لِكَيْ نُفَسِّرَ هَذا الواقِعَ الذي آلَتْ إِلَيْهِ الدَّوْلَةُ في أَغْلَبِ البُلْدانِ العَرَبِيَّة، لا بُدَّ مِنَ العَوْدَةِ إلى مَطْلَعِ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَر، وَمُحاوَلاتِ التَّحْديثِ مِنْ خِلالِ ثَلاثَةِ أَمْثِلَةٍ تاريخِيَّةٍ مُبَكِّرَة.
بدايات التحديث كانت من باب العسكر والجيش
تَبَنّى ثَلاثَةُ حُكّامٍ في ثَلاثَةِ أَمْثِلَةٍ هِيَ: مِصْرُ في عَهْدِ محمد علي باشا (1805-1848) والعِراقُ في عَهْدِ داوود باشا (1816-1831)، وَتونِس في عَهْدِ الباي أحمد (1837-1855)، ما كانَ قَدْ بَدَأَهُ السُّلْطانُ سَليم الثّالِث (1789-1808) في إِقامَةِ "النِّظامِ الجَديد"، أَيْ إِنْشاءَ فِرَقٍ عَسْكَرِيَّةٍ نِظامِيَّةٍ وِفْقَ القَواعِدِ المَعْروفَةِ في الجُيوشِ الأوروبِّيَّة، فاسْتَقْدَموا في سَبيلِ ذَلِكَ ضُبّاطًا فَرَنْسِيّينَ وَإِدارِيّين. وَقَدِ اسْتَخْدَمَ الحُكّامُ الثَّلاثَةُ مُصْطَلَحَ "النِّظامِ الجَديد"، وَأَسَّسوا فِرَقًا عَسْكَرِيَّةً مُدَرَّبَةً وَمُسَلَّحَة، تَكونُ بَديلًا مِنَ القُوّاتِ العَسْكَرِيَّةِ التي كانَتْ تُعْرَفُ بِاسْمِ الإِنْكِشارِيَّة.
وَهَذا يَعْني أَنَّ بِداياتِ التَّحْديثِ على النَّمَطِ الأوروبِّيِّ كانَتْ مِنْ بابِ العَسْكَرِ والجَيْش، قَبْلَ أَنْ تَكونَ فِكْرِيَّةً أَوْ أَدَبِيَّةً وَلُغَوِيَّة، بَل إِنَّ بِناءَ المَصانِعِ والمانيفاكْتوراتِ في تِلْكَ الآوِنَةِ المُبَكِّرَةِ كانَ لِخِدْمَةِ احْتِياجاتِ الجَيْشِ وَكَذَلِكَ إِقامَةِ مَدْرَسَةٍ أَوْ مَعْهَدٍ لِلتَّدْريبِ على العُلومِ المُرْتَبِطَةِ بِالمَدْفَعِيَّةِ وَبِناءِ تَرْساناتٍ لِلبَحْرِيَّة. مع الإِشارَةِ إلى النَّهْضَةِ الحَديثَةِ في لُبْنانَ في المَرْحَلَةِ ذاتِها، وَذَلِكَ عَبْرَ المَدارِسِ والصَّحافَةِ والتَّرْجَمَةِ واكْتِسابِ المعارِفِ الحَديثَة.
أَدّى بِناءُ جُيوشٍ نِظامِيَّةٍ إلى تَغْييرٍ في بُنْيَةِ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَع، ذَلِكَ أَنَّ الفِرَقَ العَسْكَرِيَّةَ لَمْ تَعُدْ تَعْتَمِدُ على المُرْتَزَقَةِ والمَماليكِ المُسْتَجْلَبينَ مِنْ بِلادِ القَوْقازِ أَوْ غَيْرِ ذَلِك، مِنَ الذينَ يَلْتَحِقونَ بِخِدْمَةِ الوُلاة، وَإِنَّما تَعْتَمِدُ فَقَطْ على أَبْناءِ البِلاد. وَهُوَ العامِلُ الذي أَدّى على امْتِدادِ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَر، مع عَوامِلَ أُخْرى، إلى تَبَلْوُرِ الشُّعورِ الوَطَنِيّ. وَهَذا هُوَ الوَجْهُ الإِيجابِيُّ لِبِناءِ الجُيوش. أَمّا الوَجْهُ السَّلبِيُّ فَكانَ في تَكْوينِ مُؤَسَّسَةٍ مُسَلَّحَةٍ تَفْتَرِضُ أَنَّها الأَكْثَرُ تَنْظيمًا وَحَداثَةً وَمَسْؤولِيَّة، المَنوطُ بِها حِمايَةُ البِلاد، مِمّا أَدّى إلى تَشْكيلِ عَصَبِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ تَنْفَصِلُ عَنِ المُجْتَمَعِ وَقابِلَةٍ لِلِانْقِسامِ إلى عَصَبِيّاتٍ مُتَصارِعَة.
هزيمة 1948 أتاحت للعسكر الانقضاض على الدولة
تَأَخَّرَ بِناءُ الدَّوْلَة، بِالمُقارَنَةِ مع بِناءِ الجَيْش، وَكانَتِ البِداياتُ مع ما عُرِفَ بِعَصْرِ التَّنْظيماتِ الذي افْتَتَحَهُ السُّلْطانُ عبد المَجيدِ عامَ 1839 بِإِعْلانِ (خَطِّ كَلْخانَة) الذي تَضَمَّنَ إِصْلاحاتٍ أَساسِيَّةً مُسْتَمَدَّةً مِنْ مَبادِئِ الثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّةِ لِجِهَةِ المُساواةِ بَيْنَ (الرَّعايا) بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الدّين، وَحُرِّيَّةِ الرَّأْيِ والمُعْتَقَد. وَتَبِعَ ذَلِكَ إِصْلاحاتٌ في التَّعْليمِ والقَضاءِ والإِدارَة، وَتَأْسيسُ مَدْرَسَةٍ لِلحُقوقِ في "إِسْتامبول" وَمَدْرَسَةٍ لِلحُقوقِ في القاهِرَة، التي أَدْخَلَتْ مَفْهومَ الفَصْلِ بَيْنَ السُّلطات، وُصولًا إلى إِعْلانِ الدُّسْتورِ عامَ 1876. وكان أَوَّلُ دُسْتورٍ قَدْ أُعْلِنَ في تونِسَ عامَ 1861.
وَإِذا كانَ السُّلْطانُ عبد الحَميد الثّاني هُوَ الذي أَعْلَنَ الدُّسْتورَ في بِدايَةِ عَهْدِه، وَهُوَ الذي عَلَّقَ العَمَلَ بِهِ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ إِعْلانِه، فَإِنَّ الحَرَكاتِ والتَّيّاراتِ السِّياسِيَّةَ التي نَشَأَتْ في نِهايَةِ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ وَبِدايَةِ القَرْنِ العِشْرين، كانَتْ تَنْهَضُ على فِكْرَةِ إِعادَةِ العَمَلِ بِالدُّسْتورِ وَإِطْلاقِ الحُرِّياتِ العامَّةِ بِما في ذَلِكَ حُرِّيَّةُ الصَّحافَة، وَإِعْلانِ المُساواة، وَهَذا ما تَحَقَّقَ لِبُرْهَةٍ مِنَ الزَّمَنِ بَعْدَ الِانْقِلابِ الدُّسْتورِيِّ في "إِسْتامبول" عامَ 1908.
تتحكّم الأجهزة بالدولة من خلال واجهات مدنية وتتحكّم بالاقتصاد من خلال فئات طفيلية
إِنَّ مَساعِيَ بِناءِ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ لَمْ تُصْبِحْ شَأْنًا عَمَلِيًّا وَواقِعِيًّا إِلّا بَعْدَ نِهايَةِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأولى، وَكانَ لِلمُثَقَّفينَ والمُفَكِّرينَ الدَّوْرُ البارِزُ في إِطْلاقِ الأَفْكارِ اللّيبيرالِيَّةِ وَتَصَوُّرِ بِناءِ دَوْلَةِ المُؤَسَّساتِ والفَصْلِ بَيْنَ السُّلُطَاتِ والتَّمْثيلِ النِّيابِيِّ مِنْ خِلالِ التَّعَدُّدِيَّة. وَهَذا ما شَهِدَتْهُ بُلْدانٌ مِثْلُ مِصْرَ وَلُبْنانَ وَسورْيا والعِراقِ خِلالَ فَتْرَةٍ وَجيزَةٍ لَمْ تَتَعَدَّ ثَلاثَةَ عُقودٍ مِنَ الزَّمَن، في ظِلِّ الوِصايَةِ والِانْتِدابِ الِاسْتِعْمارِيَّيْنِ وَفي مَرْحَلَةِ التَّحَرُّرِ الوَطَنِيِّ والنِّضالِ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِقْلال، بِما جَعَلَ بِناءَ الدَّوْلَةِ هَشًّا، فَلَمْ تَتَرَسَّخْ مُؤَسَّساتُها وَتَقاليدُها التي تَحْتاجُ إلى فَتَراتٍ وَتَجارِبَ أَطْوَلَ وَأَعْمَق. فَكانَتْ شِعاراتُ التَّحْريرِ بَعْدَ هَزيمَةِ (1948) وَهِيَ هَزيمَةٌ لِلجُيوشِ قَبْلَ السِّياسِيّينَ وَمعهُمْ، أَتاحَتْ لِلعَسْكَرِ الِانْقِضاضَ على الدَّوْلَةِ فَأَحَلّوا نِظامَهُمْ مَكانَ الدَّوْلَةِ بَعْدَ تَعْطيلِ مُؤَسَّساتِها، وَأَقاموا حالَةَ الطَّوارِئِ الدّائِمَةِ التي تُعَطِّلُ العَدالَةَ وَتَجْعَلُ لِلأَجْهِزَةِ الأَمْنِيَّةِ اليَدَ الطّولى في مَنْعِ أَيِّ رَأْيٍ حُرٍّ أَوْ مُسْتَقِلّ، بِحَيْثُ تَتَحَكَّمُ الأَجْهِزَةُ بِالدَّوْلَةِ مِنْ خِلالِ واجِهاتٍ مَدَنِيَّة، وَتَتَحَكَّمُ بِالِاقْتِصادِ مِنْ خِلالِ فِئَاتٍ طُفَيْلِيَّةٍ مَرْهونَةٍ لِلنّافِذينَ القابِضينَ على مَفاصِلِ الدَّوْلَةِ بِحَيْثُ يُصْبِحُ الفَسادُ هُوَ النِّظامُ نَفْسُه.
(خاص "عروبة 22")

