بصمات

الأُصولُ الفِكْرِيَّةُ لِسِياسَةِ دونالد ترامب الشَّرْقِ أَوْسَطِيَّة!

يُعَدُّ يورام هازوني الإِسْرائيلِيُّ - الأَميرْكِيُّ أَحَدَ أَبْرَزِ المُنَظِّرينَ لِما يُعْرَفُ بِـ"القَوْمِيَّةِ المُحافِظَة"، التي يَعْتَمِدُها دونالد ترامب كَمَنْهَجٍ في إِدارَةِ شُؤونِ بِلادِهِ الدّاخِلِيَّةِ والخارِجِيَّة، وَمِنْها رُؤْيَتُهُ لِلْعَلاقَةِ مع دُوَلِ مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَط. وَرَدَتْ أَهَمُّ أَفْكارِ هازوني في كِتابِهِ "فَضائِلِ القَوْمِيَّة" (2018) إِذْ يَرى أَنَّ القَوْمِيَّةَ تُمَكِّنُ مِنَ الحِفاظِ على سِيادَةِ الدُّوَلِ وَهُوِيَّتِها، خِلافًا لِلْإِمْبِرْيالِيَّةِ والعَوْلَمَة، التي تُمَثِّلُها المُؤَسَّساتُ الدَّوْلِيَّة، وَتُعَدُّ السَّبيلَ الوَحيدَ لِلْحِفاظِ على السَّلام.

الأُصولُ الفِكْرِيَّةُ لِسِياسَةِ دونالد ترامب الشَّرْقِ أَوْسَطِيَّة!

يَقْتَرِحُ هازوني "مَبادِئَ" لِنِظامٍ دَوْلِيٍّ قائِمٍ على الدُّوَلِ القَوْمِيَّةِ والعَوْدَةِ إلى الواقِعِيَّةِ السِّياسِيَّةِ المُرْتَكِزَةِ على عَدَمِ التَّدَخُّلِ وَرَفْضِ أَيِّ مُؤَسَّساتٍ فَوْقَ وَطَنِيَّة، مِنْ خِلالِ الاعتمادِ على القَوْمِيَّةِ وَلَيْسَ الدّيموقْراطِيَّة، وَرَفْضِهِ التَّدَخُّلَ في شُؤونِ الدُّوَل، وَتَحَفُّظِهِ تُجاهَ التَّدَخُّلاتِ الخارِجِيَّةِ المُغامِرَة، وَقَبولِهِ بِنَوْعٍ مِنَ التَّعَدُّدِيَّةِ القُطْبِيَّة. وَتَسْتَلْهِمُ مَجْموعَةُ "ماغا" (MAGA) تِلْكَ الأَفْكارَ التي تُخْتَزَلُ في شِعارِ "لِنَجْعَل أَميرْكا عَظيمَةً مُّجَدَّدًا".

مقاربة ترامب تقوم على المصالح المشتركة حتى مع أنظمة غير ديموقراطية

تَبْدو نَظْرَةُ دونالد ترامب لِلشَّرْقِ الأَوْسَطِ نَظْرَةً بْراغْماتِيَّةً مُّتَفائِلَة، إِذْ يَعْتَبِرُها مِنْطَقَةً غَنِيَّةً بِالإِمْكانات، وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى أَحَدِ المَراكِزِ العالَمِيَّةِ الكُبْرى لِلتِّجارَةِ والفُرَص، نَظَرًا لِمَوْقِعِها الاِسْتْراتيجِيِّ في قَلْبِ طُرُقِ التِّجارَةِ العالَمِيَّة، بِما يَشْمَلُ قَناةَ السُّوَيْس والبَحْرَ الأَحْمَر وَمَضيقَ هُرْمُز، وَمِنْ هَذا المُنْطَلَق، يَرْبِطُ ترامب بَيْنَ السَّلامِ والتِّجارَة، مُعْتَبِرًا أَنَّ تَعْزيزَ التَّبادُلِ الاِقْتِصادِيِّ يُشَكِّلُ مَدْخَلًا لِّتَحْقيقِ الأَمْنِ والاِسْتِقْرارِ الاِقْتِصادِيِّ والسِّياسِيِّ الإِقْليمِيّ.

تَقومُ مُقارَبَةُ ترامب أَيْضًا على بِناءِ شَراكاتٍ قائِمَةٍ على المَصالِحِ المُشْتَرَكَة، حَتّى مع أَنْظِمَةٍ غَيْرِ ديموقْراطِيَّة، وَهُوَ ما تَجَسَّدَ في "اتِّفاقِيّاتِ أَبْراهام" التي وُقِّعَتْ سَنَةَ 2020 بَيْنَ الكِيانِ الإِسْرائيلِيِّ وَكُلٍّ مِّنَ الإِماراتِ العَرَبِيَّةِ المُتَّحِدَة والبَحْرَيْن بِرِعايَةٍ أَميرْكِيَّة. أَمّا الكِيانُ الإِسْرائيلِيّ، فَيَصِفُهُ بِأَنَّهُ "الدّيموقْراطِيَّةُ المُسْتَقِرَّةُ الوَحيدَةُ في المِنْطَقَة"، وَيَعْتَبِرُهُ حَليفًا اسْتْراتيجِيًّا مَوْثوقًا، وَهُوَ أَمْرٌ تُرْجِمَ عَمَلِيًّا بِقَرارِ الاِعْتِرافِ بِالقُدْسِ عاصِمَةً لَهُ سَنَةَ 2017، إِضافَةً إلى دَعْمِهِ السِّياسِيِّ المُتَواصِلِ لِرَئيسِ وُزَراءِ الكِيانِ بِنْيامين نِتِنْياهو، وَدَعْمِهِ المُطْلَق لِسِياسَتِهِ في المِنْطَقَة، خاصَّةً أَثْناءَ حَرْبِ الإِبادَةِ في قِطاعِ غَزَّةَ والحَرْبِ ضِدَّ إيران.

تَمَيَّزَ خِطابُ دونالد ترامب حَوْلَ الشَّرْقِ الأَوْسَط، عُمومًا، بِدَرَجَةٍ مَّلْحوظَةٍ مِّنَ الثَّبات، مع بَعْضِ التَّحَوُّلاتِ المَحْدودَة. فَفي الحَرْبِ على العِراق، بَعْدَ هَجَماتِ 11 سِبْتَمْبِر/أَيْلول 2001، انْتَقَلَ مَوْقِفُهُ مِنَ التَّأْييدِ النِّسْبِيِّ (2002 ــ 2003) إلى الإِدانَةِ الصَّريحَةِ مُنْذُ 2004، حَيْثُ اعْتَبَرَ التَّدَخُّلَ "كارِثِيًّا"، نَتيجَةً لِّما أَسْفَرَ عَنْهُ مِنْ تَداعِيات، أَبْرَزُها صُعودُ تَنْظيمِ "الدَّوْلَةِ الإِسْلامِيَّة (داعِش)" وَتَعْزيزُ نُفوذِ إيران في المِنْطَقَة.

أَمّا بِخُصوصِ إيران، فَيَنْظُرُ إِلَيْها بِوَصْفِها الخَصْمَ الإِقْليمِيَّ الأَبْرَزَ لِلْوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة، وَيَتَّهِمُها بِدَعْمِ جَماعاتٍ مُّسَلَّحَةٍ في ساحاتٍ إِقْليميةٍ عِدَّة. وَتَجَسَّدَتْ سِياسَتُهُ تُجاهَها في تَبَنّي نَهْجٍ صارِم، شَمَلَ تَشْديدَ العُقوبات، وَرَفْضَ امْتِلاكِها لِلسِّلاحِ النَّوَوِيّ، فَضْلًا عَنْ قَراراتٍ عَسْكَرِيَّةٍ بارِزَة، مِثْلَ اغْتِيالِ قاسِم سُلَيْماني وَأَبو مَهْدي المُهَنْدِس سَنَةَ 2020.

يمكن فهم سياسات ترامب باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة ضبط موازين القوى العالمية

بِالتَّوازِي مع ذَلِك، يُعارِضُ دونالد ترامب بِشِدَّةٍ حُصولَ إيران على السِّلاحِ النَّوَوِيّ، كَما يَدْعو إلى اتِّباعِ سِياسَةٍ صارِمَةٍ تُجاهَها، وَتَشْديدِ العُقوباتِ المَفْروضَةِ عَلَيْها. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ ترامب لَمْ يَكُنْ في بِداياتِهِ يَسْعى إلى تَغْييرِ النِّظامِ الإيرانِيّ، وَحَتّى مَعَ العُدْوانِ الثُّنائِيِّ على طَهران، غَيْرَ أَنَّ مَواقِفَهُ شَهِدَتْ تَحَوُّلًا تَدْريجِيًّا نَحْوَ المَزيدِ مِنَ التَّشَدُّد، خاصَّةً في سِياقِ التَّنافُسِ الدَّوْلِيِّ مع كُلٍّ مِّنْ روسْيا والصّين. وَفي هَذا الإِطار، يُمْكِنُ فَهْمُ سِياساتِهِ بِاعْتِبارِها جُزْءًا مِنِ اسْتْراتيجِيَّةٍ أَوْسَعَ تَهْدِفُ إلى إِعادَةِ ضَبْطِ مَوازينِ القُوى العالَمِيَّة، وَلا سِيَّما في المَناطِقِ الحَيَوِيَّة، مِثْلَ الشَّرْقِ الأَوْسَط، الذي يُمَثِّلُ مِحْوَرًا أَساسِيًّا في التَّنافُسِ على المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ والتِّجارَةِ العالَمِيَّة، في ظِلِّ تَصاعُدِ الدَّوْرِ الصّينِيِّ ضِمْنَ مُبادَرَةِ "الحِزامِ والطَّريقِ (طَريقِ الحَرير)".

وَفي هَذا السِّياقِ أَيْضًا، يَبْدو أَنَّ قَرارَ ترامب بِقَصْفِ المَواقِعِ النَّوَوِيَّةِ الإيرانِيَّة، كانَ الهَدَفَ مِنْهُ تَوْجيهُ رِسالَةٍ إلى روسْيا، المُرْتَبِطَةِ بِشَكْلٍ وَثيقٍ بِإيران، وَإلى الصّين، بِما قَدْ يَدْفَعُها إلى التَّرَدُّدِ في سِياسَتِها تُجاهَ تايْوان، بِالتَّوازِي مع الطُّموحِ الأَميرْكِيِّ السّاعي إلى السَّيْطَرَةِ على أَهَمِّ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ التِّجارِيَّةِ في مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ لِمُواجَهَةِ الطُّموحاتِ الصّينِيَّةِ وَمُنافَسَتِها، إِذْ أَصْبَحَتْ هَذِهِ الأَخيرَةُ مُنافِسًا لِّلْوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ خاصَّةً بَعْدَ تَطْويرِ عَلاقَتِها مع المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّة، وَتَوْثيقِ شَراكاتِها مع مِصْرَ واسْتِثْماراتِها في قَناةِ السُّوَيْس، التي تُعَدُّ أَحَدَ أَهَمِّ المَمَرّاتِ الرَّئيسِيَّةِ ضِمْن مَشْروعِ "الحِزامِ وَطَريقِ الحَرير"، وَهِيَ أَيْضًا حَليفَةٌ لِّكُلٍّ مِّنْ إيران (هُرْمُز) والصّينِ (البِتْرول الإيرانِيّ)، وَمُرْتَبِطَةٌ بِعَلاقاتٍ مع الحوثِيّين (باب المَنْدَب).

تحوّلت منطقة الشرق الأوسط إلى مجال تطبيقي لرؤية براغماتية تُخضع العلاقات الدولية للمصالح بدل القيم الكونية

يَبْدو أَنَّ السِّياسَةَ الشَّرْق أَوْسَطِيَّةَ لِدونالد ترامب لا يُمْكِنُ فَهْمُها بِمَعْزِلٍ عَنْ مَرْجِعِيّاتِها الفِكْرِيَّة، وَخاصَّةً أُطْروحاتِ القَوْمِيَّةِ المُحافِظَةِ كَما صاغَها يورام هازوني التي أَعادَتْ تَعْريفَ مَفاهيمِ التَّحالُف، والسِّيادَة، والتَّدَخُّل، ضِمْن رُؤْيَةٍ بْراغْماتِيَّةٍ تُخْضِعُ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةَ لِمَنْطِقِ المَصالِحِ بَدَلَ القِيَمِ الكَوْنِيَّة.

وَعلى هَذا الأَساس، تَحَوَّلَتْ مِنْطَقَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ إلى مَجالٍ تَطْبيقِيٍّ لِّهَذِهِ الرُّؤْيَة، حَيْثُ تَداخَلَتِ الاِعْتِباراتُ الاِقْتِصادِيَّةُ مع الحِساباتِ الجِيوسِياسِيَّة، في سِياقِ تَنافُسٍ دَوْلِيٍّ مُّتَصاعِد. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ السِّياسَة، على الرَّغْمِ مِمّا حَقَّقَتْهُ مِنْ تَحَوُّلاتٍ مَّلْموسَةٍ نِّسْبِيًّا، تَظَلُّ مَحَلَّ جَدَلٍ، نَظَرًا لِما تَطْرَحُهُ مِنْ إِشْكالِيّاتٍ تَتَعَلَّقُ بِمُسْتَقْبَلِ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة، وَمَآل الحَرْبِ ضِدَّ إيران تَحْديدًا والنِّظامِ الدَّوْلِيِّ عامَّةً.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن