الأمن القومي العربي

الحوثِيّونَ يَتَأَرْجَحونَ على "حِبالِ الحَرْب"!

اليمن - محمد الغباري

المشاركة

على الرَّغْمِ مِنَ انْقِضاءِ نِصْفِ شَهْرٍ على الحَرْبِ الأَميركِيَّة الإِسْرائيلِيَّةِ ـ الإيرانِيَّة، لا يَزالُ الْحوثِيّونَ يَتَأَرْجَحونَ في مَوْقِفِهِمْ بِشانِ الِانْخِراطِ في هَذِهِ الحَرْب، على الرَّغْمِ مِنَ التَّهْديداتِ التي يُطْلِقُها قادَةٌ إيرانِيّونَ بِإِغْلاقِ مَضيقِ بابِ المَنْدَبِ في جَنوبِ البَحْرِ الأَحْمَر، بَعْدَ أَنْ أَغْلَقوا مَضيقَ هُرْمُز أَمامَ سُفُنِ الوُقود.

الحوثِيّونَ يَتَأَرْجَحونَ على

عِنْدَ بِدايَةِ الحَرْبِ الإِسْرائيلِيَّةِ على قِطاعِ غَزَّة، أَعْلَنَ الحوثِيّونَ مُباشَرَةً وُقوفَهُمْ إلى جانِبِ الفِلَسْطينِيّينَ في المُواجَهَة، واسْتَهْدَفوا السُّفُنَ المُتَّجِهَةَ إلى الدَّوْلَةِ العِبْرِيَّةِ والسُّفُنَ الأَميركِيَّة، وَتَسَبَّبُوا في تَعْطيلِ جُزْءٍ كَبيرٍ مِنْ حَرَكَةِ المِلاحَةِ الدَّوْلِيَّةِ في البَحْرِ الأَحْمَر. كَما أَطْلَقوا صَواريخَ وَطائِراتٍ مُسَيَّرَةً عِدَّةً بِاتِّجاهِ مُدُنٍ إِسْرائيلِيَّة، وَلِهَذا كانَ الكَثيرونَ يَتَوَقَّعونَ التِحاقَهُمْ بِالحَرْبِ الْحالِيَّة، بِاعْتِبارِهِمْ أَحَدَ الأَذْرُعِ الإيرانِيَّةِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، كَما حَصَلَ مَعَ "حِزْبِ اللهِ" اللُّبْنانِيِّ وَبَعْضِ الفَصائِلِ العِراقِيَّة.

الْحوثِيّون، الَّذينَ كَرَّرَ زَعيمُهُمْ إِعْلانَ مُسانَدَتِهِ لِطَهْرانَ في هَذِهِ الحَرْب، وَقَوْلَهُ إِنَّ "أَيْدِيَهُمْ على الزِّنادِ" انْتِظارًا لِلمُشارَكَة، لَمْ يُقْدِموا حَتّى الآنَ على هَذِهِ الخُطْوَة، وَسْطَ تَأْكيداتٍ مِنْ مُراقِبينَ بِأَنَّ الجَماعَةَ لا تَزالُ تَتَرَيَّث، لَكِنَّها قَدْ تَلْتَحِقُ بِالمُواجَهَةِ في نِهايَةِ المَطاف. وَيَرى هَؤُلاءِ أَنَّ تَحْديدَ تَوْقيتِ ذَلِكَ مُرْتَبِطٌ بِالِاحْتِياجِ الإيرانِيّ، مُعْتَبِرينَ أَنَّ تَهْديدَ قادَةٍ في الحَرَسِ الثَّوْرِيِّ الإيرانِيِّ بِإِغْلاقِ مَضيقِ بابِ المَنْدَبِ إلى جانِبِ مَضيقِ هُرْمُز يُمَثِّلُ مُؤَشِّرًا على أَنَّ طَهْرانَ هِيَ مَنْ سَتَخْتارُ الوَقْتَ المُناسِبَ لِدُخولِ الْحوثِيّينَ في الْحَرْب، بِاعْتِبارِهِمْ أداةً من أَدَواتِ الضَّغْطِ على الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَدُوَلِ الخَليج العربي.

وَلِأَنَّ إِغْلاقَ بابِ المَنْدَبِ إلى جانِبِ مَضيقِ هُرْمُز سَيُؤَثِّرُ على نَحْوِ 40% مِنْ تِجارَةِ النَّفْطِ في العالَم، يَرى ديبْلوماسِيّونَ أَنَّ الحوثِيّينَ يُدْرِكونَ خُطورَةَ الانْخِراطِ في هَذِهِ المُواجَهَةِ والخَسائِرَ التي قَدْ تَتَرَتَّبُ عَلَيْها سِياسِيًّا واقْتِصادِيًّا. وَيَعْزونَ ذَلِكَ إلى حَجْمِ الخَسائِرِ التي لَحِقَتْ بِالجَماعَةِ خِلالَ الضَّرَباتِ الأَميركِيَّةِ الأولى في بِدايَةِ عامِ 2025، حينَ خَسِرَ الْحوثِيّونَ رَئيسَ حُكومَتِهِمْ وَتِسْعَةً مِنْ أَعْضائِها، إلى جانِبِ عَدَدٍ مِنْ أَبْرَزِ قادَةِ أَسْلِحَتِهِم، وَهِيَ مِنْ أَشَدِّ الخَسائِرِ التي تَكَبَّدَتْها الجَماعَةُ مُنْذُ بِدايَةِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ قَبْلَ 11 عامًا.

وَوِفْقَ هَذِهِ الرُّؤْيَة، فَإِنَّ الوَضْعَ الإِنْسانِيَّ في مَناطِقِ سَيْطَرَةِ الجَماعَةِ قَدْ يَلْعَبُ دَوْرًا مُهِمًّا في تَوْجيهِ القَرارِ العَسْكَرِيِّ لِلحوثِيّين، إِذْ أَدّى وَقْفُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ تَوْزيعَ المُساعَداتِ لمَلايينِ المُحْتاجينَ إلى اتِّساعِ دائِرَةِ الفَقْر، وَجَعَلَ غالِبِيَّةَ السُّكّانِ عاجِزينَ عَنْ تَوْفيرِ احْتِياجاتِهِمُ الغِذائيةِ اليَوْمِيَّة. وَلِهَذا فَإِنَّ أَيَّ مُشارَكَةٍ في الحَرْبِ قَدْ تُسْقِطُ رِهانَ الجَماعَةِ على الجانِبِ السُّعودِيِّ لِإِحْياءِ مَسارِ التَّسْوِيَةِ وَتَقْديمِ دَعْمٍ مالِيّ، على غِرارِ ما حَصَلَ مَعَ الحُكومَةِ المُعْتَرَفِ بِها دَوْلِيًّا.

وَبَيْنَ التَّقْديرات كذلك، تَسودُ في الأَوْساطِ الشَّعْبِيَّةِ في اليَمَنِ مَخاوِفُ فِعْلِيَّةٌ مِنِ انْخِراطِ الْحوثِيّينَ في الحَرْب، إِذْ سَيُؤَدّي ذَلِكَ إلى زِيادَةِ رُسومِ الشَّحْنِ وارْتِفاعِ أَسْعارِ السِّلَعِ في بَلَدٍ يَسْتَوْرِدُ نَحْوَ 90% مِنْ احْتِياجاتِه. كَما يَخْشى اليَمَنِيّونَ مِنَ الخَسائِرِ المُحْتَمَلَةِ في البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، بَعْدَ أَنْ دَمَّرَتِ الضَّرَباتُ الأَميركِيَّةُ والإِسْرائيلِيَّةُ السّابِقَةُ المَوانِئَ الخاضِعَةَ لِسَيْطَرَةِ الجَماعَةِ والبُنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ المُرْتَبِطَةَ بِها، فيما قَدْ تُؤَدّي أَيُّ ضَرَباتٍ جَديدَةٍ إلى إيقافِ عَمَلِ هَذِهِ المَوانِئِ وَتَدْميرِ ما تَبَقّى مِنْ مَحَطّاتِ تَوْليدِ الكَهْرُباءِ وَغَيْرِها مِنَ المُنْشَآتِ الحَيَوِيَّة.

وَبِالتَّزامُنِ مَعَ هَذِهِ التَّطَوُّراتِ التي تَعْصِفُ بِالمِنْطَقَة، والزِّيادَةِ المُتَوَقَّعَةِ في تَكاليفِ الشَّحْن، أَكَّدَتِ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ أَنَّ الأَمْنَ الغِذائِيَّ في اليَمَنِ لا يَزالُ في وَضْعٍ مُزْرٍ، فَفي ديسَمْبَر/كانونِ الأَوَّل 2025، لَمْ تَتَمَكَّنْ 64% مِنَ الأُسَرِ مِنْ تَلْبِيَةِ احْتِياجاتِها الغِذائِيَّةِ الأَساسِيَّة، في حينِ أَثَّرَ الحِرْمانُ الغِذائِيُّ الحادُّ على 37% مِنَ السُّكّانِ على مُسْتَوى البِلاد.

وَأَظْهَرَتْ أَحْدَثُ الْبَياناتِ الأُمَمِيَّةِ تَأَثُّرَ 66% مِنَ الأُسَرِ في المَناطِقِ الخاضِعَةِ لِسَيْطَرَةِ الحُكومَةِ بِنَقْصِ الغِذاء، مُقابِلَ 63% مِنَ الأُسَرِ في المَناطِقِ الخاضِعَةِ لِسَيْطَرَةِ الحوثِيّين. كَما أَنْفَقَتِ الأُسَرُ على مُسْتَوى البِلادِ نَحْوَ 72% مِنْ دَخْلِها على الغِذاء، وَلَمْ يَتَبَقَّ سِوى القَليلِ لِتَلْبِيَةِ الاحْتِياجاتِ الأُخْرى، فيما لَجًأَتْ 59% مِنَ الأُسَرِ إلى اسْتراتيجِيّاتِ التَّكَيُّفِ مَعَ الأَزَماتِ أَوْ حَالاتِ الطَّوارِئ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن