تقدير موقف

الدَّوْرُ العَرَبيُّ في لبنان: تَغْييرُ المُعادَلَة أَمْ إدارَتُها مُجددًا؟

مع انْطِلاقِ الِاجْتِماعاتِ التَّمْهيدِيَّةِ لِمُفاوَضاتٍ لُبْنانِيَّةٍ - إِسْرائيلِيَّةٍ مُباشِرَة، قَدْ تَتَجاوَزُ تَرْتيباتٍ أَمْنِيَّةً إلى تَسْوِيَةٍ أَوْسَعَ بِحَسَبِ رَغْبَةِ واشِنْطُن، لا بُدَّ مِنْ دَوْرٍ عَرَبِيٍّ داعِمٍ أَوْ ضامِن. السُّؤالُ لا يَكْمُنُ في ما إِذا كانَ هَذا الدَّوْرُ مَطْلوبًا، فَهُوَ، في ظِلِّ اخْتِلالِ مَوازينِ القُوَّةِ وَعُمْقِ الأَزْمَةِ اللُّبْنانِيَّة، يَبْدو حاجَةً أَكْثَرَ مِنْهُ خِيارًا، بَلْ في طَبيعَةِ ما يَسْتَطيعُ أَنْ يَفْعَلَه، وَحُدودِ ما يَسْتَطيعُ تَغْييرَه.

الدَّوْرُ العَرَبيُّ في لبنان: تَغْييرُ المُعادَلَة أَمْ إدارَتُها مُجددًا؟

إِنَّ المُراهَنَةَ على دَوْرٍ عَرَبِيٍّ اليَوْمَ تَنْطَلِقُ مِنِ اعْتِباراتٍ يَصْعُبُ تَجاهُلُها: الحاجَةُ إلى سَنَدٍ يُوازِنُ الضُّغوطَ الأَميرْكِيَّة، وَيَمْنَعُ تَفاوُضًا لُبْنانِيًّا مُنْفَرِدًا مِنْ مَوْقِعِ ضَعْف، وَيُوَفِّرُ غِطاءً سِياسِيًّا واقْتِصادِيًّا لِإِعادَةِ الإِعْمارِ بِخاصَّةٍ القُرى المُدَمَّرَةَ وَعَوْدَةِ لُبْنان إلى عُمْقِهِ العَرَبِيِّ بَعْدَ سَنَواتٍ مِنَ التَّباعُد. كَما أَنَّ هَذا الدَّوْر، بِالنِّسْبَةِ إلى الكَثيرينَ، ضَرورَةٌ مُقابِلَ التَّغَوُّلِ الإيرانِيّ، لا بِوَصْفِهِ مُواجَهَةً لِمِحْوَرٍ بِمِحْوَر، بَلْ مُحاوَلَةً لِإِسْنادِ مَوْقِعِ الدَّوْلَة.

لَكِنَّ الإِقْرارَ بِأَهَمِّيَّةِ هَذا الدَّوْرِ لا يُعْفي مِنَ مُساءَلَةِ حُدودِه. فَثَمَّةَ مُفارَقَةٌ يَصْعُبُ تَجاوُزُها: الأَدْوارُ العَرَبِية في لُبْنان، السّاعِيَةُ اليَوْمَ لِرِعايَةِ مَسارٍ تَفاوُضِيٍّ مُحْتَمَل، لا يُمْكِنُ اخْتِصارُها بِدَوْرٍ واحِدٍ مُوَحَّد، فَالعَرَبُ أنَفْسُهُم لَمْ يحْسِموا تاريخِيًّا مُعْضِلَةَ السِّلاحِ خارِجَ الدَّوْلَةِ في لُبْنان، بَلْ تَعامَلوا مَعَها غالِبًا بِمَنْطِقِ الِاحْتِواء. مُنْذُ اتِّفاقِ القاهِرَةِ عامَ 1969، مَرَّتِ الأَدْوارُ العَرَبِيَّةُ على تَبايُنِها، بِمُقارَباتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَبْرَ إِدارَةِ التَّوازُناتِ أَكْثَرَ مِمّا ذَهَبَتْ نَحْوَ تَفْكيكِ أَسْبابِ اخْتِلالِها. وَهَذا يَطْرَحُ سُؤالًا مَشْروعًا: هَلْ تَغَيَّرَ هَذا الأُسْلوبُ اليَوْم، أَمْ يُعادُ إِنْتاجُهُ بِصيغَةٍ جَديدَة؟.

ما يُطرح حول سلاح "حزب الله" لا يوحي حتى الآن باتجاه حسم مسألة ازدواجية الدولة والسلاح

الهَدَفُ لَيْسَ التَّشْكيكَ بِالدَّوْرِ العَرَبِيِّ بِقَدْرِ ما هُوَ اخْتِبارٌ لَه. لِأَنَّ الخَشْيَةَ لا تَكْمُنُ في حُضورِه، بَلْ في أَنْ يَنْحَصِرَ مُجَدَّدًا في إِدارَةِ الأَزْمَةِ اللُّبْنانِيَّةِ بَدَلَ المُساهَمَةِ في حَلِّها. وَيَزْدادُ هَذا السُّؤالُ إِلْحاحًا لِأَنَّ ما يُطْرَحُ حَوْلَ سِلاحِ "حِزْبِ اللهِ" لا يوحي، حَتّى الآن، بِاتِّجاهِ حَسْمِ مَسْأَلَةِ ازْدِواجِيَّةِ الدَّوْلَةِ والسِّلاح، بِقَدْرِ ما يوحي بِمُقارَباتِ احْتِواءٍ وَإِعادَةِ تَنْظيم. وَهُنا تَبْرُزُ المُعْضِلَةُ الأَخْطَر: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ السَّلامُ المَطْروحُ إلى إِطارٍ جَديدٍ لِتَنْظيمِ ازْدِواجِيَّةِ الدَّوْلَةِ والمُقاوَمَة، بَدَلَ إِنْهائِها؟!.

هُنا تَكْمُنُ مُفارَقَةٌ تَسْتَحِقُّ التَّوَقُّفَ عِنْدَها. فَفي الوَقْتِ الذي تَتَعامَلُ فيهِ دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ مع "حِزْبِ اللهِ" داخِلَ أَراضيها بِاعْتِبارِهِ تَهْديدًا أَمْنِيًّا، فَتُفَكِّكُ شَبَكاتٍ مُرْتَبِطَةً بِه، وَتُشَدِّدُ الرَّقابَةَ على امْتِداداتِهِ المالِيَّةِ والتَّنْظيمِيَّة، وَتَتَبَنّى مُقارَباتٍ صارِمَةً حِيالَ جَماعاتٍ تَعْتَبِرُها مُهَدِّدَةً لِاسْتِقْرارِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة، لا يَظْهَرُ ضَغْطٌ عَرَبِيٌّ مُوازٍ في لُبْنانَ يَدْفَعُ نَحْوَ مُعالَجَةٍ جَذْرِيَّةٍ لِمَسْأَلَةِ سِلاحِ الحِزْب، بَلْ يَكادُ يَنْحَصِرُ الطَّرْحُ في احْتِوائِهِ وَتَنْظيمِهِ وَإِعادَةِ تَمَوْضُعِه.

وَهَذا لا يَعْكِسُ فَقَطْ حَذَرًا عَرَبِيًّا مِنْ تَفْجيرِ التَّوازُناتِ اللُّبْنانِيَّةِ الهَشَّة، بَلْ يَكْشِفُ أَيْضًا اسْتِمْرارَ مَنْطِقٍ قَديمٍ يَقومُ على إِدارَةِ السِّلاحِ المُوازي لِلدَّوْلَةِ لا حَسْمِه. كَأَنَّ ما يُعَدُّ غَيْرَ مَقْبولٍ داخِلَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، يُصْبِحُ في لُبْنان قابِلًا لِلإِدارَةِ السِّياسِيَّة، لا لِلْمُواجَهَةِ البُنْيَوِيَّةِ انْطِلاقًا مِنْ قَناعَةٍ ضِمْنِيَّةٍ بِأَنَّ الِاحْتِواءَ أَقَلُّ كُلْفَةً مِنَ الحَسْم. هَذِهِ المُقارَبَة، مَهْما بَدَتْ بْراغْماتِيَّة، تَطْرَحُ مُعْضِلَة: هَلْ تُؤَسِّسُ لِاسْتِقْرارٍ مُسْتَدام، أَمْ تُعيدُ إِنْتاجَ الصّيغَةِ نَفْسِها التي أَبْقَتِ الدَّوْلَةَ اللُّبْنانِيَّةَ مُعَلَّقَةً بَيْنَ السِّيادَةِ النّاقِصَةِ والتَّوازُناتِ المُسَلَّحَة؟.

التسويات لا تصنعها الوساطات وحدها بل استعداد الأطراف لها

وَمِنْ هُنا تَكْتَسِبُ المُقارَنَةُ بَيْنَ إِرْثِ اتِّفاقِ القاهِرَةِ والوُجودِ السّورِيِّ واليَوْم إيران وَ"حِزْبِ الله"، دَلالَتَها. فالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ في تَشابُهِ الوَقائِع، بَلْ في تَشابُهِ المَنْهَج: تَنْظيمُ السِّلاحِ بَدَلَ إِنْهاءِ ازْدِواجِيَّتِه. وَإِذا صَحَّ ذَلِك، فَإِنَّ السُّؤالُ لا يَعودُ فَقَطْ عَنْ دَوْرٍ عَرَبِيٍّ في السَّلام، بَلْ عَمّا إِذا كانَ هَذا الدَّوْرُ يُلامِسُ أَصْلَ المُعْضِلَةِ اللُّبْنانِيَّةِ أَمْ يُديرُها بِصيغَةٍ جَديدَة. هَذِهِ لَيْسَتْ مَسْأَلَةً نَظَرِيَّة، لِأَنَّها تَمَسُّ مَعْنى أَيِّ تَسْوِيَةٍ مُحْتَمَلَة.

فَإِذا كانَ لُبْنانُ مُنْقَسِمًا بَيْنَ مَنْ يَرى التَّفاوُضَ مَدْخَلًا إلى تَسْوِيَة، وَمَنْ يَراهُ تَهْديدًا لِعَقيدَةِ "المُقاوَمَة"، فَإِنَّ أَيَّ دَوْرٍ عَرَبِيٍّ لا يَسْتَطيعُ تَجاوُزَ هَذِهِ الِانْقِسامات، بَلْ يُفْتَرَضُ أَنْ يَجِدَ صيغَةً تَمْنَعُ تَحَوُّلَها إلى انْفِجارٍ داخِلِيٍّ وَبِخاصَّةٍ فِتْنَةٍ سُنِّيَّةٍ - شيعِيَّة. مِنْ هُنا يُمْكِنُ فَهْمُ تَمَسُّكِ عَواصِمَ عَرَبِيَّةٍ بِمَرْجِعِيَّةِ اتِّفاقِ الطّائِف، لا بِوَصْفِهِ حَنينًا إلى صيغَةٍ قَديمَة، بَلْ خَشْيَةً مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ أَيُّ تَسْوِيَةٍ خارِجَها إلى خَلَلٍ داخِلِيٍّ جَديد.

غَيْرَ أَنَّ حُدودَ الدَّوْرِ العَرَبِيِّ لا تَتَّصِلُ فَقَطْ بِما إِذا كانَ يَكْتَفي بِاحْتِواءِ مُعْضِلَةِ السِّلاحِ بَدَلَ حَلِّها، بَلْ أَيْضًا بِحُدودِ البيئَةِ التي يَتَحَرَّكُ فيها. فَحَتّى لَوْ افْتَرَضْنا دَوْرًا عَرَبِيًّا أَكْثَرَ فاعِلِيَّةً في مُوازَنَةِ النُّفوذِ الإيرانِيّ، وَدَعْمِ الدَّوْلَةِ اللُّبْنانِيَّة، وَدَفْعِ مَسارٍ تَفاوُضِيٍّ أَكْثَرَ تَوازُنًا، يَبْقى السُّؤال: هَلْ ثَمَّةَ شَريكٌ تَفاوُضِيٌّ يَجْعَلُ هَذا الجُهْدَ قابِلًا لِلتَّحَقُّق؟.

هُنا تَظْهَرُ المُعْضِلَةُ الإِسْرائيلِيَّة، لا كَمَوْضوعٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ النِّقاش، بَلْ كَجُزْءٍ مِنِ اخْتِبارِ إِمْكانِ نَجاحِ أَيِّ دَوْرٍ عَرَبِيّ. فالتَّسْوِياتُ لا تَصْنَعُها الوَساطاتُ وَحْدَها، بَلْ اسْتِعْدادُ الأَطْرافِ لَها. وَهَذا تَحْديدًا ما يُثيرُ الشُّكوك، فَسِياساتُ حُكومَةِ بِنْيامين نِتِنْياهو المُتَهَوِّرَةُ والخَطيرَةُ خِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرَةِ لا توحي بِوُجودِ تَصَوُّرٍ ناضِجٍ لِسَلامٍ مُسْتَقِرٍّ بِقَدْرِ ما توحي بِإِدارَةِ صِراعٍ عَبْرَ التَّفَوُّقِ العَسْكَرِيّ. في غَزَّة، أَظْهَرَتِ القُوَّةُ المُفْرِطَةُ قُدْرَةً على الإِضْعافِ لا على إِنْتاجِ تَسْوِيَة. وَفي الضَّفَّة، يُقَوِّضُ التَّوَسُّعُ والعُنْفُ ما تَبَقّى مِنْ أُسُسِ حَلٍّ سِياسِيّ. وَفي لُبْنان، تَبْدو المُقارَبَة، إلى حَدٍّ بَعيد، قائِمَةً على إِضْعافِ "حِزْبِ اللهِ" مِنْ دونِ تَصَوُّرٍ واضِحٍ لِما بَعْدَ الإِضْعاف، بِما يُهَدِّدُ أَيْضًا ما تَبَقّى مِنْ قُدْرَةِ الدَّوْلَةِ اللُّبْنانِيَّة.

التحدي أن تكون عودة العرب للبنان خروجًا من إرث إدارة الأزمات لا امتدادًا له

وَالسُّؤالُ يُصْبِحُ هُنا مُضاعَفًا: إِذا كانَ العَرَبُ لا يَزالونَ يَتَرَدَّدونَ في حَسْمِ مُعْضِلَةِ السِّلاحِ في لُبْنان، وَإِذا كانَتْ إِسْرائيلُ نَفْسُها لا تَبْدو صاحِبَةَ مَشْروعِ سَلامٍ واضِح، فَهَلْ ما يُطْرَحُ هُوَ تَسْوِيَةٌ فِعْلِيَّة، أَمْ إِدارَةٌ جَديدَةٌ لِلصِّراعِ بِأَدَواتٍ مُخْتَلِفَة؟ لَكِنْ رُبَّما السُّؤالُ الأَعْمَقُ يَبْقى في مَكانٍ آخَر: هَلْ يَعودُ العَرَبُ اليَوْمَ لِأَنَّ إيران ضَعُفَت، أَمْ لِأَنَّ لُبْنانَ باتَ قابِلًا لِلِاسْتِعادَة؟!.

السُّؤالُ لَيْسَ لُغَوِيًّا. إِذا كانَتِ العَوْدَةُ العَرَبِيَّةُ مُجَرَّدَ اسْتِثْمارٍ في لَحْظَةِ تَراجُعٍ إيرانِيّ، فَهِيَ إِدارَةُ فَراغ. أَمّا إِذا كانَتْ مَشْروعًا لِاسْتِعادَةِ لُبْنانَ إلى مُحيطِهِ العَرَبِيِّ وَدَوْلَتِه، فَهِيَ شَيْءٌ آخَر. وَهُنا يَكْمُنُ الفارِقُ بَيْنَ دَوْرٍ عَرَبِيٍّ يَرْعى تَوازُنًا هَشًّا، وَدَوْرٍ عَرَبِيٍّ يُحاوِلُ تَغْييرَ المُعادَلَة.

رُبَّما لِهَذا، الأَهَمِّيَّةُ لَيْسَتْ في دَعْمِ المُفاوَضَاتِ أَمْ لا، بَلْ في ما إِذا كان العَرَبُ يَسْتَطيعُونَ أَنْ يَجْعَلوا مِنَ التَّفاوُضِ مَدْخَلًا لِاسْتِعادَةِ الدَّوْلَةِ اللُّبْنانِيَّة، لا مُجَرَّدَ تَسْوِيَةٍ تُدارُ فَوْقَ هَشاشَتِها. التَّحَدّي أَنْ تَكونَ عَوْدَتُهُمْ هَذِهِ المَرَّةَ خُروجًا مِنْ إِرْثِ إِدارَةِ الأَزْماتِ... لا امْتِدادًا لَه.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن