المرأة العربية

حُقوقُ المَرْأةِ العَرَبِيَّة: بَيْـنَ إرادَةِ المَعْرِفَة وإرادَةِ السُّلْطَةِ السِّياسِيَّة!

شَكَّلَتْ قَضِيَّةُ المَرْأَةِ أَحَدَ أَبْرَزِ مَشاغِلِ الفِكْرِ الإِصْلاحِيِّ العَرَبِيِّ مُنْذُ نِهايَةِ القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ وَخِلالَ القَرْنِ العِْشْرين، غَيْرَ أَنَّ مُقارَباتِها لَمْ تَكُنْ واحِدَةً في مُخْتَلَفِ الأَقْطارِ العَرَبِيَّة. فَفي حينِ انْحَصَرَتْ أَغْلَبُ الكِتاباتِ الْعَرَبِيَّةِ في مُناقَشَةِ قَضايا تَعْليمِ المَرْأَةِ والحِجاب، بَرَزَ في تونِسَ خِطابٌ إِصْلاحِيٌّ أَكْثَرُ جُرْأَةً سَعى إلى إِعادَةِ النَّظَرِ في مَكانَةِ الْمَرْأَةِ داخِلَ البُنْيَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ والتَّشْريعِيَّةِ لِلمُجْتَمَع. فَكانَ الجَدَلُ حَوْلَها خَصْبًا مِنْ قِبَلِ رُموزِ الفِكْرِ الإِصْلاحِيِّ التّونِسِيِّ الذين نَشَروا نُصوصًا تَدْعو إلى تَجْديدِ النَّظَرِ في وَضْعِ المَرْأَةِ وَتَطْويرِ التَّشْريع.

حُقوقُ المَرْأةِ العَرَبِيَّة: بَيْـنَ إرادَةِ المَعْرِفَة وإرادَةِ السُّلْطَةِ السِّياسِيَّة!

ضِمْنَ هَؤُلاءِ المُفَكِّرينَ نَجِدُ محمّد بَلْخوجَة الذي نَشَرَ عامَ 1896 رِسالَةً تَحْتَ عُنْوانِ "الْمَرْأَةُ العَرَبِيَّةُ والتَّعْلِيمُ" في المَجَلَّةِ التّونِسِيَّة، وَما كَتَبَهُ في الفَتْرَةِ نَفْسِها محمد صالِحِ السَّلامِيّ في مَقالَتِهِ الشَّهيرَةِ التي نَشَرَتْها المَجَلَّةُ سالِفَةُ الذِّكْرِ بِعُنْوانِ "المَرْأَةُ المُسْلِمَة"، وَرِسالَةُ محمد السَّنوسِيِّ "تَفْتيقُ الأَكْمامِ على حُقوقِ المَرْأَةِ في الإِسْلام" سَنَةَ 1897، والشَّيْخُ عَبْدُ العَزيزِ الثَّعالِبِيّ الذي دَعا بِكُلِّ وُضوحٍ وَجُرْأَةٍ إلى "تَحْريرِ الْمَرْأَةِ" المُسْلِمَةِ مِنَ القُيودِ المَفْروضَةِ كافَّةً على حُقوقِها الفَرْدِيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّةِ بِاسْمِ الدّينِ والتَّقاليدِ والأَخْلاق. وَقَدْ أَكَّدَ مُنْذُ سَنَةِ 1905، تاريخُ تَأْليفِ كِتابِهِ "روحُ التَّحَرُّرِ في القُرْآن"، أَنَّ مِنْ أَدْواءِ المُجْتَمَعِ التّونِسِيِّ والأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ إِنْكارَهُما على المَرْأَةِ حُقوقًا طَبيعِيَّةً وَرِسالَةً اجْتِماعِيَّةً وَإِنْسانِيَّةً أَقَرَّها لَها الإِسْلامُ مُنْذُ بِداياتِه.

كَما بَرَزَتْ مُنْذُ العِشْرِينِيّاتِ مِنَ القَرْنِ الماضي في تونِسَ حَرَكَةٌ نِسائِيَّةٌ طالَبَت، مِنْ خِلالِ مُخْتَلَفِ نَشاطاتِها، بِتَحْديثِ وَضْعِ المَرْأَة. وَمِنْ ذَلِكَ مُداخَلَةُ السَّيِّدَةِ مَنوبِيَّة الوَرْتاني التي تَجَرَّأَتْ على الوُقوفِ أَمامَ جُمْهورٍ مِنَ الذُّكورِ وَطالَبَتْ بِحُقوقِ المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ وَرَفْعِ الحِجابِ عَنْها وَتَرْقِيَةِ مُسْتَواها الفِكْرِيِّ والأَخْلاقِيِّ والِاجْتِماعِيِّ بِالتَّرْبِيَةِ والتَّعْليم. وَتَلَتْها بَعْدَ أَيامٍ السَّيِّدَةُ حَبيبَة المَنْشاري التي دافَعَتْ عَنْ بَناتِ جِنْسِها، وَنَدَّدَتْ بِالحِجاب، وَحَثَّتِ التُّونِسِيّينَ على مَنْحِ المُسْلِمَةِ حُقوقَها وَنَبْذِ العَوائِدِ الْبالِيَةِ الصّادَّةِ عَنِ التَّقَدُّم.

جوهر الإسلام قائم على العدل والمساواة بين الناس

وَيُعَدُّ كِتابُ الطّاهِرِ الحَداد (1899-1935) "امْرَأَتُنا في الشَّريعَةِ والمُجْتَمَع" (1930) مِنْ أَهَمِّ النُّصوصِ التي عالَجَتْ قَضِيَّةَ المَرْأَةِ في تونِسَ وَرُبَّما في العالَمِ العَرَبِيّ، بِاعْتِبارِ القَضايا التي طَرَحَها الْكاتِب، الذي يُعَدُّ صاحِبَ مَشْروعٍ فِكْرِيٍّ تَنْويرِيٍّ مُتَكامِلٍ ارْتَكَزَ إلى ثَلاثَةِ أُسُس: أَوَّلُها تَطْويرُ التَّعْليم، وَثانيها الِاهْتِمامُ بِالفِئاتِ والشَّرائِحِ المُنْتِجَةِ والْعامِلَة، وَأَخيرًا الِاهْتِمامُ بِوَضْعِيَّةِ المَرْأَة.

اعْتَمَدَ الحَدادُ الْقِراءَةَ المَقاصِدِيَّةَ لِلنَّظَرِ في مَواضيعَ عَديدَة، كالعُبودِيَّةِ وَتَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ والإِرْث، واضِعًا الأَحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِهَذِهِ القَضايا في إِطارِها التاريخِيّ، مُبَيِّنًا أَنَّها أَخَذَت، عِنْدَ نُزولِها، بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ الأَوْضاعَ والعَقْلِيّاتِ السّائِدَةَ في المُجْتَمَعِ العَرَبِيّ، مَعَ العَمَلِ على إِصْلاحِها بِصِفَةٍ تَدْريجِيَّة. وَيَعْتَبِرُ الحَدادُ أَنَّ الإِسْلامَ عَمِلَ على إِرْساءِ الْمُساواةِ تَدْريجِيًّا بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأَة، وَذَلِكَ وِفْقًا لِجَوْهَرِهِ الْقائِمِ على العَدْلِ والمُساواةِ بَيْنَ الناس.

وَعلى خَلْفِيَّةِ ذَلِكَ دَعا إلى تَمْكينِ الْمَرْأَةِ مِنْ حُقوقِها المَدَنِيَّة، كالمُساواةِ في حَقِّ الشَّهادَة، والِانْتِصابِ لِلقَضاء، وَحُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ في مالِها، واعْتِبارِ مَسْأَلَةِ الْميراثِ قابِلَةً لِلتَّغْييرِ في اتِّجاهِ المُساواة.

إِجْمالًا دَعا الحَدادُ إلى تَحْريرِ الْمَرْأَةِ مِنْ "سُجونِها" كَيْ تُساهِمَ في مَصيرِ بِلادِها، بِاعْتِبارِ أَنَّها تُمَثِّلُ نِصْفَ الْمُجْتَمَعِ والنِّصْفُ الآخَرُ بَيْنَ أَحْضانِها، وَإِلى تَثْقيفِ الفَتاةِ وَتَمْكينِها مِنَ التَّعْليمِ على غِرارِ الذَّكَرِ حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنْ تَرْبِيَةِ أَطْفالِها تَرْبِيَةً صالِحَة، والمُساهَمَةِ إلى جانِبِ الرَّجُلِ في النُّهوضِ بِمُجْتَمَعِها. كَما اعْتَبَرَ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الأَوْضاعِ هِيَ وَليدَةُ تَقاليدَ ناجِمَةٍ عَنْ عَقْلِيَّةٍ أَبَوِيَّةٍ وَعَشائِرِيَّةٍ قَديمَة، داعِيًا إلى تَجاوُزِ هَذِهِ العَقْلِيَّةِ الْبالِيَةِ وَإِصْلاحِ وَضْعِ المَرْأَةِ طِبْقًا لِمُقْتَضَياتِ العَصْر، خُصوصًا أَنَّ كُلَّ هَذِهِ المُعامَلاتِ تُجاهَ الأُنْثى تَتَناقَضُ تَمامًا مَعَ روحِ الدّينِ الإِسْلامِيِّ وَجَوْهَرِه.

وَمُقارَنَةً بِالأَدَبِيّاتِ العَرَبِيَّةِ التي انْخَرَطَتْ مُنْذُ أَواخِرِ القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ في الدَّعْوَةِ إلى تَحْريرِ الْمَرْأَةِ العَرَبِيَّة، نُلاحِظُ أَمْرَيْنِ يَتَمَثَّلُ الأَوَّلُ في تَرْكيزِ تِلْكَ الكِتاباتِ على قَضِيَّةِ السُّفورِ والْحِجابِ وَتَعْليمِ المَرْأَةِ مِنْ دونِ أَنْ تَذْهَبَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ إِلّا نادِرًا (مِثْلَ كِتابِ "المَرْأَةُ في الشَّرْقِ" لِمُرْقُص فَهْمي سَنَةَ 1894)، في حينِ تَمَيَّزَتْ الْحَرَكَةُ الإِصْلاحِيَّةُ التّونِسِيَّةُ بِالدَّعْوَةِ إلى المُساواةِ بَيْنَ المَرْأَةِ والرَّجُل، وَإِلى الِاخْتِلاطِ بَيْنَهُما في المَدارِس، والمُساواةِ في الْميراث.

وَيَتَمَثَّلُ الأَمْرُ الثّاني في عَدَمِ انْخِراطِ المَرْأَةِ في المَشْرِقِ في ذَلِكَ السِّجالِ إِلّا نادِرًا (كِتاباتِ اللُّبْنانِيَّةِ زَيْنَب فَوّاز 1846-1914) مُقابِلَ المُشارَكَةِ الفَعّالَةِ لِلمَرْأَةِ التّونِسِيَّةِ في النِّضالِ الوَطَنِيِّ (العَفْوِيِّ والمُنَظَّمِ) ضِدَّ الِاحْتِلالِ الفَرَنْسِيِّ بِأَشْكالٍ مُخْتَلِفَة. وَقَدْ شَكَّلَ كُلُّ ذَلِكَ تَراكُمًا تَمَّ تَعْزيزُهُ بَعْدَ اسْتِقْلالِ البِلاد (20 مارِس/آذار 1956) بِإِصْدارِ الدَّوْلَةِ التّونِسِيَّة، بِزَعامَةِ الرَّئيسِ الحَبيبِ بورْقِيبَة، مَجَلَّةَ الأَحْوالِ الشَّخْصِيَّةِ (13 أَغُسْطُس/آب 1956).

التلاقي بين إرادة المعرفة وإرادة السلطة ظلّ محكومًا بحدود الممكن السياسي وبإكراهات المجتمع

وَمِنَ المُفارَقاتِ أَنَّ بُورْقيبَة، الذي حَرِصَ على إِصْدارِ هَذِهِ المَجَلَّة، لازَمَ الصَّمْتَ أَثْناءَ السِّجالِ حَوْلَ كِتابِ الحَدادِ وَعِنْدَ التَّنْكِيلِ بِه، بَل دافَعَ عَنِ الحِجابِ التَّقْليدِيِّ التّونِسِيِّ ضِدَّ المُطالِباتِ والمُطالِبينَ بِالسُّفور، لِأَنَّ الحِجابَ (السَّفْسارِي) يُمَثِّل، حَسَبَ رَأْيِه، أَحَدَ مُقَوِّماتِ الشَّخْصِيَّةِ التّونِسِيَّةِ التي تَرْزَحُ تَحْتَ الِاحْتِلال. كَما أَنَّ بُورْقيبَة نَفْسَه، الذي أَطْلَقَ على نَفْسِهِ وَصْفَ "مُحَرِّرِ المَرْأَة"، لَمْ يُعَيِّنْ في عَهْدِهِ وَزيرَةً إِلا بَعْدَ 27 سَنَة (1983).

لَقَدْ كَشَفَتْ تَجْرِبَةُ الإِصْلاحِ في تونِسَ أَنَّ مَسْأَلَةَ حُقوقِ المَرْأَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ نِتاجَ قَرارٍ سِياسِيٍّ مَعْزول، بَل كانَتْ ثَمَرَةَ تَفاعُلٍ تاريخِيٍّ بَيْنَ إِنْتاجٍ مَعْرِفِيٍّ إِصْلاحِيٍّ سابِقٍ لِلسُّلْطَةِ وَبَيْنَ إِرادَةٍ سِياسِيَّةٍ تَبَنَّتْ بَعْضًا مِنْ مُخْرَجاتِهِ في سِياقِ بِناءِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة. غَيْرَ أَنَّ هَذا التَّلاقي بَيْنَ إِرادَةِ الْمَعْرِفَةِ وَإِرادَةِ السُّلْطَة، ظَلَّ دائِمًا مَحْكومًا بِحُدودِ المُمْكِنِ السِّياسِيِّ وَبِإِكْراهاتِ المُجْتَمَع. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ تاريخَ حُقوقِ المَرْأَةِ يَظَلُّ شاهِدًا على أَنَّ التَّقَدُّمَ في هَذَا المَجالِ لَمْ يَكُنْ مَسارًا خَطِّيًّا، بَل حَصيلَةَ جَدَلٍ دائِمٍ بَيْنَ الفِكْرِ الإِصْلاحِيِّ مِنْ جِهَة، واسْتْراتيجِياتِ السُّلْطَةِ في إِدارَةِ التَّغْييرِ الِاجْتِماعِيِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى. 

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن