للمضايق والممرات البحرية أهمية جيوسياسية وعسكرية وجغرافية كبرى بالنسبة للعالم، كونها شريان الحياة للاقتصاد العالمي بسبب مرور نحو 80 ــ 90% من التجارة الدولية عبر مياهها. وبالتالي فهي تلعب دوراً حاسماً في أمن الطاقة وسلاسل التوريد العالمية (في عام 2023 مثلاً، مرت عبرها بضائع تفوق قيمتها الإجمالية 8 تريليونات دولار). إلى ذلك، تلعب المضايق دوراً هاماً في الحروب والمواجهات العسكرية، وورقة ضغط استراتيجية للدول المشاطئة.
وعلى الرغم من وجود مضايق وممرات بحرية كثيرة في العالم شرقاً وغرباً مثل مضائق ملقا وتايوان والدردنيل، وباب المندب، إلا أن "مضيق هرمز" الرابط بين الخليج العربي وخليج عمان والمؤدي إلى مياه بحر العرب والمحيط الهندي استحوذ على الاهتمام الأكبر عالمياً، وتحديداً منذ عام 1979، أي العام الذي تأسس فيه ما يعرف اليوم باسم "جمهورية إيران الإسلامية". ذلك أنه قبل هذا التاريخ كان مضيق هرمز معبراً مائياً يسوده السلام، وتمر به تجارة العالم دون مخاوف أو تهديدات أو استفزازات.
وبعبارة أخرى بدأت المتاعب منذ أن تحولت إيران إلى نظام مارق مزعزع للأمن والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم بأسره، من خلال الشعارات الجوفاء والأحلام الطوباوية وسياسات التوسع والهيمنة وعمليات الإرهاب وعسكرة المياه والأجواء. وهكذا صار المضيق مذاك من أكثر الأسماء تداولاً في وسائل الإعلام العربية والعالمية المختلفة، وفي مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية، وفي المنتديات الفكرية الدولية.
ويشهد التاريخ أن دول الخليج العربية المشاطئة أو المجاورة، لم تلجأ يوما للتلويح، دعك من التنفيذ، باستخدام هذا الممر كورقة ضغط أو مساومة، على الرغم من كل الاعتداءات والمناوشات والتهديدات من قبل الطرف الإيراني. وذلك تمسكاً منها بمبادئ السلم والأمن العالميين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وإيماناً راسخاً بحق دول العالم وشعوبها في الاستفادة من المضيق في النقل البحري الآمن للطاقة ومختلف السلع الأخرى تصديراً وتوريداً.
وإذا أردنا أن نستعرض بعضاً من جرائم النظام الإيراني التوسعي، فيمكننا كتابة المجلدات في هذا الشأن. ولا سيما لجهة الإخلال بأحكام العبور الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقواعد العرفية المنظمة للملاحة، وتحويل المضيق إلى بؤرة توتر دائمة، بل واتخاذه رهينة لتهديد مصالح العالم وابتزازه عبر التلويح بين فينة وأخرى بإغلاقه أمام الملاحة.
فمن خروقاتها، توسعة مياهها الإقليمية من طرف واحد، ثم قيامها في ثمانينات القرن الماضي بإصدار قانون بحري يفرض اشتراطات مثل الحصول على إذن لعبور السفن الحربية والغواصات والسفن النووية الأجنبية، ثم إعلانها بأن حق عبور المضيق يشمل فقط الدول الأطراف. وإبان الحرب الإيرانية العراقية تسبب النظام الإيراني في تحويل المضيق إلى مسرح لما عرف بحرب الناقلات من خلال تهديدها بإغلاق المضيق أمام الملاحة البحرية، ما استدعى تدخلاً أمريكياً لإبقاء هذا الممر الحيوي مفتوحاً.
هذا التدخل الذي تكرر حينما قامت البحرية الإيرانية سنة 1988 بزرع ألغام في مياه المضيق الدولية، مع إرسال مقاتلاتها للتحليق فوق المنطقة مما تسبب في إصابة سفينة حربية أمريكية بأضرار، وإسقاط الأمريكيين لطائرة إيرانية مدنية خطأ بعد أن اشتبهوا في أنها طائرة مقاتلة. وبسبب أجواء التوتر التي خلقها النظام الإيراني في المنطقة، حدث في عام 2007 اصطدام بين غواصة نووية أمريكية وناقلة نفط يابانية عملاقة، لكن دون إصابات أو تسرب نفطي.
وتكرر مثل هذه الحادثة، وللأسباب ذاتها في عام 2009 حينما اصطدمت غواصة أمريكية بسفينة إنزال برمائية، الأمر الذي نجم عنه إصابات بشرية وتسرب وقود الديزل في مياه الخليج. وفي يوليو سنة 2008 هدد أحد مساعدي المرشد الإيراني بأن ناقلات الشحن الأمريكية في الخليج ستكون أول أهداف "قوات الحرس الثوري"، وسيتم حرقها. وفي عام 2015 اعتدت البحرية الإيرانية على إحدى سفن الحاويات، بعد أن رفض قبطانها في بادئ الأمر أوامر بالتحرك إلى داخل المياه الإقليمية الإيرانية لاحتجازها وابتزاز ملاحيها،
وفي الفترة التالية لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وقيام واشنطن بتشديد العقوبات ضدها، تكررت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز أكثر مرة. واقترنت في عام 2018 بتجارب لصواريخ باليستية فوق المضيق باتجاه منطقة اختبار في صحراء إيران، ناهيك عن اقترانها بتصاريح عنترية مثل قول قائد الجيش الجنرال محمد باقري: "إذا لم يعبر نفطنا مضيق هرمز، فلن يعبر نفط الآخرين".
واللافت أنه مذاك راحت إيران تكرر احتجاز السفن التجارية وتهددها بالقصف، وتهاجم ناقلات النفط الأسيوية المتجهة من وإلى أقطار الخليج العربية بزعم ارتكابها مخالفات بيئية. وبطبيعة الحال استدعت هذه الأعمال الإجرامية الطائشة تكثيف التواجد العسكري الأمريكي والأوروبي في مياه المضيق لتأمينها ضد القرصنة والاستفزازات الإيرانية. وهكذا استمرت الأحوال مضطربة في هرمز، بسب عنجهية النظام الإيراني أولاً وأخيراً، وصولاً إلى ما يشهده المضيق اليوم من أجواء قاتمة، خصوصاً بعد تأكيد الحرس الثوري رسمياً أن المضيق مغلق، وأن أي سفينة تحاول دخوله سيتم إشعال النار فيها.
ونختتم بالإشارة إلى أن مغامرات إيران وحماقاتها في مضيق هرمز، أدت إلى قيام كل من السعودية والإمارات بتحصين نفسيهما ضد احتمالات إغلاق المضيق وتوقف إمداداتهما النفطية إلى العالم. فأنفقتا مليارات الدولارات على مشاريع تغنيهما عن استخدام مضيق هرمز، مثل خط أنابيب النفط من شرق السعودية إلى غربها، وخط أنابيب نفط حبشان الفجيرة الإماراتي.
(البيان الإماراتية)

