في سَبْعِينِيّاتِ القَرْنِ العِشْرين، تَبَنّى الشّاهُ محمد رِضا بَهْلَوي مَشْروعًا واسِعًا لِإِعادَةِ تَشْكيلِ إيرانَ كَقُوَّةٍ إِقْليمِيَّةٍ كُبْرى، مُسْتَنِدًا إلى الثَّرْوَةِ النَّفْطِيَّةِ وَالتَّحالُفِ الوَثيقِ مع الوِلاياتِ المُتَّحِدَة. وَفي هذا السِّياق، احْتَلَّ البَرْنامَجُ النَّوَوِيُّ مَوْقِعًا مُهِمًّا، عَبْرَ اتِّفاقِيّاتِ تَعاوُنٍ مع الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَأَلْمانْيا الغَرْبِيَّةِ وَفَرَنْسا، وَخُطَطٍ لِبِناءِ مُفاعِلاتٍ نَوَوِيَّةٍ لِإِنْتاجِ الطّاقَةِ ضِمْنَ رُؤْيَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَرْحَلَةِ ما بَعْدَ النَّفْط. ارْتَبَطَ المَشْروعُ بِفِكْرَةِ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ ذاتِ الثِّقْلِ السِّياسِيِّ وَالتِّكْنولوجِيّ، وَبِالمَكانَةِ الدَّوْلِيَّةِ وَالهَيْبَةِ الِاسْتراتيجِيَّةِ إلى جانِبِ الوَظيفَةِ الِاقْتِصادِيَّة. وَمع سُقوطِ النِّظامِ عامَ 1979، دَخَلَ البَرْنامَجُ مَرْحَلَةَ جُمودٍ حادَّة، فَتَوَقَّفَتِ المَشاريعُ الكُبْرى، وَغادَرَتِ الكَفاءاتُ العِلْمِيَّة، وَانْقَطَعَ التَّعاوُنُ الغَرْبِيّ، فَظَنَّ الكَثيرُونَ أَنَّ الحُلْمَ النَّوَوِيَّ قَدِ انْتَهى.
البرنامج النووي جزء من منظومة الصواريخ والنفوذ الإقليمي
غَيَّرَتِ الحَرْبُ العِراقِيَّةُ - الإيرانِيَّةُ عامَ 1980 نَظْرَةَ القِيادَةِ إلى الأَمْنِ القَوْمِيّ، بَعْدَما كَشَفَ القَصْفُ الصَّارُوخِيُّ وَاسْتِخْدامُ العِراقِ لِلأَسْلِحَةِ الكيمْيائِيَّةِ حَجْمَ الهَشاشَةِ الِاسْتراتيجِيَّةِ الإيرانِيَّةِ وَغِيابَ الحِمايَةِ الدَّوْلِيَّة. عِنْدَها تَرَسَّخَ داخِلَ المُؤَسَّسَةِ الحاكِمَةِ وَعْيٌ جَديدٌ يَقومُ على ضَرورَةِ امْتِلاكِ أَدَواتِ رَدْعٍ حَديثَةٍ تَمْنَعُ تَكْرارَ تِلْكَ التَّجْرِبَة. وَمِنْ هذا المُنْطَلَق، عادَ البَرْنامَجُ النَّوَوِيُّ إلى الواجِهَةِ كَجُزْءٍ مِنْ مَنْظومَةٍ أَوْسَعَ تَشْمَلُ الصَّواريخَ الباليسْتِيَّةَ وَالنُّفوذَ الإِقْليمِيَّ وَبِناءَ تَوازُنٍ اسْتراتيجِيٍّ طَويلِ المَدى.
إِسْرائيلُ وَالرَّدْعُ وَالمَكانَةُ الإِقْليمِيَّة
فَهْمُ العَقيدَةِ النَّوَوِيَّةِ الإيرانِيَّةِ يَرْتَبِطُ مُباشَرَةً بِمَوْقِعِ إِسْرائيلَ في المُعادَلَةِ الإِقْليمِيَّة، حَيْثُ مَنَحَ الِاحْتِكارُ النَّوَوِيُّ الإِسْرائيلِيُّ غَيْرُ المُعْلَنِ تَلْ أَبيبَ تَفَوُّقًا رَدْعِيًّا حاسِمًا في الشَّرْقِ الأَوْسَط. بِالنِّسْبَةِ لِطَهْران، يَمْنَحُ امْتِلاكُ قُدْرَةٍ نَوَوِيَّةٍ كامِنَةٍ تَوازُنًا اسْتراتيجِيًّا أَوْسَعَ في مُواجَهَةِ هذا التَّفَوُّق، حَتّى مِنْ دونِ إِعْلانِ امْتِلاكِ سِلاحٍ نَوَوِيٍّ.
وَفي الوَقْتِ نَفْسِه، يَرْتَبِطُ البَرْنامَجُ النَّوَوِيُّ الإيرانِيُّ بِالرَّدْعِ وَالمَكانَةِ الإِقْليمِيَّةِ وَالهَيْبَةِ الدَّوْلِيَّةِ مَعًا، فَامْتِلاكُ قُدْرَةٍ نَوَوِيَّةٍ كامِنَةٍ يَرْفَعُ مَوْقِعَ طَهْرانَ التَّفاوُضِيَّ وَيَمْنَحُها نُفوذًا أَوْسَعَ في مَلَفّاتِ الخَليجِ وَالعِراقِ وَسورْيا وَلُبْنان، وَيُعَزِّزُ حُضورَها كَطَرَفٍ رَئيسِيٍّ في مُعادَلاتِ الأَمْنِ الإِقْليمِيّ. لِذَلِكَ يَتَحَوَّلُ المَلَفُّ النَّوَوِيُّ إلى جُزْءٍ مِنْ مُعادَلَةٍ إِقْليمِيَّةٍ شامِلَة، إِذْ تَرى إِسْرائيلُ أَيَّ تَقَدُّمٍ إيرانِيٍّ تَهْديدًا وُجودِيًّا، بَيْنَما تَرى إيرانُ اسْتِمْرارَ التَّفَوُّقِ الإِسْرائيلِيِّ مَصْدَرَ هَشاشَةٍ دائِمَة.
التِّسْعينِيّات: العَوْدَةُ الهادِئَةُ وَالعُقوبات
خِلالَ التِّسْعينِيَّاتِ أَعادَتْ إيرانُ بِناءَ قُدُراتِها النَّوَوِيَّةَ تَدْريجِيًّا عَبْرَ التَّعاوُنِ مع روسْيا في اسْتِكْمالِ مُفاعِلِ بوشَهْرَ وَتَطْويرِ بُنْيَةِ تَخْصيبِ اليورانْيومِ وَدَوْرَةِ الوَقودِ النَّوَوِيّ، وَمع الوَقْتِ أَصْبَحَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ التِّقْنِيَّةُ عُنْصُرَ قُوَّةٍ مُسْتَقِلًّا يَمْنَحُ الدَّوْلَةَ إِمْكانِيَّةَ الِاقْتِرابِ مِنَ العَتَبَةِ النَّوَوِيَّةِ مِنْ دونِ إِعْلانِ امْتِلاكِ السِّلاح.
هَذا المَسارُ أَثارَ شُكوكًا غَرْبِيَّةً مُتَزايِدَة، خاصَّةً بَعْدَ الكَشْفِ عَنْ مُنْشَآتٍ مِثْلَ نَطَنْزَ وَأَراك، فَتَحَوَّلَ المَلَفُّ مِنْ قَضِيَّةٍ تِقْنِيَّةٍ إلى أَزْمَةٍ سِياسِيَّةٍ دَوْلِيَّةٍ مَفْتوحَة، أَعْقَبَها فَرْضُ عُقوباتٍ اقْتِصادِيَّةٍ مُتَتالِيَةٍ أَرْهَقَتِ الِاقْتِصادَ الإيرانِيّ، وَفي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَزَّزَتْ خِطابَ السِّيادَةِ وَالِاسْتِقْلالِ داخِلَ النِّظام، فَتَحَوَّلَ البَرْنامَجُ النَّوَوِيُّ إلى رَمْزٍ لِلْكَرامَةِ الوَطَنِيَّةِ وَحَقِّ الدَّوْلَةِ في تَقْريرِ مَصيرِها، وَأَصْبَحَ التَّراجُعُ عَنْهُ يُنْظَرُ إِلَيْهِ داخِلِيًّا بِاعْتِبارِهِ مَساسًا بِفِكْرَةِ الِاسْتِقْلالِ نَفْسِها.
دوائر الحرس الثوري ومؤسسات الأمن القومي تنظر إِلى البرنامج النووي كجزء من ضمانة بقاء النظام
البَرْنامَجُ النَّوَوِيُّ الإيرانِيُّ تَحْكُمُهُ رُؤًى مُتَعَدِّدَةٌ داخِلَ النِّظام، تَتَفاوَتُ بَيْنَ التَّيّاراتِ السِّياسِيَّةِ وَالمُؤَسَّساتِ الأَمْنِيَّةِ في تَحْديدِ وَظيفَتِهِ وَحُدودِ التَّعامُلِ مَعَه. فَالتَّيّارُ البْراغْماتِيُّ يَتَعامَلُ مَعَهُ كَأَداةِ تَفاوُضٍ تَمْنَحُ إيرانَ مَوْقِعًا أَفْضَلَ مع الغَرْبِ وَتُخَفِّفُ كُلْفَةَ العُزْلَةِ الِاقْتِصادِيَّة، بَيْنَما تَنْظُرُ دَوائِرُ أَكْثَرُ صَلابَةً داخِلَ الحَرَسِ الثَّوْرِيِّ وَمُؤَسَّساتِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ إِلَيْهِ كَجُزْءٍ مِنْ ضَمانَةِ بَقاءِ النِّظام، وَتَرى أَنَّ أَيَّ مُرونَةٍ فيهِ قَدْ تَفْتَحُ المَجالَ لِضُغوطٍ أَوْسَعَ تَسْتَهْدِفُ بنْيَةَ الدَّوْلَةِ وَنُفوذَها الإِقْليمِيّ.
الِاتِّفاقُ النَّوَوِيُّ بَيْنَ الِانْفِراجِ وَانْهِيارِ الثِّقَة
جاءَ الِاتِّفاقُ النَّوَوِيُّ عامَ 2015، كَصيغَةٍ وُسْطى بَيْنَ الِاحْتِواءِ وَالمُواجَهَة، حَيْثُ وافَقَتْ إيرانُ على قُيودٍ على التَّخْصيبِ مُقابِلَ رَفْعٍ تَدْريجِيٍّ لِلْعُقوبات، ما فَتَحَ فَتْرَةً قَصيرَةً مِنَ الِانْفِراجِ الِاقْتِصادِيِّ وَأَعْطى التَّيّارَ البْراغْماتِيَّ دَفْعَةً سِياسِيَّة. لَكِنْ عامَ 2018 انْسَحَبَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ في عَهْدِ دونالْد ترامب مِنَ الِاتِّفاقِ وَأَعادَتْ فَرْضَ عُقوباتٍ قاسِيَة، فَتَرَسَّخَتْ داخِلَ طَهْرانَ قَناعَةٌ بِهَشاشَةِ الضَّماناتِ الدَّوْلِيَّة، وَبَدَأَتْ تَقْليصَ الِتِزاماتِها وَرَفْعَ مُسْتَوَياتِ التَّخْصيب. وَهُنا بَرَزَ الفارِقُ بَيْنَ الغُموضِ النَّوَوِيِّ الإِسْرائيلِيِّ القائِمِ على امْتِلاكٍ فِعْلِيٍّ غَيْرِ مُعْلَن، وَالغُموضِ الإيرانِيِّ القائِمِ على الِاقْتِرابِ مِنَ العَتَبَةِ النَّوَوِيَّةِ وَاسْتِخْدامِها كَأَداةِ رَدْعٍ مُسْتَقِلَّة.
"النووي" اتصل مباشرة بمكانة إيران بين قوّة قابلة للاحتواء أو دولة تفرض شروط التوازن
ما بَدَأَ في عَهْدِ الشّاهِ كَمَشْروعِ حَداثَةٍ وَتَفَوُّقٍ تِكْنولوجِيّ، تَحَوَّلَ بَعْدَ الثَّوْرَةِ وَالحَرْبِ وَالعُقوباتِ إلى عُنْصُرٍ مَرْكَزِيٍّ في عَقيدَةِ الدَّوْلَةِ الإيرانِيَّة، ضِمْنَ مَنْظومَةٍ تَشْمَلُ الصَّوارِيخَ الباليسْتِيَّةَ وَالنُّفوذَ الإِقْليمِيَّ وَشَبَكاتِ الرَّدْعِ غَيْرِ التَّقْلِيدِيّ. وَتَنْظُرُ طَهْرانُ إلى هَذا المِلَفِّ كَأًحَدِ أَعْمِدَةِ التَّوازُنِ الِاسْتراتيجِيِّ وَعُنْصُرٍ يَمْنَحُها قُدْرَةً على مَنْعِ العُزْلَةِ القَسْرِيَّةِ وَفَرْضِ الِاعْتِرافِ بِدَوْرِها الإِقْليمِيّ، لِذَلِكَ أَصْبَحَ السُّؤالُ النَّوَوِيُّ أَعْمَقَ مِنْ قَضِيَّةِ تَخْصيبٍ وَمُفاعِلات، وَاتَّصَلَ مُباشَرَةً بِمَكانَةِ إيرانَ في النِّظامِ الإِقْليمِيِّ وَالدَّوْلِيّ، بَيْنَ البَقاءِ قُوَّةً قابِلَةً لِلِاحْتِواءِ أَوِ التَّحَوُّلِ إلى دَوْلَةٍ تَفْرِضُ شُروطَ التَّوازُنِ مِنْ مَوْقِعِ النِّدِّيَّة.
(خاص "عروبة 22")

