنّ إسرائيل لم تُنفّذ أيّ هجوم على إيران، وأنّ هذه الدفاعات التي انطلقت "تندرج في إطار المناورات". وعليه، دخلت المنطقة مرحلة "كسر العظم"، إذ يسعى كلّ طرفٍ إلى فرض شروطه على الآخر، في سباقٍ لمعرفة من سيرفع "الراية البيضاء" أولًا. ويعاني العالم من تداعيات هذا الصراع، وسط مخاوف متزايدة من انعكاساته على الأسواقِ العالميّةِ وأسعارِ الطاقةِ، ما يدفعُ الدولَ إلى إعدادِ خططٍ تقشّفيّةٍ والتحرّكِ في مجالاتٍ عدّة لتأمين بدائل، في ظلّ الظروف التي فرضتها الحرب الراهنة.

على المقلب الآخر، تستغلّ إسرائيلُ الانشغالَ العالمي بالصراع مع إيران وساحاته الأخرى، لمواصلة اعتداءاتها على قطاع غزّة. فشهد، أمس الخميس، يومًا دمويًا جديدًا، مع سقوط تسعة فلسطينيين، بينهم خمسةٌ في غارةٍ بطائرةٍ مُسيّرة استهدفت خيامًا للنازحين في منطقة مشروع بيت لاهيا شمالًا. ويترافقُ هذا التصعيدُ مع مطالباتٍ متكرّرةٍ من حركةِ حماس بوقفِ الخروقاتِ، في إطارِ الالتزامِ بالمرحلةِ الأولَى من وقفِ إطلاقِ النارِ، فيما تتجاهلُ إسرائيل الأمر، وتمضي قدمًا في توسيع هجماتها واستهداف عناصر الفصائل، لا سيّما حماس وحركة الجهاد الإسلامي. وفي الضفّة الغربيّة المحتلّة، استشهد طفلٌ فلسطينيّ برصاص قوّات الاحتلال خلال اقتحامها مدينة نابلس، التي شهدت اعتداءاتٍ متفرّقة. وضمن السياق، أدانت كلٌّ من المملكة العربية السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة وقطر وإندونيسيا وباكستان ومصر وتركيا، أمس الخميس، الانتهاكاتِ الإسرائيليّة المتكرّرة للوضع التاريخيّ والقانونيّ القائم في المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة في القدس، خصوصًا الاقتحامات المستمرّة للمسجد الأقصى.

وإليكم أبرز ما ورد في الصحف العربية الصادرة اليوم الجمعة:

لفتت صحيفة "الخليح" الإماراتية إلى أن "خسائر الإنتاج بسبب إغلاق مضيق هُرمز تُقدّر بنحو 11 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى معدل للخسائر خلال أزمات الطاقة السابقة، خصوصًا مع انهيار سوق الغاز الطبيعي جراء الحرب الأوكرانية. وحتى لو تم الاتفاق على فتح المضيق الآن فإن تضرر العديد من مواقع الطاقة سيحتاج إلى وقت كي تعود إلى الإنتاج الطبيعي". وقالت إن "العالم يقف أمام أزمة غير مسبوقة وصدمات اجتماعية وغذائية ونقدية في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة وتقلص القدرة على مواجهة ما يمكن أن تحمله الحرب الحالية من مفاجآت، خصوصًا بعد فشل الجهود المبذولة للتوصل إلى حلول سياسية تفضي في نهاية الأمر إلى إعادة فتح مضيق هُرمز".

الموضوع عينه كان مدار نقاش في صحيفة "عكاظ" السعودية، التي أوضحت أن "هذه الحرب فرضت تحديات غير مسبوقة على أمن الملاحة في مضيق هُرمز، حيث سارعت إيران إلى استخدام موقعها الجغرافي كورقة قوة، في خطوة تتجاوز الأعراف الدولية وتضرب مبدأ حرية الملاحة في المياه الدولية في مقتل، ثم عادت لإغلاقه مرة أخرى بعد فتحه لفترة وجيزة للغاية عقب الحصار الأمريكي لموانئها، وهو التصرف الذي لا يهدّد فقط دول المنطقة بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره الذي يعتمد بشكل كبير على تدفق الطاقة عبر هذا الممر الضيق". وشددت على أن "غياب موقف دولي موحد يعكس أزمة أعمق في النظام العالمي، حيث لم يعد مجلس الأمن قادرًا على أداء دوره التقليدي في حفظ السلم والأمن الدوليين، نتيجة تضارب المصالح بين القوى الكبرى، هذا الفراغ يفتح الباب أمام سياسات أحادية، وفي ظل هذه المعطيات تبدو الأزمة حول مضيق هُرمز مرشحة لمزيد من التعقيد، حيث يتداخل فيها البُعد العسكري مع البعديين الاقتصادي والسياسي".

وعن مفاعيل الحرب واطرافها، كتبت صحيفة "الوطن" القطرية: "الأميركيون ومعهم المستعمرة أخفقوا في تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم، ولكنهم لم يُهزموا بسب تفوقهم وقدراتهم مقارنة مع الإيرانيين، ولكن إيران وامتداداتها لم يُهزموا في الوقت نفسه، وصمدوا ولا زالوا إلى الآن، بدلالة قبول التحالف الأميركي الإسرائيلي للتفاوض معهم، والتفاوض لم يتم على قاعدة الانتصار والهزيمة لطرف على حساب الطرف الآخر". واعتبرت أن "المفاوضات صعبة مُعقدة، لأن الطرفين لم يتمكن أحدهما من هزيمة الآخر، وبالتالي لم يتمكن من فرض شروطه على الآخر، وبقي التوازن والندية على أرض المواجهة وتبعاتها، قائمًا متواصلاً، وهذا ما يُفسر أن المراقبين اختلفوا في التخمين حول تجديد الحرب واستمراريتها، أو التوصل إلى اتفاق، وبقي التقدير معلقا بين سلوك الطرفين حيث لا مصلحة لهما باستمرار الحرب".

في إطارٍ متصل، أكدت صحيفة "الصباح" العراقية أن "الساحة السياسية العراقية تشهد أزمة معقدة داخل الإطار التنسيقي. هذه الأزمة التي تتجلى في عجزه عن ترشيح شخصية متفق عليها لتولي منصب رئاسة الوزراء، فهي ليست وليدة اللحظة بل هي نتيجة تراكمات طويلة من التباينات في الرؤى والمصالح بين مكوناته، حيث تتقاطع الطموحات الشخصية مع الحسابات الحزبية والضغوط الإقليمية والدولية". ونبهت إلى أن "الضغوط الخارجية تلعب دورًا مؤثرًا في تعقيد الأزمة، فالعراق بحكم موقعه الجيوسياسي يتأثر بتوازنات إقليمية ودولية، وكل طرف خارجي يسعى للتأثير في هوية رئيس الوزراء المقبل بما يخدم مصالحه، الأمر الذي يزيد من صعوبة التوصل إلى توافق داخلي. كما إن عجز الإطار التنسيقي عن حسم ملف رئاسة الوزراء يضعه أمام اختبار وجودي، ففشله في هذه المهمة قد يؤدي إلى تآكل شرعيته أمام جمهوره، وقد يفتح الباب أمام قوى أخرى لملء الفراغ السياسي، وربما يعيد خلط الأوراق في المشهد العراقي برمته".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن