بصمات

هَلِ الحِوارُ مُمْكِن؟حَوْلَ واقِعِنا وَما يَتَهَدَّدُنا!

في خِضَمِّ السِّجالاتِ والتَّحْليلاتِ التي نَقْرَأُها في الصُّحُفِ أَوْ نُشاهِدُها على شاشاتِ التَّلفَزَة، والتي يُشارِكُ فيها صِحافيونَ وَأَكاديمِيّونَ وَسِياسِيّون، نَشْعُرُ بِخَواءٍ هائِل، فَكُلُّ هَذِهِ المُشارَكاتِ والتَّحْليلاتِ والآراء، لا تَصْمُدُ سِوى دَقائِقَ قَليلَةٍ وَسُرْعانَ ما تُنْسى كَأَنَّها لَمْ تَكُن. لا نَضَعُ اللَّوْمَ على هَؤُلاءِ الذين يوصَفونَ بِالمُحَلِّلينَ أَوِ الخُبَراء، فَمُهِمَّةُ الصِّحافَةِ المَكْتوبَةِ أَوِ المَرْئِيَّةِ أَوِ المَسْموعَةِ هِيَ التَّعْليقُ على الأَحْداثِ مُباشَرَةً على الرَّغْمِ مِنْ زَعْمِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَمْلِكُ مَعْلوماتٍ خاصَّةً مِنْ مَصادِرَ عُلْيا وَمَوْثوقَة، وَمَعَ ذَلِكَ فانَّ هَذِهِ المَعْلوماتِ لا تَصْمُدُ هِيَ الأُخْرى، فَسُرْعانَ ما يَأْتي ما يُخالِفُها.

هَلِ الحِوارُ مُمْكِن؟
حَوْلَ واقِعِنا وَما يَتَهَدَّدُنا!

هَذَا الضَّجيجُ الإِعْلامِيُّ يُنَبِّهُنا إلى أَنَّنا أَصْبَحْنا في العالَمِ العَرَبِيِّ عاجِزينَ عَنْ تَكْوينِ الإِدْراكِ المُطابِقِ لِلوَقائِع، وَخُصوصًا في البُلْدانِ المَعْنِيَّةِ بِالأَحْداثِ والصِّراعِ القائِمِ راهِنًا، وَعاجِزينَ عَنْ تَحْديدِ الوِجْهَةِ التي تَنْقادُ إِلَيْها، فيما صِناعَةُ الأَحْداثِ تَجْري خارِجَ بُلْدانِنا.

لا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِضَعْفِ الحُكوماتِ وَعَجْزِها عَنِ التَّأْثيرِ في السِّياساتِ فَحَسْب، وَلَكِنَّ الأَمْرَ يُشيرُ أَيْضًا وَبِشَكْلٍ أَوْضَحَ إلى فُقْدانِ المُقَدِّراتِ النَّظَرِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ التي تَسْتَطيعُ الإِحاطَةَ بِالتَّحَوُّلاتِ الكُبْرى والمُتَسارِعَة، في عالَمٍ أَصْبَحَتْ فيهِ المسافاتُ أَضْيَقَ بَيْنَ الدُّوَلِ والمَصالِحِ والسِّياسات، وَحَيْثُ أَصْبَحَتِ المَعْلوماتُ لا تَحْتاجُ لِأَكْثَرَ مِنْ ثَوانٍ لِتَنْتَقِلَ عَبْرَ القارّات.

كُلّما ازدادت إخفاقات الأنظمة العسكرية كُلّما ازداد عنفها وبطشها تجاه الآراء التي تُظهر أخطاءها

قَبْلَ مائَةِ عامٍ وَأَكْثَر، حينَ كانَتِ البُلْدانُ العَرَبِيَّةُ تَشْهَدُ زَوالَ الدَّوْلَةِ العُثْمانِيَّةِ إِثْرَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأولى، وَوُقوعَها تَحْتَ قَبْضَةِ الِاسْتِعْمار، بَرَزَ العَديدُ مِنَ المُفَكِّرينَ الذين صاغُوا تَصَوُّراتٍ حَوْلَ الأَوْضاعِ القائِمَةِ والمُسْتَقْبَلِ المُرْتَجى، يُؤَسِّسونَ لِأَفْكارٍ تَتَبَنّاها النُّخَبُ المُثَقَّفَةُ وَتَأْخُذُ بِها الفِئاتُ المُنَوَّعَةُ مِنَ "الشَّعْب". كانَتْ هُناكَ قَضايا مِثْلُ النِّضالِ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِقْلال، والعَمَلِ مِنْ أَجْلِ الوَحْدَةِ الوَطَنِيَّة، وَمِنْ أَجْلِ الدَّوْلَةِ الحَديثَة، إلى دَعَواتِ الإِصْلاحِ والتَّنْمِيَة. أَمّا اليَوْمَ فَإِنَّنا نَفْتَقِرُ إلى كُلِّ هَذا، وَنَفْتَقِرُ إلى أَفْكارٍ وَمُفَكِّرينَ يَعْكُفونَ على تَفْسيرِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ الآن، والعَوامِلِ التي أَدَّتْ إلى هَذا النُّكوص، والأَسْبابِ التي تَحولُ دونَ صِياغَةِ رُؤْيَةٍ تَكونُ قادِرَةً على تَفْسيرِ الحاضِرِ وَتَلَمُّسِ المُسْتَقْبَل.

على امْتِدادِ النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرين، بَرَزَتْ أَفْكارٌ وَنَظَرِيّاتٌ تَسْتَنِدُ إلى إيدْيولوجِيّاتٍ بارِزَةٍ، وَكانَ لِلمُفَكِّرينَ والمُثَقَّفينَ المساحَةُ الواسِعَةُ لِلتَّعْبيرِ عَنْ آرائِهِمْ وَأَفْكارِهِمْ وَتَصَوُّراتِهِم. كانَ المُثَقَّفُ يَتَمَتَّعُ بِحُرِّيَّةِ التَّعْبير، وَكانَتْ حُرِّيَّةُ تَكْوينِ الأَحْزابِ مُتاحَةً على الرَّغْمِ مِنَ التَّضْييق، وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ القَرْنُ العِشْرونَ ظَهَرَتِ الأَنْظِمَةُ العَسْكَرِيَّة، التي ادَّعَتْ أَنَّها جاءَتْ لِتَصْحيحِ الأَخْطاءِ وَتَقْويمِ الِاعْوِجاج، وادَّعَتْ أَنَّها تُطَبِّقُ أَفْكارَ التَّحَرُّرِ والتَّنْمِيَة، وَأَنَّها تُمَثِّلُ الطَّريقَ القَويمَ إلى تَنْفيذِ هَذِهِ الأَفْكارِ والوُعود، وَأَنَّها، أَيِ الأَنْظِمَة، لَمْ تَعُدْ تَحْتاجُ إلى تَيّاراتٍ مُتَبايِنَةٍ وَإلى أَحْزابٍ مُتَعارِضَةٍ وَمُتَصارِعَة، وَلَيْسَتْ بِحاجَةٍ إلى مُفَكِّرينَ يُدْلونَ بِآرائِهِم النَّقْدِيَّة، فالنِّظامُ يَمْلِكُ كُلَّ الأَفْكارِ والخُطَطِ المَطْلوبَة، وَلَيْسَ بِحاجَةٍ إِلّا إلى أُولَئِكَ الذين يُفَسِّرونَ خُطَطَهُ وَيُصَفِّقونَ لَها.

لَكِنَّ هَذِهِ الأَنْظِمَةَ بَدَلَ أَنْ تَعْمَدَ إلى وَحْدَةِ الوَطَن، عَمَدَتْ إلى التَّفْرِقَةِ وَتَصْنيفِ الأَعْداء، وَمُعاقَبَتِهِمْ وَزَجِّهِمْ في السُّجون. وَكُلَّما ازْدادَتْ إِخْفاقاتُها كُلَّما ازْدادَ عُنْفُها وَبَطْشُها تُجاهَ الآراءِ التي تُظْهِرُ أَخْطاءَها، وَتُصْبِحُ المُساءَلَةُ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ الِانْشِقاقِ والخِيانَة.

هل بالإمكان الدعوة إلى حوار عميق يُشارك فيه رجال فكر وسياسة وتنمية من بلدان عربية تتشارك المصير والأخطار؟

الآنَ، وَبَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقودِ مِنَ الإِخْفاقاتِ والمُراوَحَةِ إِزاءَ الأَخْطارِ المَصيرِيَّةِ التي تَتَهَدَّدُ الإِقْليمَ الذي نَعيشُ فيهِ وَنَنْتَمي إِلَيْه، هَل مِنَ المُمْكِنِ الدَّعْوَةُ إلى نِقاشٍ وَحِوارٍ حَوْلَ واقِعِنا وَحَوْلَ ما يَتَهَدَّدُنا؟ وَهَل بِالإِمْكانِ الدَّعْوَةُ إلى حِوارٍ عَميقٍ يُشارِكُ فيهِ رِجالُ فِكْرٍ وَسِياسَةٍ وَتَنْمِيَةٍ مِنْ بُلْدانٍ عَرَبِيَّةٍ تَتَشارَكُ في مَصيرٍ وَأَخْطارٍ مُشْتَرَكَة؟.

واذَا تَعَذَّرَ ذَلِك، فَهَل بِالإِمْكانِ أَنْ يُقْدِمَ المُفَكِّرونَ في البَلَدِ الواحِدِ على إِجْراءِ حِوارٍ نَقْدِيٍّ قادِرٍ على تَلَمُّسِ الِاحْتِياجاتِ وَتَحْديدِ المَسْؤولِياتِ وَرَسْمِ الخُطوطِ العَريْضَةِ بِرُؤْيَةٍ تَهْدِفُ إلى النُّهوضِ وَتَجاوُزِ الأَخْطار؟.

وَهَل يُمْكِنُنا نَحْنُ في لُبْنان، إِزاءَ الِانْقِساماتِ الحادَّةِ والتَّهْديداتِ الدّاخِلِيَّةِ والخارِجِيَّة، أَنْ نَلتَقِيَ في حِوارٍ جَدِّيٍّ يَتَجاوَزُ اللَّحْظَةَ الراهِنَة، يَتَلَمَّسُ المُسْتَقْبَلَ المُشْتَرَكَ لِكُلِّ اللَّبْنانِيّين؟.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن