سَتُسْفِرُ هَذِهِ الحَرْبُ عَنْ إِعادَةِ تَشْكيلٍ مُشَوَّهٍ لِما يَنْبَغي أَنْ تَكونَ عَلَيْهِ الأَرْضُ وَمَعْنى الحَياةِ في مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَفي المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ بِخاصَّة. سَيَتَّخِذُ هَذَا التَّشْوُّهُ مُسْتَوَياتٍ مُتَدَرِّجَةً على المَدى البَعيدِ تَبْدَأُ مِنْ تَدْميرِ شُروطِ الحَياةِ مِنْ مَدْخَلِ الإِخْلالِ بِالتَّوازُناتِ الطَّبيعِيَّة.
يُمْكِنُ لَنا هُنا أَنْ نَسْتَرْشِدَ بِتَقاريرِ الدِّراساتِ وَالتَّنْبيهاتِ الصّادِرَةِ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ جِهَةٍ مُتَخَصِّصَة، مِثْلَ شَبَكَةِ "Climate Action Network" وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الشَّبَكاتِ البيئِيَّةِ في العالَمِ وَالمُؤَسَّساتِ الأُمَمِيَّةِ التي أَصْدَرَتْ بَياناتٍ مُتَتالِيَةً تُدينُ فيها الهُجومَ الأَمِيرْكِيَّ - الإِسْرائِيلِيَّ على إِيرانَ وَلُبْنان.
تدمير البيئة مُعضلة وجودية تحمل في أضرارها على المدى البعيد فناءً حقيقيًا للنّوع البشري والحيواني والنباتي
لَمْ يَكُنْ هَدَفُ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ وَالمَواقِفِ التَّنْديدِيَّةِ سِياسِيًّا أَوْ تَحَيُّزًا، وَإِنَّما كانَ بيئِيًّا تَحْذيرِيًّا لِما تَحْمِلُهُ هَذِهِ الحَرْبُ مِنْ تَهْديداتٍ مُحَقَّقَةٍ ضِدَّ كَوْكَبِ الأَرْضِ تَتَجاوَزُ تَدْميرَ المُدُنِ وَالمُنْشَآتِ وَالفَتْكَ بِالبَشَر، لِأَنَّ المُدُنَ المُدَمَّرَةَ قابِلَةٌ لِلتَّجْديدِ وَالإِعْمار، وَالبَشَرَ الهالِكَ لَهُ نَسْلُهُ وَخَليفَتُهُ مِمّا يَعْني اسْتِمْرارَهُ وَتَجَدُّدَ الحَياة. أَمّا تَدْميرُ البيئَةِ وَالإِخْلالُ بِتَوازُناتِ الكَوْكَبِ الأَرْضِيّ، فَتِلْكَ مُعْضِلَةٌ وُجودِيَّةٌ تَحْمِلُ في أَضْرارِها على المَدى البَعيدِ فَناءً حَقيقِيًّا لِلنَّوْعِ البَشَرِيِّ وَالحَيَوانِيِّ وَالنَّباتِيِّ على حَدٍّ سَواء.
لَمْ تُعْطِ هَذِهِ الحَرْبُ لِمَعْنى "الأَنْثروبوسين" تِلْكَ الدَّلالاتِ المُرْتَبِطَةَ بِالتَّدْميرِ فَقَط، بَلْ تَجاوَزَتْ ما يَقْتَضيهِ المَفْهومُ لِكَيْ يَأْخُذَ دَلالَةَ الِاعْتِداءِ على الطَّبيعَةِ بِالقَصْدِ الذي يُماثِلُ دافِعَ الغَريزَةِ المَرَضِيَّة، وَلَيْسَ الِاعْتِداءَ الذي تُحَتِّمُهُ الضَّرورَةُ العَقْلانِيَّةُ وَمَنْطِقُ المَصالِح. لَقَدْ فَتَحَ هَذَا المَفْهومُ في ارْتِباطِهِ بِحَدَثِ الحَرْب، في سِياقِ الحَداثَةِ وَالعَوْلَمَة، أَسْئِلَةً مِنْ جيلٍ جَديدٍ حَوْلَ "القانونِ" وَ"المَصْلَحَة"، وَأَسْئِلَةً أُخْرى مُوازِيَةً حَوْلَ ما يَعْنيهِ العالَمُ بَعْدَ هَذِهِ الحَرْب.. هَل سَتَنْتَهي هَذِهِ الحَرْبُ وَتَعودُ الأُمورُ إلى سابِقِ عَهْدِها؟ أَمْ أَنَّ العالَمَ سَيَشْهَدُ مُنْعَطَفًا لا سابِقَ لَهُ في تاريخِ الإِنْسانِيَّة!.
أَكادُ أَجْزِمُ بِأَنَّ هَذا المُنْعَطَفَ سَيَكونُ "نُكوصِيًّا"، سَيَدْفَعُ بِالدُّوَلِ الكُبْرى بِوَاسِطَةِ طُغْيانِ خِياراتِها اللّيبيرالِيَّةِ "الْما فَوْق مُتَوَحِّشَة" إلى أَنْ تُحَوِّلَ مَعْناها لِلسّوقِ وَالرِّبْحِ كَمَرْجِعِيَّةٍ مُطْلَقَة، وإلى تَحْويلِ الإِنْسانِ إلى "كائِنٍ كارْبونِيٍّ" أَوْ "مُؤَثِّرٍ أَنْثروبوسينِيٍّ" مُحاصَرٍ بِكُلِّ أَنْواعِ الِاسْتِهْلاكِ وَنَوازِعِ الإِدْمانِ عَلَيْه.
لو كانت الحداثة قائمة على عقلانية سوية لدبّرت الحروب على نحو مختلف
إِنَّ سَعْيَ اللَّيبيرالِيَّةِ "ما فَوْق المُتَوَحِّشَة"، إلى صِناعَتِها لِلحُروبِ ضِدَّ البَشَرِيَّةِ وَالعَبَثِ بِالبيئَة، هو خَلْقٌ لِنَموذَجٍ يُرادُ مِنْهُ تَعْميمُهُ وَتَمَثُّلُهُ بَيْنَ المُجْتَمَعاتِ وَالأَفْراد. يَتَمَثَّلُ هَذَا النَّموذَجُ في ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ "هَوَسُ الِاسْتِهْلاك"، أَيِ التَّدْميرُ وَالِابْتِلاعُ بِلا حُدودٍ. فَلَمّا يَشْهَدُ العالَمُ تَدْميرَ البيئَةِ وَالإِفْحاشَ في القَتْلِ مِنْ طَرَفِ الدُّوَلِ الرّاعِيَةِ لِلدّيموقْراطِيَّةِ وَحُقوقِ الإِنْسانِ بِهَدَفِ السَّيْطَرَةِ مِنْ بابِ الطُّغْيان، سَيَحْدُثُ النُّكوصُ بِمُؤَثِّرٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ "القَلَقُ الكَوْكَبِيُّ" يَنْتَهي بِالأَفْرادِ وَالجَماعاتِ إلى التَّماهي بِاللّامَسْؤولِيَّةِ وَعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِأَيِّ شَيْءٍ اسْمُهُ احْتِرامُ مَبْدَأ الوُجودِ وَالبيئَةِ وَالقانون.
لَقَدْ أَشارَ العالِمُ الهولَنْدِيُّ بول كْروتْزِن (Paul Crutzen) مُبْدِعُ مَفْهومِ "الأَنْثروبوسين" إلى أَنَّ الإِنْسانَ وَهو يَتَحَوَّلُ إلى فاعِلٍ جِيولوجِيّ، يُؤَثِّرُ سَلْبًا على تَوازُناتِ الأَرْض، يَتَحَوَّلُ بِفِعْلِهِ مِنَ الكائِنِ الطَّبيعِيِّ إلى الكائِنِ الهَمَجِيّ، يَجْعَلُ مِنَ الحُروبِ لَحَظاتٍ مُعَلَّقَةً خارِجَةً عَنِ الِانْسِيابِيَّةِ الصَّحيحَةِ لِاتِّجاهاتِ التّاريخِ لِكَيْ تُعيدَ تَشْكيلَ الأَرْضِ إلى ما يُضَادُّ هُوِيَّتَها وَجَمالَها، وَفي ذَلِكَ كَشْفٌ عَنْ بَشاعَةِ الحَداثَةِ وَهِيَ تَفْصِلُ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالأَرْض. لَوْ كانَتِ الحَداثَةُ قائِمَةً على عَقْلانِيَّةٍ سَوِيَّةٍ لَدَبَّرَتِ الحُروبَ على نَحْوٍ مُخْتَلِفٍ وَلَحَدَّدَتْ مَعْنى المَصْلَحَةِ مَشْروطَةً بِالتَّوازُناتِ المَوْضوعِيَّةِ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالطَّبِيعَة!.
(خاص "عروبة 22")

