اقتصاد ومال

أَزْمَةُ الدُّيونِ وَتَدَهْوُرُ الجُنَيْه والتَّضَخُّمُ في مِصْر... هَل مِنْ مَخْرَج؟

يُعاني الِاقْتِصادُ المِصْرِيُّ مِنْ أَزْمَةِ سِياساتٍ غَيْرِ موفَّقَةٍ أَنْتَجَتْ مَشاكِلَهُ الرَّئيسِيَّة، وَبِخاصَّةٍ الدُّيونَ الدّاخِلِيَّةَ والخارِجِيَّةَ والتَّدَهْوُرَ الكَبيرَ في سِعْرِ صَرْفِ الجُنَيْهِ المِصْرِيّ، بِكُلِّ نَتائِجِها على التَّضَخُّمِ وَمُسْتَوَياتِ المَعيشَة. وَقَدَّمَ البَعْضُ مُقْتَرَحاتٍ لِمُعالجَتِها، وَقَدَّمْتُ قِراءَةً نَقْدِيَّةً لِتِلْكَ المُقْتَرَحاتِ في مَقالاتٍ سابِقَة. وَتَرْتَبِطُ أَيُّ مُعالَجَةٍ فَعّالَةٍ لِتِلْكَ المَشاكِلِ بِإِجْراءِ إِصْلاحٍ اقْتِصادِيٍّ شامِل، لِتَحْقيقِ النُّهوضِ الِاقْتِصادِيِّ الوَطَنِيِّ بِالِاعْتِمادِ على الذّاتِ بِصورَةٍ رَئيسِيَّة، وَبِتَطْويرِ القِطاعاتِ الإِنْتاجِيَّة، والإِحْلالِ مَحَلَّ الوارِدات، وَتَعْزيزِ القُدُراتِ التَّصْديرِيَّة، واحْتِرامِ مَدَنِيَّةِ النَّشاطِ الِاقْتِصادِيِّ التي يُمْكِنُها اسْتِنْهاضُ الِاسْتِثْماراتِ المَحَلِّيَّة، وَجَذْبُ الِاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّةِ الفَعّالَة. وَقَبْلَ تَناوُلِ العَناوينِ الرَّئِيسِيَّةِ لِهَذا الإِصْلاحِ الِاقْتِصادِيّ، لا بُدَّ مِنْ رَصْدٍ سَريعٍ لِواقِعِ الِاقْتِصادِ المِصْرِيِّ حالِيًّا.

أَزْمَةُ الدُّيونِ وَتَدَهْوُرُ الجُنَيْه والتَّضَخُّمُ في مِصْر... هَل مِنْ مَخْرَج؟

تَتَلَخَّصُ الصّورَةُ العامَّةُ لِلِاقْتِصادِ المِصْرِيِّ في وُجودِ عَجْزٍ تِجارِيٍّ قِياسِيٍّ بَلَغَ 51 مِلْيارَ دولارٍ في العامِ المالِيِّ 2024/2025. وَهَذا العَجْزُ يَعْكِسُ حَقيقَةَ أَنَّ مِصْرَ تُنْتِجُ وَتُصَدِّرُ أَقَلَّ كَثيرًا مِمّا تَسْتَهْلِكُ وَتَسْتَوْرِد، وَهِيَ نُقْطَةُ الضَّعْفِ الرَّئيسِيَّةُ لِلِاقْتِصادِ المِصْرِيّ، والتي لا تَقْتَرِبُ السِّياساتُ الِاقْتِصادِيَّةُ مِنْ مُعالجَتِها!.

لإيقاف الإنفاق الإسمنتي والتركيز على القطاعات الإنتاجية والإنفاق على التعليم والبحث العلمي والصحة

وَفي السِّياقِ نَفْسِه، بَلَغَ عَجْزُ ميزانِ دَخْلِ الِاسْتِثْمارِ نَحْوَ 15,9 مِلْيارَ دولارٍ في العامِ المالِيِّ 2024/2025، وَهُوَ عَجْزٌ سَيَتَفاقَمُ كَثيرًا طالَما اسْتَمَرَّتْ خَطيئَةُ السَّماحِ بِالِاسْتِثْمارِ العَقارِيِّ لِلشَّرِكاتِ الأَجْنَبِيَّةِ والشَّرِكاتِ "المِصْرِيَّةِ" المُسَجَّلَةِ في الخارِج.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ ضَخامَةِ تَحْويلاتِ العامِلينَ في الخارِجِ التي بَلَغَتْ 36,5 مِلْيارَ دولارٍ، وَفائِضِ تِجارَةِ الخِدْماتِ الذي بَلَغَ نَحْوَ 15,1 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2024/2025، إِلّا أَنَّ ميزانَ الحِسابِ الجارِي الذي يَجْمَعُ الميزانَ التِّجارِيَّ وَميزانَ تِجارَةِ الخِدْماتِ وَميزانَ دَخْلِ الِاسْتِثْمارِ والتَّحْويلات، يُسْفِرُ عَنْ عَجْزٍ بَلَغَ 1,2%، وَ5,4%، وَ5,1% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ في الأَعْوامِ 2023، وَ2024، وَ2025 على التَّوالي. وَفي ظِلِّ ذَلِكَ العَجْز، ارْتَفَعَ سِعْرُ الدّولارِ مُقابِلَ الجُنَيْهِ المِصْرِيِّ مِنْ 7 جُنَيْهاتٍ عامَ 2014، إلى نَحْوِ 52 جُنَيْهًا لِلدّولارِ حالِيًّا، بِنِسْبَةِ ارْتِفاعٍ بَلَغَتْ 643% خِلالَ الفَتْرَةِ المَذْكورَة. وَتَرَتَّبَ على ذَلِكَ ارْتِفاعُ أَسْعارِ السِّلَعِ والخِدْماتِ المُسْتَوْرَدَةِ بِالنِّسْبَةِ نَفْسِها، مِمّا أَدّى إلى ارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ إلى 24,4%، وَ33,3%، وَ20,4% في الأَعْوامِ 2023، وَ2024، وَ2025 على التَّوالي، الأمْرُ الذي ضَغَطَ على مُسْتَوَياتِ مَعيشَةِ الفُقَراءِ والطَّبَقَةِ الوُسْطى، وَقَلَّلَ القُدْرَةَ الشِّرائِيَّةَ لِلرَّواتِبِ والمَعاشات.

يجب الحصول على قروض طويلة الأجل تُخصّص لسداد الديون قصيرة الأجل

كَما تَراجَعَ مُعَدَّلُ الِادِّخارِ إلى 1,2% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ عامَ 2024/2025، مُقارَنَةً بِنَحْوِ 32% في الدُّوَلِ مُتَوَسِّطَةِ الدَّخْلِ التي تُعْتَبَرُ مِصْرُ واحِدَةً مِنْها. أَمّا مُعَدَّلُ الِاسْتِثْمارِ المُحَرِّكُ لِلنُّموّ والتَّطَوُّرِ الِاقْتِصادِيّ، فَقَدْ بَلَغَ 12,9% عامَ 2024/2025، مُقارَنَةً بِنَحْوِ 26% في المُتَوَسِّطِ العالَمِيّ. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ تَدَنّيه، إِلّا أَنَّ هُناكَ فَجْوَةً كَبيرَةً في المَوارِدِ بَلَغَتْ 11,7% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ في العامِ المَذْكور. أَمّا الدَّيْنُ الخارِجِيُّ فَقَدْ بَلَغَ 164 مِلْيارَ دولارٍ في بِدايَةِ العامِ الحالِيّ، وَبَلَغَتْ مُخَصَّصاتُ سَدادِ أَقْساطِهِ وَفَوائِدِهِ في الموازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ لِلعامِ 2025/2026، نَحْوَ 732 مِلْيارَ جُنَيْه. بَينَما بَلَغَ الدَّيْنُ المَحَلِّيُّ نَحْوَ 77,1% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ عامَ 2025، بِما يُعادِلُ نَحْوَ 13 تْريلْيونَ جُنَيْه، بِنِسْبَةِ زِيادَةٍ قَدْرُها 616% عَنْ قيمَتِهِ في يونْيو/حُزَيْرانَ 2014. وَبَلَغَتْ مُخَصَّصاتُ سَدادِ أَقْساطِهِ وَفَوائِدِهِ نَحْوَ 3,9 تْريلْيوناتِ جُنَيْهٍ في العامِ الحالِيّ. وَبَعْدَ كُلِّ تِلْكَ المُؤَشِّرات، يَبْقَى التَّساؤُلُ الأَساسِيّ: هَلْ مِن مَخْرَج؟.

الحُلولُ المُمْكِنَةُ لِلخُروجِ مِنَ الأَزْمَة

يَكْمُنُ المَخْرَجُ في إِحْداثِ تَغْييرٍ جَوْهَرِيٍّ في السِّياساتِ الِاقْتِصادِيَّةِ واحْتِرامِ مَدَنِيَّةِ النَّشاطِ الِاقْتِصادِيّ، وَإيقافِ الإِنْفاقِ الإِسْمَنْتِيِّ على اسْتِثْماراتِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ والعَقارِيَّةِ العامَّة، والتَّوَجُّهِ نَحْوَ تَرْكيزِ الِاسْتِثْماراتِ العامَّةِ والخاصَّةِ على القِطاعاتِ الإِنْتاجِيَّةِ لِإِحْلالِ مُنْتَجاتٍ مَحَلِّيَّةٍ مَحَلَّ الكَثيرِ مِنَ الوارِدات، وَإِتاحَةِ جانِبٍ مِنَ الإِنْتاجِ لِلتَّصْدير، لِتَحْقيقِ التَّوازُنِ في الميزانِ التِّجارِيِّ المُخْتَلّ، والتَّرْكيزِ أَيْضًا على الإِنْفاقِ على التَّعْليمِ والبَحْثِ العِلْمِيِّ والصِّحَّةِ كَرَوافِعَ رَئيسِيَّةٍ لِلنُّهوضِ الِاجْتِماعِيِّ - الِاقْتِصادِيّ.

وَهُناكَ ضَرورَةٌ قُصْوى لِإِنْهاءِ خَطيئَةِ الدُّيونِ الخارِجِيَّةِ قَصيرَةِ الأَجَل، بِالحُصولِ على قُروضٍ طَويلَةِ الأَجَلِ تُخَصَّصُ لِسَدادِ الدُّيونِ قَصيرَةِ الأَجَلِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ ضُغوطِها وَرَزاياها.

وَيَجِبُ مَنْعُ الشَّرِكاتِ الأَجْنَبِيَّةِ والمِصْرِيَّةِ المُسَجَّلَةِ في الخارِج، مِنَ المُشارَكَةِ في الِاسْتِثْماراتِ العَقارِيَّةِ وَمِنْ شِراءِ سَنَدات وَأُذونِ الخِزانَة، لِأَنَّها تَتَحَوَّلُ إلى عامِلِ اسْتِنْزافٍ لِحَصيلَةِ مِصْرَ مِنَ النَّقْدِ الأَجْنَبِيِّ لَدى تَحْويلِ أَرْباحِها إلى الخارِج.

كَما يَنْبَغي التَّوَقُّفُ عَنْ سِياسَةِ تَخْفيضِ سِعْرِ صَرْفِ الجُنَيْهِ المِصْرِيِّ التي أَشْعَلَتِ التَّضَخُّمَ بِكُلِّ تَبِعاتِهِ على مُسْتَوَياتِ المَعيشَةِ وَمُعَدَّلِ الفَقْر، خاصَّةً وَأَنَّ سِعْرَهُ الحالِيّ، يَقِلُّ عَنْ سُدُسِ قيمَتِهِ وِفْقًا لِتَعادُلِ القُوى الشِّرائِيَّة. وَفي السِّياقِ نَفْسِهِ يَجِبُ ضَبْطُ الأَسْعارِ وَحِمايَةُ المُسْتَهْلِكِ مِنَ التَّسْعيرِ الِاحْتِكارِيِّ لِلسِّلَعِ والخِدْمات.

أَمّا الموازَنَةُ العامَّةُ لِلدَّوْلَةِ التي تَعاني مِنْ عَجْزٍ كَبير، والمُكَبَّلَةُ بِمَدْفوعاتٍ هائِلَةٍ لِلفائِدَةِ وَأَقْساطِ الدُّيون، فَإِنَّ هُناكَ ضَرورَةً لِإِعادَةِ جَدْوَلَةِ الدُّيونِ المَحَلِّيَّةِ مَعَ الدّائِنينَ المَحَلِّيّينَ (البُنوك) لِتَخْفيضِ الفَوائِدِ على الدُّيونِ القَديمَةِ والجَديدَةِ مَعًا.

ضرورة استعادة وحدة الموازنة العامة وتشديد مكافحة الفساد

كَما أَنَّ هُناكَ ضَرورَةً لِحَصْرِ التَّصَرُّفِ في أَراضي الدَّوْلَةِ المُخَصَّصَةِ لِلِاسْتِثْمارِ الزِّراعِيِّ والعَقارِيِّ والصِّناعِيِّ والمَنْجَمِيّ، بِالدَّوْلَةِ المَدَنِيَّةِ وَحْدَها، لِيَدْخُلَ العائِدُ إلى الموازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَة، بِما يُؤَدّي لِتَحْقيقِ زِيادَةٍ كَبيرَةٍ في الإِيراداتِ العامَّةِ وَتَقْليلِ أَوْ إِنْهاءِ العَجْزِ في الموازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَة. كَما يُمْكِنُ تَنْشيطُ الإِيراداتِ العامَّةِ عَبْرَ تَوْسيعِ الأَوْعِيَةِ الضَّريبِيَّةِ لِتَشْمَلَ المَكاسِبَ الرَّأْسْمالِيَّة، وَعَبْرَ إِلْغاءِ الإِعْفاءِ الضَّريبِيِّ الذي تَتَمَتَّعُ بِهِ شَرِكاتُ جِهازِ الخِدْمَةِ الوَطَنِيَّةِ التي تَعْمَلُ في الِاقْتِصادِ المَدَنِيّ. وَهُناكَ ضَرورَةٌ لِاسْتِعادَةِ وَحْدَةِ الموازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَة. كَما يُمْكِنُ تَحْسينُ مُعَدَّلِ الِادِّخارِ البائِسِ كُلِّيًّا، عَبْرَ تَرْشيدِ الإِنْفاقِ العامّ، وَتَبَنّي سِياساتٍ نَقْدِيَّةٍ مَرِنَةٍ وَعادِلَةٍ لِتَشْجيعِ الِادِّخار، وَرَفْعِ مُعَدَّلاتِ التَّأْمينِ على الأُجورِ لِرَفْعِ مُعَدَّلِ الِادِّخارِ الإِجْبارِيّ.

وَهُناكَ ضَرورَةٌ لِتَشْديدِ آلِيّاتِ مَنْعِ وَمُكافَحَةِ الفَسادِ لِحِمايَةِ المالِ العامِّ وَمَنْعِ تَبْديدِه. وَهَذا الأَمْرُ يَتَطَلَّبُ إِلغاءَ القانونِ رَقم 32 لِعامِ 2014 والذي يَقْضي بِتَحْصينِ العُقودِ العامَّةِ مِنْ دَعاوى البُطْلانِ مِنْ غَيْرِ طَرَفَيْها، لِأَنَّهُ يَحْمي الفَسادَ المُحْتَمَل، وَإِلغاءَ القانونِ 182 لِعامِ 2018 الذي فَتَحَ البابَ كُلِّيًّا أَمامَ الإِسْنادِ المُباشِرِ لِلأَعْمالِ العامَّةِ وَهُوَ بَوّابَةٌ كُبْرى لِلفَساد، والعَوْدَةَ إلى القانونِ 89 لِعامِ 1998 الذي يُقَيِّدُ ذَلِكَ الإِسْنادَ في أَضْيَقِ الحُدود. كَما يَنْبَغي تَوْقيعُ عُقوبَةِ الحِرْمانِ والِاسْتِبْعادِ النِّهائِيِّ مِنَ المُشارَكَةِ في أَيِّ مُقاوَلاتٍ عامَّةٍ على الشَّرِكاتِ التي تَحْصُلُ على مُقاوَلاتِ تَنْفيذِ الأَعْمالِ العامَّةِ عَبْرَ المُناقَصاتِ أَوِ بِالإِسْنادِ المُباشِر، ثُمَّ تَقومُ بِإيكالِ تَنْفيذِها لِشَرِكاتٍ أُخْرى، لِأَنَّها بِذَلِكَ السُّلوكِ لا تَعْدو كَوْنَها سِمْسارًا لِلمُقاوَلاتِ العامَّةِ تَتَرَبَّحُ على حِسابِ مُقاوِلي التَّنْفيذِ والمالِ العامِّ مَعًا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن