اقتصاد ومال

نَشْتَغِلُ أَكْثَر... فَلِماذا لا نُنْتِجُ أَكْثَر؟ مُفارَقَةُ الإنتاجِيَّةِ في الاقتِصادِ العَرَبيّ!

يَعْمَلُ النّاسُ في بُلْدانٍ عَرَبِيَّةٍ كَثيرَةٍ لِساعاتٍ طَويلَة، لَكِنَّ قيمَةَ الإِنْتاجِ في كُلِّ ساعَةٍ تَبْقى مُنْخَفِضَةً مُقارَنَةً بِها في الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَة، ما يُفَسِّرُ ضَعْفَ الأُجورِ في مِنْطَقَتِنا. السَّبَبُ لَيْسَ قِلَّةَ الجُهْد، بَل تَعْقيدُ بيئَةِ الأَعْمال، وَضَعْفُ المُنافَسَة، والاقْتِصادُ الرَّيْعِيّ، وَفَجْوَةُ المَهارات. أَمّا زِيادَةُ الأُجورِ فَتَتَطَلَّبُ تَعْزيزَ الإِنْتاجِيَّة، أَيْ تَحْويلَ الوَقْتِ إلى قيمَةٍ حَقيقِيَّة، لا زِيادَةَ ساعاتِ العَمَل.

نَشْتَغِلُ أَكْثَر... فَلِماذا لا نُنْتِجُ أَكْثَر؟ 
مُفارَقَةُ الإنتاجِيَّةِ في الاقتِصادِ العَرَبيّ!

المَشْهَدُ مَأْلوفٌ في مُعْظَمِ البُلدانِ العَرَبِيَّة: دَوامٌ طَويل، وَعَمَلٌ إِضافِيّ، وَحُضورٌ يَوْمِيٌّ كَثيف، وَمَعَ ذَلِكَ تَبْقى الأُجورُ مَحْدودَة، والنُّمُوُّ هَشًّا. لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ في قِلَّةِ الجُهْد، بَلْ في ضَعْفِ القيمَةِ التي يُنْتِجُها هَذا الجُهْد. الأَرْقامُ تَكْشِفُ مُفارَقَةً واضِحَة: نَحْنُ نَعْمَلُ كَثيرًا، لَكِنَّ إِنْتاجِيَّةَ السّاعَةِ الْواحِدَةِ لا تَعْكِسُ هَذا التَّعَب!.

بِحَسَبِ قاعِدَةِ بَياناتِ "مُنَظَّمَةِ العَمَلِ الدَّوْلِيَّةِ لِلإِحْصاءات" (ILOSTAT)، يَبْلُغُ مُتَوَسِّطُ ساعاتِ العَمَلِ الأُسْبوعِيَّةِ الفِعْلِيَّةِ في دَوْلَةِ الإِماراتِ العَرَبِيَّةِ المُتَّحِدَةِ 50.8 ساعَة (2024)، وَفي المَمْلَكَةِ الأُرْدُنِيَّةِ الهاشِمِيَّةِ 48.8 ساعَة (2023)، وَفي جُمْهورِيَّةِ مِصْرَ العَرَبِيَّةِ 45.1 ساعَة (2024)، وَفي المَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّةِ 44 ساعَة (2022). هَذِهِ أَرْقامُ "السّاعاتِ الأُسْبوعِيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ لِلعَمَل" كَما تَرِدُ في الإِحْصاءاتِ الرَّسْمِيَّةِ لِلمُنَظَّمَة، وَهِيَ في حالاتٍ عِدَّةٍ أَعْلى مِنَ المُتَوَسِّطِ العالَمِيِّ الذي يُشيرُ تَقْريرُ "آفاقِ الْعَمَلِ العالَمِيَّة" الصّادِرُ عَنِ المُنَظَّمَةِ إلى أَنَّهُ بَقِيَ قَليلًا فَوْقَ 41 ساعَةً أُسْبوعِيًّا في السَّنَواتِ الأَخيرَة.

لا يمكن للأجور أن تنمو بوتيرة أسرع من إنتاجية العمل من دون أن ينتج عن ذلك تضخُّم أو عجز مالي

لَكِنَّ الْفَيْصَلَ لَيْسَ عَدَدَ السّاعات، بَل قيمَةُ السّاعَةِ نَفْسِها. في بُلْدانِ "مُنَظَّمَةِ التَّعاوُنِ والتَّنْمِيَةِ الاقْتِصادِيَّة"، بَلَغَ مُتَوَسِّطُ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ لِكُلِّ ساعَةِ عَمَلٍ نَحْوَ 67.5 دولارًا في عامِ 2022 مَحْسوبًا على أَساسِ تَعادُلِ القُوَّةِ الشِّرائِيَّة (مِقْياسٌ يُقارِنُ العُمُلاتِ بِحَسَبِ قُدْرَتِها الشِّرائِيَّةِ الفِعْلِيَّة)، وِفْقَ "كُتَيِّبِ مُؤَشِّراتِ الإِنْتاجِيَّةِ 2024" الصّادِرِ عَنِ المُنَظَّمَة. هَذا المُؤَشِّر - النّاتِجُ لِكُلِّ ساعَةِ عَمَل - هُوَ المِقْياسُ الأَكْثَرُ مُباشَرَةً لِإِنْتاجِيَّةِ العَمَل. وَعِنْدَما يَتَجاوَزُ في بَعْضِ الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَة 90 أَوْ حَتَّى 100 دولار لِلسّاعَة، يُصْبِحُ مَفْهومًا لِماذا يَسْتَطيعُ العامِلُ هُناكَ الحُصولَ على أَجْرٍ أَعْلى في مُقابِلِ ساعاتٍ أَقَلّ.

الصّورَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِسَنَةٍ واحِدَة. إِذْ تُشيرُ تَقاريرُ "مُنَظَّمَةِ العَمَلِ الدَّوْلِيَّة" حَوْلَ الإِنْتاجِيَّةِ والتَّنْويعِ في البُلْدانِ الْعَرَبِيَّة، إلى أَنَّ العَقْدَ مِنَ الزَّمَنِ الذي سَبَقَ جائِحَةَ "كوفيد-19" شَهِدَ ضَعْفًا أَوْ تَراجُعًا في نُمُوِّ إِنْتاجِيَّةِ العَمَل، وَلا سِيَّما في الإِنْتاجِيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ العَوامِل، مُقارَنَةً بِمَناطِقَ نامِيَةٍ أُخْرى. أَيْ أَنَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ ظَرْفِيَّةً مُرْتَبِطَةً بِدَوْرَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ قَصيرَة، بَل بُنْيَوِيَّةٌ مُمْتَدَّة.

العَلاقَةُ بَيْنَ الأُجورِ والإِنْتاجِيَّةِ هُنا حاسِمَة. في الأَجَلِ البَعيد، لا يُمْكِنُ لِلأُجورِ أَنْ تَنْمُوَ بِوَتيرَةٍ أَسْرَعَ مِنْ إِنْتاجِيَّةِ العَمَلِ مِنْ دونِ أَنْ يَنْتُجَ عَنْ ذَلِكَ تَضَخُّمٌ أَوْ عَجْزٌ مالِيّ. إِذا كانَتِ القيمَةُ المُضافَةُ في السّاعَةِ مَحْدودَة، يَبْقى سَقْفُ الأُجورِ مَحْدودًا. وَلِهَذا تَبْقى مُسْتَوَياتُ الدَّخْلِ في مُعْظَمِ الاقْتِصاداتِ غَيْرِ النَّفْطِيَّةِ بَعيدَةً عَنْ نَظيراتِها في الاقْتِصاداتِ ذاتِ الإِنْتاجِيَّةِ المُرْتَفِعَة.

يَكْمُنُ أَحَدُ مَفاتيحِ التَّعَطُّلِ في بيئَةِ الأَعْمال. فَفي مِصْر، يُظْهِرُ "مَسْحُ الشَّرِكات" الصّادِرُ عَنِ "البَنْكِ الدَّوْلِيّ" أَنَّ مُتَوَسِّطَ الوَقْتِ المَطْلوبِ لِلحُصولِ على رُخْصَةِ تَشْغيلٍ يَبْلُغُ نَحْوَ 14.3 يَوْمًا (2020). وَفي تَقْريرٍ لِمُنَظَّمَةِ التَّعاوُنِ والتَّنْمِيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ حَوْلَ تَحْسينِ مُناخِ الأَعْمالِ في مِصْر، يُقَدَّرُ الحَدُّ الأَدْنى لِلوَقْتِ اللّازِمِ لِتُصْبِحَ الشَّرِكَةُ "تَشْغيلِيَّةً بِالكامِل" بَعْدَ التَّسْجيلِ بِنَحْوِ 12 يَوْمًا، مُقابِلَ نَحْوَ تِسْعَةِ أَيامٍ في مُتَوَسِّطِ بُلْدانِ المُنَظَّمَة. الْفارِقُ قَدْ يَبْدو مَحْدودًا، لَكِنَّهُ يَعْني رَأْسَ مالٍ مُجَمَّدًا وَتَأْخيرًا في بَدْءِ الإِنْتاجِ وارْتِفاعًا في المَخاطِر، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَنْعَكِسُ في النِّهايَةِ على الإِنْتاجِيَّة.

الْعامِلُ الثّاني يَتَعَلَّقُ بِبُنْيَةِ الاقْتِصادِ الرَّيْعِيِّ في بَعْضِ البُلْدان. إِذْ تُظْهِرُ بَياناتُ البَنْكِ الدَّوْلِيِّ حَوْلَ "رَيْعِ النَّفْطِ كَنِسْبَةٍ مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ" الوَزْنَ الكَبيرَ لِلعَوائِدِ النَّفْطِيَّةِ في بَعْضِ الاقْتِصاداتِ الخَليجِيَّةِ خِلالَ أَحْدَثِ السَّنَواتِ المُتاحَةِ في السِّلسِلَةِ الإِحْصائِيَّة (حَتّى 2021). عِنْدَما يُشَكِّلُ الرَّيْعُ نِسْبَةً مُرْتَفِعَةً مِنَ النّاتِج، تَتَشَكَّلُ حَوافِزُ تَميلُ إلى تَوْزيعِ العَوائِدِ أَوْ الحُصولِ على الامْتِيازاتِ والعُقود، أَكْثَرَ مِنَ الاسْتِثْمارِ في رَفْعِ الكَفاءَةِ داخِلَ القِطاعاتِ المُخَصَّصَةِ لِلتَّصْدير. هَذا لا يُلْغي جُهودَ التَّنْويع، لَكِنَّهُ يُفَسِّرُ لِماذا قَدْ يَكونُ الرِّبْحُ أَسْرَعَ مِنَ الإِنْتاج.

غَيْرَ أَنَّ المُشْكِلَةَ تَبْدَأُ في مَرْحَلَةٍ أَبْكَرَ مِنْ مَرْحَلَةِ سوقِ الْعَمَل. فَقَدْ قَدَّرَ البَنْكُ الدَّوْلِيُّ في عامِ 2022 أَنَّ 70 في المِئَةِ مِنَ الأَطْفالِ بِعُمْرِ 10 سَنَواتٍ في البُلْدانِ المُنْخَفِضَةِ والمُتَوَسِّطَةِ الدَّخْلِ يُعانونَ ما يُعْرَفُ بِـ"فَقْرِ التَّعَلُّم"، أَيْ أَنَّهُمْ غَيْرُ قادِرينَ على قِراءَةِ نَصٍّ بَسيطٍ وَفَهْمِه. وَبِالنِّسْبَةِ إلى الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أَفْريقْيا، كانَتِ النِّسْبَةُ قَبْلَ جائِحَةِ كوفيد-19 تُقارِبُ 60 في المِئَة، مَعَ تَوَقُّعاتٍ بِارْتِفاعِها بِما لا يَقِلُّ عَنْ 10 نِقاطٍ مِئَوِيَّةٍ بَعْدَ إِغْلاقاتِ الْمَدارِس. هَذِهِ القاعِدَةُ التَّعْليمِيَّةُ الهَشَّةُ تَنْعَكِسُ لاحِقًا في سوقِ العَمَل.

عندما تبقى القيمة المُضافة في الساعة مُنخفضة يُصبح طول يوم العمل عبئًا لا يتحوّل إلى دخل أعلى

على الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ التَّحَدِّيات، تُظْهِرُ التَّجارِبُ أَنَّ التَّحَوُّلَ مُمْكِن. في المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّة، أَشارَتْ بَياناتٌ رَسْمِيَّةٌ إلى أَنَّ إِنْتاجِيَّةَ العَمَلِ نَمَتْ بِنَحْوَ 4.9 في المِئَةِ في عامِ 2022، وِفْقَ تَقْديراتِ مُنَظَّمَةِ العَمَلِ الدَّوْلِيَّة، وَهَذا مِنْ أَعْلى المُعَدَّلاتِ مِنْ ضِمْنِ بُلْدانِ مَجْموعَةِ العِشْرِينَ في ذَلِكَ العام. هَذا النُّمُوُّ لَمْ يَكُنْ نَتيجَةَ زِيادَةِ ساعاتِ العَمَل، بَل جاءَ في سِياقِ إِصْلاحاتٍ في سوقِ العَمَلِ وَتَنْظيمِ العَلاقَةِ التَّعاقُدِيَّةِ وَتَحْفيزِ قِطاعاتٍ جَديدَة.

في جَوْهَرِ المَسْأَلَة، لَيْسَتِ الإِنْتاجِيَّةُ مَفْهومًا تِقْنِيًّا مَعْزولًا، بَل مِعْيارًا لِقُدْرَةِ الاقْتِصادِ على تَحْويلِ الْوَقْتِ إلى قيمَة. عِنْدَما يَبْلُغُ مُتَوَسِّطُ النّاتِجِ لِكُلِّ ساعَةٍ في الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَةِ نَحْوَ 67 دولارًا أَوْ أَكْثَر، فَهَذا يَعْني قُدْرَةً أَعْلى على دَفْعِ أُجورٍ أَفْضَل، وَتَمْويلِ خِدْماتٍ عامَّةٍ أَقْوى، وَتَحْقيقِ اسْتِقْرارٍ اقْتِصادِيّ. وَعِنْدَما تَبْقى القيمَةُ المُضافَةُ في السّاعَةِ مُنْخَفِضَة، يُصْبِحُ طولُ يَوْمِ العَمَلِ عِبْئًا لا يَتَحَوَّلُ إلى دَخْلٍ أَعْلى.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن