ثَقافَةُ "إلى الأَمامِ يا روميل" كانَتْ وَما زالَتْ ثَقافَةً عَرَبِيَّةً تَجَذَّرَتْ وَنَمَت، حَتّى باتَتِ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ تَتَنَقَّلُ بَيْنَ الأَوْصِياء، وَتَخْرُجُ مِنَ المَعارِكِ الكُبْرى خالِيَةَ الوِفاض، بَيْنَما تَتَبَدَّلُ عَلَيْها القُوى المُتَنَفِّذَةُ سَواءً كانَتْ إِقْليمِيَّةً أَوْ دَوْلِيَّة.
لَمْ يَتَّفِقِ العَرَبُ على مَفْهومٍ مُوَحَّدٍ لِلأَمْن، لَكِنَّهُمُ اتَّفَقوا على تَسْليمِ مَفاتيحِهِ الأَساسِيَّةِ لِقُوًى خارِجِيَّة، وَبِمَنْطِقِ "إلى الأَمامِ يا روميل" يُشاهِدُ العَرَبُ الحَرْبَ الأَميرْكِيَّةَ - الإِسْرائيلِيَّةَ على إيرانَ وَسَطَ انْقِسامٍ بَيْنَهُم؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْجو صُمودًا وانْتِصارًا إيرانِيًّا بِاعْتِبارِ إِسْرائيلَ هِيَ الخَطَرُ الأَكْبَر، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْمَلُ انْتِصارًا إِسْرائيلِيًّا ساحِقًا بِحِسْبانِ إيران هِيَ التَّهْديدُ الأَعْظَم.
العالم العربي يبقى خاسرًا طالما أنّ خلاصه من خطر مُرتهن بتوسُّع خطر آخر
لَكِنْ أَيًّا كانَتِ النَّتيجَةُ النِّهائِيَّةُ لِلْحَرْب، فالطَّرَفُ الخاسِرُ مَحْسومٌ سَلَفًا، وَسَواءً نَجَحَتْ إيران في بُلوغِ اتِّفاقٍ يُعَزِّزُ هَيْمَنَتَها على المِلاحَةِ في الخَليج، أَوْ حَتّى وَقَّعَتْ وَثيقَةَ اسْتِسْلامٍ، فَلَنْ تَكونَ أَكْثَرَ الخاسِرين؛ لِأَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ يَبْقى خاسِرًا طالَما أَنَّ مَنْظومَةَ أَمْنِهِ خارِجَه، وَخَلاصَهُ مِنْ خَطَرٍ مُرْتَهَنٌ بِتَوَسُّعِ خَطَرٍ آخَر، وَكُلُّ فَراغٍ في داخِلِهِ لا يَمْلَؤُهُ إِلّا الفَوْضى أَوِ الطّامِعونَ في الخارِج.
بَيْنَ إيرانَ المُهَيْمِنَةِ المُتَمَدِّدَة، وَإِسْرائيلَ الكُبْرى التَّوَسُّعِيَّة، يَقَعُ العالَمُ العَرَبِيُّ المُفَتَّتُ والمُجَزَّأ، غَيْرَ قادِرٍ على بِناءِ مَفْهومٍ مُوَحَّدٍ قادِرٍ على اسْتيعابِ مُبَرِّراتِ الفَريقَيْنِ العَرَبِيَّيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ حَوْلَ تَرْتيبِ أَوْلَوِيّاتِ التَّهْديدِ بَيْنَ إيران أَوْ إِسْرائيل، لِبِناءِ نِظامٍ أَمْنِيٍّ قائِمٍ على مُكافَحَةِ التَّهْديدِ والتَّصَدّي لِلْخَطَرِ أَيًّا كانَ مَصْدَرُه.
يَسْقُطُ المُحَلِّلُ العَرَبِيُّ في فَخِّ "إلى الأَمامِ يا روميل"، حينَ يُرَوِّجُ لِلْخَلاصِ مِنْ إيران بِالتَّحالُفِ مَعَ إِسْرائيل، فيما يَدْعو آخَرٌ لِلْخَلاصِ مِنْ إِسْرائيلَ بِدَعْمِ إيران، وَيَرى ثالِثٌ في كِلَيْهِما - إيرانَ وَإِسْرائيل - خَطَرًا مُتَماثِلًا فَيَسْتَدْعي آخَرينَ مِنَ الإِقْليمِ كالأَتْراكِ والباكِسْتانِيّين، أَوْ يَبْحَثُ عَنْ تَحالُفاتٍ أَمْنِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ مَعَ قُوًى دَوْلِيَّةٍ تُبْقي قَرارَ الأَمْنِ وَمِفْتاحَهُ الوَحيدَ في يَدِ القادِمينَ مِنَ الخارِج.
يجب بحث آلية تشاركية لتوحيد تعريف الخطر واستدعاء التضامن العربي الكامل والفاعل عند كلّ تهديد
لَكِنَّ كُلَّ هَؤُلاءِ يسْقُطُ في أَيْديهِمْ حينَ تَقول: لِنَضَعِ الجَميعَ "إيرانَ وَإِسْرائيلَ" وَأَيَّ قُوَّةٍ إِقْليميةٍ لَها أَطْماعٌ تَوَسُّعِيَّةٌ في الفَضاءِ العَرَبِيِّ في سَلَّةٍ واحِدَة، وَنَبْحَثُ عَنْ آلِيَّةٍ تَشارُكِيَّةٍ لِكَبْحِ الجَميعِ وَتَوْحيدِ تَعْريفِ الخَطَر، وَحِمايَةِ السِّيادَة، واسْتِعادَةِ القَرار، واسْتِدْعاءِ التَّضامُنِ العَرَبِيِّ الكامِلِ والفاعِلِ عِنْدَ كُلِّ تَهْديد، سَواءً تَعَرَّضَتْ لَهُ غَزَّة أَوْ بَيْروت أَوِ الخَليج.
لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ تُحيطُ بِهِ قُوًى إِقْلِيمِيَّةٌ تَوَسُّعِيَّةٌ وَمَصالِحُ دَوْلِيَّةٌ مُهَيْمِنَةٌ وَطامِعَة، فَهَذِهِ حَقيقَةٌ جُغْرافِيَّةٌ وَسِياسِيَّة، وَإِنَّما المُشْكِلَةُ الأَعْمَقُ أَنَّ العَرَبَ حَتّى الآنَ لَمْ يَحْسِموا تَعْريفًا بَسيطًا لِلأَمْن: هَلْ هُوَ بِناءٌ ذاتِيٌّ يَبْدَأُ مِنَ الدّاخِل، أَمْ خِدْمَةٌ تُسْتَوْرَدُ مِنَ الخارِجِ عِنْدَ الحاجَة؟ هَلْ يَتَحَقَّقُ الأَمْنُ بِنَظَرِيَّةِ "الكومْباوْنْدات" السَّكَنِيَّةِ المُغْلَقَة، في ظَنٍّ أَنَّها قادِرَةٌ على عَزْلِ نَفْسِها عَنْ مُحيطِها الأَوْسَعِ وَدَفْعِ فاتورَةِ حِراسَةِ بَوّاباتِها؟.
عادَ سُؤالُ الأَمْنِ بِقَسْوَةٍ مَعَ الحَرْبِ بَيْنَ إيران وَخُصومِها، بِاعْتِبارِها اخْتِبارًا حَقيقِيًّا لِقُدْرَةِ المِنْطَقَةِ على الفِعْل، فَإِذا بِالعَرَبِ تَنْهارُ رِهاناتُهُمُ الأَمْنِيَّةُ كافَّة، وَتَقَعُ "كومْباوْنْداتِهِم" في قَلْبِ الخَطَر.
الأمن هو حصيلة تراكُم طويل من السياسات والقدرات والاستعدادات التي تُصاغ في زمن السّلم قبل الحرب
ظَلَّ "الأَمْنُ العَرَبِيُّ" تَعْبيرًا شائِعًا في البَياناتِ والخِطابات، وَعلى الرَّغْمِ مِنْ نَجاحِهِ كَجُمْلَةٍ اعْتِراضِيَّةٍ تاريخِيَّةٍ في حَرْبِ أُكْتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّلِ 1973، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَحَوَّلْ إلى مَنْظومَةٍ حَقيقِيَّةٍ وَمُسْتَدامَةٍ قادِرَةٍ على الفِعْل. لَمْ يَتَّفِقِ العَرَبُ على تَعْريفٍ مُوَحَّدٍ للتَّهْديد، وَلا على تَصَوُّرٍ مُشْتَرَكٍ لِمَصْدَرِه، وَلا حَتّى على آلِيّاتٍ جَماعِيَّةٍ لِمُواجَهَتِه. هَكَذا بَقِيَ المَفْهومُ مُعَلَّقًا في الهَواء، وَتَرَسَّخَتْ قَناعَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لَدى قِطاعاتٍ مِنْ صُنّاعِ القَرارِ بِأَنَّ الأَمْنَ يُمْكِنُ شِراؤُهُ أَوْ ضَمانُهُ عَبْرَ تَحالُفاتٍ أَثْبَتَتِ التَّجْرِبَةُ أَنَّها قَدْ تَخْضَعُ لِحِساباتٍ تَتَجاوَزُ بِكَثيرٍ المَصالِحَ العَرَبِيَّة، بَلْ قَدْ تَتَعارَضُ مَعَها أَحْيانًا.
في المُقابِل، لَمْ تَنْتَظِرْ إيرانُ ضَماناتٍ خارِجِيَّةً لِحِمايَةِ مَصالِحِها، بَلْ عَمِلَتْ على بِناءِ مَشْروعِها الخاصّ، مُعْتَمِدَةً على أَدَواتٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ القُوَّةِ الصَّلْبَةِ والنّاعِمَة، وَتَوْظيفِ إِمْكاناتِ القُوَّةِ الشّامِلَة، بِما في ذَلِكَ المَوْقِعُ الجُغْرافِيّ، في إِطارِ رُؤْيَةٍ اسْتْراتيجِيَّةٍ مُمْتَدَّةٍ عَبْرَ الزَّمَن. قَدْ يَخْتَلِفُ العَرَبُ حَوْلَ تَقْيِيمِ هَذا المَشْروع، لَكِنَّ ما لا يُمْكِنُ إِنْكارُهُ أَنَّهُ قائِمٌ على تَصَوُّرٍ واضِحٍ لِلأَمْنِ بِوَصْفِهِ امْتِدادًا لِلْقُدْرَةِ الذّاتِيَّة، لا تَعْويضًا عَنْ غِيابِها. وَهُنا يَتَجَلّى التَّناقُضُ الحادُّ بَيْنَ نَموذَجٍ يَبْني نُفوذَهُ انْطِلاقًا مِنَ الدّاخِل، وَآخَرَ يُراهِنُ على الخارِجِ لِتَعْويضِ ما يَفْتَقِدُهُ في الدّاخِل.
أبسط تعريف للأمن لدى أيّ أمّة أن تكون قادرة على حماية نفسها والدفاع عن مصالحها بنفسها
جاءَتِ الحَرْبُ الأَخيرَةُ لِتَكْشِفَ هَذا التَّبايُنَ بِوُضوحٍ أَكْبَر. لَمْ يَكُنْ هَذا مُجَرَّدَ خَلَلٍ عابِرٍ، بَلْ تَعْبيرًا عَنْ أَزْمَةٍ أَعْمَقَ تَتَعَلَّقُ بِطَريقَةِ فَهْمِ الأَمْنِ ذاتِه. فالأَمْنُ لا يُسْتَدْعى عِنْدَ الطَّوارِئ، وَلا يُبْنى في لَحْظَةِ الخَطَر، بَلْ هُوَ حَصيلَةُ تَراكُمٍ طَويلٍ مِنَ السِّياساتِ والقُدُراتِ والِاسْتِعْداداتِ التي تُصاغُ في زَمَنِ السِّلْمِ قَبْلَ الحَرْب. وَلا يُمْكِنُ اخْتِزالُهُ في صَفَقاتِ السِّلاحِ وفي التَّحالُفاتِ الخارِجِيَّة، بَيْنَما يَتِمُّ تَجاهُلُ الأَبْعادِ الأَبْسَطِ التي تُشَكِّلُ جَوْهَرَ القُوَّةِ في العَصْرِ الحَديث، وَأَوَّلُها تَطْويرُ القُدُراتِ الذّاتِيَّةِ الشّامِلَة.
إِنَّ أَبْسَطَ تَعْريفٍ لِلأَمْنِ لَدى أَيِّ أُمَّةٍ أَنْ تَكونَ قادِرَةً على حِمايَةِ نَفْسِها والدِّفاعِ عَنْ مَصالِحِها بِنَفْسِها مِنْ دونِ انْتِظارِ تَقاطُعِ تِلْكَ المَصالِحِ مَعَ مَصالِحِ قُوًى خارِجِيَّة، مِنْ هُنا تَبْرُزُ الحاجَةُ إلى إِعادَةِ تَعْريفٍ جِذْرِيَّةٍ لِمَفْهومِ الأَمْنِ العَرَبِيّ، تُعَزِّزُ بِناءَ القُدْرَةِ الذّاتِيَّة، والتَّحَرُّرَ مِنَ الِارْتِهانِ لِلْخارِج.. وَمِنْ دونِ حَدٍّ أَدْنى مِنَ التَّكامُل، وَتَصَوُّرٍ مُشْتَرَكٍ للتَّهْديدات، سَيَظَلُّ الأَمْنُ العَرَبِيُّ مُرْتَكِزًا على قاعِدَةِ "إلى الأَمامِ يا روميل"!.
(خاص "عروبة 22")

