الحَقيقَة، أَنَّ مُعْضِلَةَ الحَرْبِ الأَميرِكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيرانَ وَحُروبَ تَلِّ أَبيبَ في مُواجَهَةِ "حِزْبِ الله"، تَطْرَحُ أَسْئِلَةً مُؤَجَّلَةً مَثَّلَتِ العامِلَ الرَّئيسِيَّ وَراءَ تَأَخُّرِ الجَوْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ المُفاوَضات، التي باتَتْ فُرَصُ نَجاحِها 50+1 أَيْ على الحافَّة، فَكَما أَعْلَنَ ترامب على مَدارِ أُسْبوعَيْنِ أَنَّهُ سَيُوَقِّعُ على اتِّفاقٍ مُمْتازٍ وَرائِعٍ مَعَ طَهْران، كَانَ يَقولُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ إِنَّهُ سَيَسْتَأْنِفُ الحَرْبَ وَسَيَضْرِبُها مَرَّةً أُخْرى.
والحَقيقَةُ أيضًا، أَنَّ فُرْصَةَ عَقْدِ تَسْوِيَةٍ شامِلَةٍ بَيْنَ إيرانَ وَأَميرْكَا وارِدَةٌ وَرُبَّما تَكونُ راجِحَةً إِذا عَرَفَتْ طَهْرانُ أَنَّ هَذِهِ التَّسْوِيَةَ سَتَضَعُها أَمامَ أَسْئِلَةٍ كُبْرى تَتَجاوَزُ نُصوصَ اتِّفاقِ وَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ لِتَصِلَ إلى عَوْدَةِ إيرانَ كَبَلَدٍ طَبيعِيٍّ صاحِبِ تاريخٍ وَحَضارَةٍ كَبيرَةٍ وَمُجْتَمَعٍ حَيَوِيٍّ وَثَقافَةٍ عَريقَة، وَتَطْرَحُ أَسْئِلَةً حَوْلَ حَصيلَةِ نَموذَجِها وَخِبْرَتِها السِّياسِيَّةِ عَقِبَ ثَوْرَتِها في 1979، وَهَلْ أَنَّ مَعْرَكَةَ المَشْروعِ النَّوَوِيِّ هِيَ الأَساسُ الذي تُبْنى عَلَيْهِ نَهْضَةُ الأُمَمِ واسْتِقْلالُها الوَطَنِيُّ أَمْ هُناكَ جَوانِبُ أُخْرى تَتَعَلَّقُ بِالتَّنْمِيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ والفاعِلِيَّةِ السِّياسِيَّةِ والتَّأْثيرِ الدَّوْلِيّ؟ وَهَلِ التَّمَرُّدُ على المَنْظومَةِ الدَّوْلِيَّةِ مِنْ خارِجِها واسْتِخْدامُ أَدَواتٍ لَفَظَتْها مُعْظَمُ الدُّوَلِ هُوَ خِيارٌ صَحيح؟ أَمْ أَنَّ العالَمَ أَصْبَحَ يَضُمُّ مِنْ ناحِيَةٍ دُوَلًا تَقودُ النِّظامَ الدَّوْلِيَّ وَأُخْرى تابِعَةً لَها، في مُواجَهَةِ نُظُمٍ أُخْرى تُعارِضُ هَذِهِ المَنْظومَةَ وَتَخْتَلِفُ مَعَها مِنْ داخِلِها، وَتُواجِهُ سَلْبِيّاتِها وَعَدَمَ عَدالَتِها عَبْرَ أَدَواتِ الضَّغْطِ الشَّعْبِيِّ والسِّياسِيِّ والقانونِيِّ مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى.
يجِب أن يكون لدى إيران قناعة بأنها تحتاج إلى صيغ جديدة "للتموضع" داخل المنظومة الدولية
أَمّا النَّموذَجُ الإيرانِيُّ فَسَعى إلى تَقْويضِ المَنْظومَةِ الدَّوْلِيَّةِ بِأَدَواتٍ كانَتْ مَحَلَّ رَفْضٍ مِنْ جيرانِهِ وَمِنْ مُعْظَمِ دُوَلِ العالَمِ بِما فيها دُوَلٌ عارَضَتِ السِّياساتِ الأَميرِكِيَّة، وَهُنا سَيُطْرَحُ السُّؤالُ في حالِ انْتِهاءِ الحَرْب: هَلْ سَتُعارِضُ إيرانُ مِنْ داخِلِ النِّظامِ الدَّوْلِيِّ وَسَتُعيدُ النَّظَرَ في سِياسَةِ الأَذْرُعِ والوُكَلاء؟ أَمْ سَتَسْتَمِرُّ بِشَكْلٍ جَديدٍ في السِّياساتِ القَديمَةِ نَفْسِها؟.
مُعْضِلَةُ إيرانَ لَيْسَتْ فَقَطْ في التَّوْقيعِ على اتِّفاقٍ مُلْزِمٍ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ يُفَكِّكُ بَرْنامَجَها النَّوَوِيَّ أَوْ يُجَمِّدُهُ لِعَشْرَةِ أَعْوامٍ أَوْ لِعِشْرينَ عامًا وَلا في وَضْعِ قُيودٍ على بَرْنامَجِها الصّاروخِيّ، إِنَّما يَجِبُ أنْ يَكونَ لَدَيْها قَناعَةٌ بأنها تَحْتَاجُ إلى صِيَغٍ جَديدَةٍ "لِلتَّمَوْضُعِ" داخِلَ المَنْظومَةِ الدَّوْلِيَّة، لِيُصْبِحَ النَّموذَجُ الإيرانِيُّ عُنْصُرَ جَذْبٍ لِلْبَعْضِ أَوْ رَفْضٍ لِلْبَعْضِ الآخَرِ وَلَيْسَ نَموذَجًا يُفْرَضُ بِتَنْظيمٍ مُسَلَّحٍ أَوْ بِتَهْديدِ السِّلْمِ الأَهْلِيِّ واتِّخاذِ قَرارِ الحَرْبِ نِيابَةً عَنِ الدَّوْلَة.
إِذَا تَوَقَّفَتِ الحَرْب، هَلْ يُمْكِنُ لِلنِّظامِ السِّياسِيِّ الإيرانِيِّ أَنْ يَقْبَلَ بِحُضورٍ سِياسِيٍّ وَثَقافِيٍّ في لُبْنانَ والعِراقِ واليَمَنِ وَلَيْسَ عَسْكَرِيًّا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَقْتَنِعَ تَنْظيمٌ مِثْلُ "حِزْبِ اللهِ" مَهْما كَانَ نُبْلُ شِعاراتِهِ المُعْلَنَةِ بِمُقاوَمَةِ الِاعْتِداءاتِ الإِسْرائيلِيَّةِ، بِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ في تاريخِ أَيِّ بَلَدٍ أَنْ قامَ تَنْظيمٌ مُسَلَّحٌ بِتَوْريطِ بَلَدٍ بِأَكْمَلِهِ في حَرْبِ إِسْنادٍ لِدَوْلَةٍ أُخْرى رَفَضَها أَغْلَبُ الشَّعْبِ اللُّبْنانِيّ، وَمَعَ ذَلِكَ أَشْعَلَها لِصالِحِ الدِّفاعِ عَنْ مَشْروعِ دَوْلَةٍ اُخْرى؟.
الدَّوْرُ الخارِجِيُّ لِكُلِّ دَوْلَةٍ إِقْليمِيَّةٍ كُبْرى طَبيعِيٌّ، فَهُوَ دَوْرٌ تَقومُ بِهِ تُرْكْيا وَإيرانُ والسُّعودِيَّةُ وَباكِسْتانُ والهِنْد، وَقامَتْ بِهِ مِصْرُ في السِّتّينِيّات، وَلَكِنَّ الفارِقَ أَنَّ هَذا الدَّوْرَ يَعْتَمِدُ غالِبًا على أَدَواتٍ أُخْرى غَيْرِ الأَداةِ العَسْكَرِيَّة، أَيْ سِياسِيَّةٍ واقْتِصادِيَّةٍ وَثَقافِيَّةٍ وَأَحْيانًا دينِيَّةٍ وَمَذْهَبِيَّة، وَيُفْتَرَضُ أَنْ يَعِيَ أَنَّ الدَّوْرَ العَسْكَرِيَّ غَيْرُ مُطْلَقِ اليَدَيْنِ وَيَجِبُ أَنْ يُراجَعَ عِنْدَ لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِمَعْرِفَةِ حَصيلَتِهِ وَما إِذَا كانَ قَدْ حَقَّقَ نَجاحًا أَمْ لا؟.
اختارت إيران سياسة الأذرع لفرض هيمنتها على دول المنطقة وهدّدت تماسكها المجتمعي
والحَقيقَةُ أَنَّ إيرانَ فَعَلَتِ العَكْسَ تَمامًا فَقَدِ اسْتَمَرَّتْ في دَعْمِ النِّظامِ السّاقِطِ في سورْيا حَتّى النِّهايَة، وَشارَكَتْهُ في ارْتِكابِ جَرائِمَ مُخْزِيَةٍ بِحَقِّ الشَّعْبِ السّورِيِّ تَرَكَتْ جِراحًا لَمْ تَنْدَمِلْ بَعْد، كَما أَنَّها لَمْ تُمَيِّزْ بَيْنَ دَعْمِها لِـ"حِزْبِ اللهِ" أَثْناءَ قِيادَتِهِ لِحَرْبِ تَحْريرِ الجَنوبِ كَنَموذَجٍ لِحَرْبِ تَحْريرٍ وَطَنِيَّةٍ ناجِحَة "كَما يَقولُ الكِتاب"، وَبَيْنَ حَرْبِ "إِسْنادِ غَزَّةَ" وَحَرْبِ "إِسْنادِ إيرانَ" اللَّتَيْنِ دَخَلَهُما "حِزْبُ اللهِ" وَرَفَضَتْهُما الغالِبِيَّةُ العُظْمى مِنَ اللُّبْنانِيّينَ بِمَنْ فيهِمْ جانِبٌ مِنْ حاضِنَتِهِ الشّيعِيَّة، وَكانَتِ النَّتائِجُ سَيِّئَةً على البَشَرِ والحَجَرِ والسِّلْمِ الأَهْلِيّ.
لَوْ وَصَلْنا إلى مَرْحَلَةِ ما بَعْدَ الحَرْب، فَإِنَّ السُّؤالَ الذي سَيُطْرَح: هَلْ سَتُراجِعُ إيرانُ نَموذَجَها وَتَدَخُّلَها في شُؤونِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الأُخْرى؟ لِأَنَّها لَوْ كانَتْ بِلا "تَدَخُّلاتٍ خَشِنَةٍ" لَوَجَدَتْ دَعْمًا مِنَ الشُّعوبِ العَرَبِيَّةِ وَدُوَلِ المِنْطَقَةِ في مُواجَهَةِ سِياساتِ الإِخْضاعِ والهَيْمَنَةِ الإِسْرائيلِيَّة، لَكِنَّها اخْتارَتْ سِياسَةَ الأَذْرُعِ لِفَرْضِ سِياساتِها وَهَيْمَنَتِها على دُوَلِ المِنْطَقَةِ وَهَدَّدَتْ تَماسُكَها المُجْتَمَعِيّ.
إِذا أَجابَتْ إيرانُ بِشَكْلٍ صَحيحٍ على أَسْئِلَةِ ما بَعْدَ الحَرْب، فَإِنَّها سَتَبْني نَموذَجَ نَجَاحٍ يُطَمْئِنُ جيرانَهُ وَقادِرٌ أَيْضًا على نَيْلِ ثِقَةِ شَعْبِهِ لِأَنَّهُ سَيَحْتَرِمُ السِّيادَةَ الوَطَنِيَّةَ لِلدُّوَلِ الأُخْرى كَما تُطَالِبُ إيرانُ لِنَفْسِها!.
(خاص "عروبة 22")

