الزَّمَنَ السّوفْياتِيَّ وَلّى وَوَرِيثاهُ الرّوسِيُّ ثُمَّ الصّينِيُّ لا يُشْبِهانِ مورِثَهُما على أَيِّ نَحْو، فَإيرانُ التي كانَ يُنْظَرُ إِلَيْها بِاعْتِبارِها واحِدَةً مِنْ أَقْرَبِ حُلَفاءِ روسْيا والصّين، فَضْلًا عَنْ مَوْقِعِها الجُغْرافِيِّ شَديدِ الحَساسِيَّةِ والأَهَمِّيَّةِ لِكِلَيْهِما، هِيَ عُضْوٌ بارِزٌ في تَكَتُّلَيْنِ رَئيسِيَّيْنِ تَتَزَعَّمُهُما موسْكو وَبِكين، هُما تَجَمُّعُ "بْريكْس" وَ"تَجَمُّعُ شَنْغهاي"، إلى ذَلِكَ انْخَرَطَتْ طَهْران في مُبادَرَةِ "الحِزامِ والطَّريقِ" بِهَدَفِ تَعْميقِ الشَّراكَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ والأَمْنِيَّةِ مَعَ الصّينِ وَروسْيا.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُلُّهُ هُوَ السَّبيلَ الوَحيدَ الذي سَلَكَتْهُ إيران لِتَأْكيدِ الشَّراكَةِ وَتَمْتينِ أَواصِرِ التَّحالُفِ مَعَ كُلٍّ مِنَ الصّينِ وَروسْيا، وَإِنَّما تَوَّجَتْ كُلَّ ما سَبَقَ بِاتِّفاقاتٍ عَديدَةٍ مَعَ بِكين وَموسْكو.
فَبَعدَ زِياراتٍ عَديدَةٍ تَبادَلَها كِبارُ المَسْؤولينَ في إيرانَ والصين، رُبَّما أَهَمُّها تِلْكَ التي قامَ بِها الرَّئيسُ الصّينِيُّ شي جين بينْغ إلى طَهْران في العامِ 2016، بَدَأَتْ مُباحَثاتٌ طَويلَةٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ اسْتَمَرَّتْ حَتَّى العامِ 2021 حينَ وَقَّعا اتِّفاقَ شَراكَةٍ اسْتْراتيجِيَّةٍ بَيْنَ البَلَدَيْنِ لِمُدَّةِ 25 عامًا، لَكِنْ بَدا لافِتًا أَنَّ هَذا الِاتِّفاقَ لَمْ يَتَضَمَّنْ أَيَّ إِشارَةٍ إلى المَجالاتِ الدِّفاعِيَّةِ والأَمْنِيَّة.
خذلان موسكو وبكين لأقرب حلفائهما ليس مُقتصرًا على إيران
بِموجِبِ الِاتِّفاقِ السّابِقِ تَعَهَّدَتِ الصّينُ بِاسْتِثْمارِ 400 مِلْيارِ دولارٍ في إيران على مَدى سَنَواتِ الِاتِّفاقِيَّة، مُقابِلَ ضَمانِ اسْتِمْرارِ تَدَفُّقِ النَّفْطِ الإيرانِيِّ إِلَيْها، لَكِنَّ ما حَدَثَ أَنَّ بِكين لَمْ تَلتَزِمْ بِجانِبِها المالِيِّ مِنْ هَذا الِاتِّفاقِ إِذْ إِنَّها لَمْ تُعْطِ إيران على مَدى نَحْوِ 5 سَنَواتٍ سِوى مَبْلَغٍ ضَئيلٍ جِدًّا مِنَ الْقيمَةِ الْمالِيَّةِ التي تَعَهَّدَتْ بِها.!
مَعَ ذَلِك، هُناكَ صَفَقاتٌ لِشِراءِ إيران أَسْلِحَةً صينِيَّة، لَكِنَّ بِكين نَفَتْ قَطْعِيًّا أَخْبارًا نَقَلَتْها أَجْهِزَةُ إِعْلامٍ غَرْبِيَّةٌ اسْتِنادًا إلى تَسْريباتٍ اسْتِخْبارِيَّةٍ بِشَأْنِ بَيْعِ بِكين طِهْران صَواريخَ كْروز بَعيدَةَ المَدى وَمُتَقَدِّمَةً جِدًّا.
تَبْقى صورَةُ العَلاقاتِ الإيرانِيَّةِ - الروسِيَّةِ التي تَظْهَرُ على السَّطْحِ أَكْثَرَ وُدًّا وَحَرارَة، غَيْرَ أَنَّها على الصَّعيدِ العَسْكَرِيِّ والتَّسْليحِيّ، انْكَشَفَتْ أَدِلَّةٌ كَثيرَةٌ على أَنَّ موسْكو لا تُظْهِرُ دَرَجَةَ الحَرارَةِ المُفْتَرَضَةَ والحِرْصَ الكافِيَ على سَلامَةِ الحَليفِ الإيرانِيّ، آيَةُ ذَلِكَ أَنَّ طَهْرانَ التي سارَعَتْ إلى إِمْدادِ الجَيْشِ الرّوسِيِّ في بِدايَةِ حَرْبِهِ على أُوكْرانْيا، بِآلافِ الطّائِراتِ المُسَيَّرَةِ مِنْ صُنْعِها، خاضَتْ على مَدى سَنَواتٍ طَويلَةٍ مُفاوَضاتٍ مُضْنِيَةً مَعَ موسْكو لِإِقْناعِ الأَخيرَةِ بِبَيْعِ طَهْران نِظامَ الدِّفاعِ الجَوِّيِّ المُتَطَوِّرَ "إِس 400"، لَكِنَّ موسْكو أَخيرًا وافَقَتْ على إِمْدادِ إيران بِنِظامِ "إِس 300" الأَقْدَمِ والأَقَلِّ كَفاءَةً وَفاعِلِيَّة!.
كَما كانَتْ إيران طَلَبَتْ مِنْ روسْيا مُؤَخَّرًا تَزْويدَها بِنِظامِ دِفاعٍ جَوِّيٍّ مَحْمولٍ وَمُتَطَوِّرٍ يُدْعَى "فيرْبا"، لَكِنَّ موسْكو تَلَكَّأَتْ كَثيرًا في تَسْليمِ هَذا النِّظامِ وانْدَلَعَتِ الحَرْبُ الأَميرْكيةُ - الصُّهْيونِيَّةُ ضِدَّ إيران مِنْ دونِ أَنْ تَتَسَلَّمَ طَهْران صاروخًا واحِدًا مِنْ هَذا النَّوْعِ حَتّى الآن.
هُناكَ حَقيقَةٌ لا يُمْكِنُ الإِفْلاتُ مِنْها وَهِيَ أَنَّ خِذْلانَ موسْكو وَبِكين (بِمَعاييرِ الزَّمَنِ السّوفياتِيّ) لِأَقْرَبِ حُلَفائِهِما لَيْسَ مُقْتَصِرًا على إيران، وَإِنَّما تَقْريبًا هُوَ سِمَةٌ مُمَيِّزَةٌ تَسِمُ عَلاقاتِ الصّينِ وَروسْيا بِحُلَفائِهِما عُمومًا، على نَحْوِ ما شاهَدْناهُ في فِنِزْويلا عِنْدَما قامَتْ قُوَّةٌ أَميرْكيةٌ بِاقْتِحامِ عاصِمَةِ هَذا البَلَدِ وَمِنْ ثَمَّ قامَتْ بِخَطْفِ الرَّئيسِ الفِنِزْوِيليِّ وَزَوْجَتِهِ وَنَقَلَتْهُما إلى سِجْنٍ أَميرْكِيّ، حَدَثَ ذَلِكَ في ظِلِّ سُكونٍ روسِيٍّ ـ صِينِيٍّ شِبْهِ تام، قَبْلَ أَسابيعَ مِنَ الحَرْبِ الأَميرْكيةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيران!.
لَكِنْ لِماذا أَيْضًا هَذِهِ السِّمَةُ العُمومِيَّةُ لِمَواقِفِ كُلٍّ مِنَ الصّينِ وَروسْيا تُجاهَ حُلَفاءَ يُواجِهونَ تَحَدِّياتٍ خَطِرَة، وَلِماذا يَتَواضَعُ إِسْنادُهُما لِهَؤُلاءِ الحُلَفاءِ إلى ما دونَ المَواقِفِ العَمَلِيَّةِ الصّارِمَةِ وَبَقاؤُهُ ضِمْنَ حُدودِ بَياناتِ الإِدانَةِ فَحَسْبُ وَأَحْيانًا الِاكْتِفاءُ بِتَأْييدِ الحَليفِ في أَرْوِقَةِ مُنَظَّمَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ وَتَرْكُهُ يُواجِهُ الفيتو الأَميرْكي في مَجْلِسِ الأَمْن؟!.
روسيا والصين تعانيان داء السياسات النفعية نفسه
رُبَّما السَّبَبُ الرَّئيسُ لِعَقيدَةِ "خِذْلانِ الحُلَفاءِ" عِنْدَما يَجِدُّ الجِدّ، هُوَ سَبَبٌ عَقائِدِيٌّ وَإيدْيولوجِيٌّ، فَفيما العَقيدَةُ الأَميرْكِيَّةُ إِمْبِرْيالِيَّةٌ هُجومِيَّةٌ وَعُدْوانِيَّةٌ تَفاقَمَتْ وَزادَتْ تَهَوُّرًا وانْدِفاعًا بَعْدَما دَخَلَ دونالد تْرامْب البَيْتَ الأَبْيَض، فَإِنَّ كِلا النِّظامَيْنِ الْحاكِمَيْنِ حالِيًّا في بِكين وَموسْكو يَفْتَقِرانِ بِشِدَّةٍ رُبَّما لِأَيِّ عَقيدَةٍ تَحْكُمُ وَتُوَجِّهُ سِياساتِهِما الخارِجِيَّةَ سِوى عَقيدَةِ الِانْتِهازِيَّةِ والنَّفْعِيَّةِ قَصيرَةِ النَّفَسِ وَمَحْدودَةِ الأُفُق، الأَمْرُ الذي أَفْضى بِدَوْرِهِ إلى تَآكُلٍ مَحْسوس، خُصوصًا في الحالَةِ الروسِيَّة، في القُوَّةِ المادِّيَّة، وَهُوَ ما يدْفَعُ روسْيا لِلعَوْدَةِ إلى الِارْتِدادِ مَرَّةً أُخْرى إلى المَزِيدِ مِنَ الِانْتِهازِيَّةِ والنَّفْعِيَّة... وَهَكَذا.
في ما يَخُصُّ سِياساتِ بِكين فَهِيَ أَيْضًا تُعانِي الحالَ نَفْسَه، إِذْ تُبْدي صَرامَةً شَديدَةً في اتِّباعِ السِّياساتِ النَّفْعِيَّةِ قَصيرَةِ الأَجَلِ عَيْنِها، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّها على الصَّعيدِ الِاقْتِصادِيِّ قُوَّةٌ عالَمِيَّةٌ عُظْمى تُناطِحُ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ الأَميرْكيةَ وَتوشِكُ أَنْ تَتَفَوَّقَ عَلَيْها فِعْلًا، لَكِنَّها تُحافِظُ على سِياساتِ الِانْتِهازِيَّةِ النَّفْعِيَّةِ انْتِظارًا لِمَوْعِدٍ قَدْ لا يَأْتي أَبَدًا، أَنْ تَتَبَوَّأَ مَوْضِعَ القِيادَةِ لِنِظامٍ عالَمِيٍّ مُخْتَلِفٍ تَتَحَكَّمُ هِيَ فيه... المَوْعِدُ الصّينِيُّ المُنْتَظَرُ هُوَ 2030.
إِذَن، على هَذا الجانِبِ العَقائِدِيّ، كِلاهُما يُعاني داءَ السِّياساتِ النَّفْعِيَّةِ نَفْسَه، وَلِسانُ حالِهِما يَكادُ يَقولُ لِحُلَفائِهِما صَراحَةً: أَنْتُمْ حُلَفاءُ لَنا وَنَحْنُ نَهْتَمُّ جِدًّا بِكُمْ وَنُحِبُّكُمْ لَكِنْ لَيْسَ لِدَرَجَةِ أَنْ نُحارِبَ أَوْ نُهَدِّدَ بِحَرْبٍ مِنْ أَجْلِكُمْ!.
(خاص "عروبة 22")

