في مِثْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ لا يَجِبُ أَن نَنْشَغِلَ بِسُؤالٍ عَن صِحَّةِ هَذا الخِطابِ أَم خَطَئِهِ، بَل عَن كَيْفَ أَصْبَحَ مُمْكِنًا أَصْلًا، وَكَيْفَ وَجَدَ لِنَفسِهِ جُمْهورًا، وَكَيْفَ اكتَسَبَ القُدْرَةَ عَلى أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلى بَديلٍ نَفْسِيٍّ وَمَعْرِفِيٍّ لَدى فِئاتٍ لا يُمْكِنُ اخْتِزالُها في وَصْفِ الجَهْلِ أَو نَقْصِ التَّعْليم.
الانجذاب إلى الخطابات البديلة يكون نتيجة بحث عن استقرار نفسي مفقود
المُشكِلَةُ لَيْسَت في وُجودِ خِطابٍ غَيْرِ عِلْمِيّ، بَلْ في أَنَّ هَذا الخِطابَ يَتَحَرَّكُ داخِلَ فَراغاتٍ لَم يَعُدِ العِلْمُ نَفْسُهُ يَمْلَؤُها بِالقَدْرِ الكافي مِنَ الطُّمَأنينَةِ أَو القُرْبِ أَو الفَهْمِ المُباشِر. في هَذِهِ المِنْطَقَةِ الرَّمادِيَّةِ تَحديدًا تَتَشَكَّلُ الظّاهِرَة: "مَعْرِفَةٌ" بِأَنَّ ما يُقالُ لا يَنْتَمي إِلى العِلْمِ الصّارِم، يُقابِلُها في الوَقْتِ نَفْسِهِ "إِحساسٌ" بِأَنَّ العِلْمَ ذاتَهُ لَم يَعُدْ يُقَدِّمُ وَعْدًا مُريحًا أَو قابِلًا لِلاعتمادِ اليَوْمِيّ.
هُنا لا يَكونُ الِانْجِذابُ إِلى الخِطاباتِ البَديلَةِ نَتيجَةَ اقْتِناعٍ بِقَدْرِ ما يَكونُ نَتيجَةَ بَحْثٍ عَنِ اسْتِقرارٍ نَفْسِيٍّ مَفْقود، فَهِيَ لا تُنافِسُ العِلْمَ عَلى مُسْتَوى الدِّقَّة، بَل عَلى مُسْتَوى الطُّمَأنينَة.
العِلْمُ في صورَتِهِ النَّظَرِيَّةِ يَقومُ عَلى التَّفسيرِ وَالضَّبْطِ وَالتَّراكُم، لٰكِنَّهُ في صورَتِهِ الِاجْتِماعِيَّةِ يَتَحَوَّلُ إِلى تَجْرِبَةٍ مُعَقَّدَة، مُكْلِفَة، وَأَحْيانًا بارِدَة. وَالمَريضُ لا يَتَعامَلُ مَعَ "مُعادَلَةٍ عِلْمِيَّة"، بَل مَعَ نِظامٍ صِحِّيٍّ كامِلٍ تَتَداخَلُ فيهِ الأَبْعادُ الِاقتصادِيَّةُ وَالإِدارِيَّةُ وَالإِنْسانِيَّة. وَمَعَ الوَقْتِ تَتَراكَمُ الخِبْراتُ الفَرْدِيَّةُ الصَّغيرَةُ لِتُشَكِّلَ انْطِباعًا عامًّا بِأَنَّ العِلْمَ صَحيح، لَكِنَّهُ لَيْسَ دائِمًا قَريبًا أَو رَحيمًا أَو مُتاحًا بِالقَدْرِ الكافي.
لا يُمْكِنُ فَصْلُ اللَّحْظَةِ الرّاهِنَةِ عَن سِياقٍ أَطْوَل، فَمِثْلُ هَذِهِ الظَّواهِرِ لَم يَتَشَكَّلْ فَجْأَة، بَل هُوَ امْتِدادٌ لِمَسارٍ تاريخِيٍّ بَدَأَ مُنذُ لَحْظَةِ التَّحديثِ الأولى في مِصْر، حينَ انْطَلَقَتِ الدَّوْلَةُ في مَشْروعِ بِناءِ مُؤَسَّساتٍ حَديثَةٍ مِنْ دونِ أَن يُصاحِبَ ذَلِكَ بِالضَّرورَةِ تَحَوُّلٌ مُوازٍ في البُنْيَةِ العَميقَةِ لِلوَعْيِ الِاجْتِماعِيّ.
مَشْروعُ محمد عَلي شَكَّلَ مَلامِحَ دَوْلَةٍ حَديثَةٍ مِن حَيْثُ الأَدَوات: جَيْشٌ مُنَظَّم، تَعليمٌ نِظامِيّ، إِدارَةٌ مَرْكَزِيَّة، وَمُؤَسَّساتٌ صِحِّيَّةٌ وَتَعْليمِيَّة. غَيْرَ أَنَّ هَذا البِناءَ ظَلّ، في جانِبٍ كَبيرٍ مِنْه، مُرْتَبِطًا بِمَسارٍ مِن أَعْلى إِلى أَسْفَل، حَيْثُ كانَتِ الدَّولَةُ هِيَ الفاعِلَ الأَساسِيَّ في إِنْتاجِ الحَداثَة، بَينَما ظَلَّ المُجْتَمَعُ في مَوْقِعِ المُتَلَقّي أَكْثَرَ مِنْهُ الشَّريكَ في إِنْتاجِها.
لم يتحوّل العِلم إلى جزء عضوي من الثقافة العامة
في التَّجْرِبَةِ التّاريخِيَّةِ لِلحَداثَة، لا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِالمُؤَسَّساتِ وَحْدَها، بَل بِطَريقَةِ تَشَكُّلِ المَعْرِفَةِ داخِلَ المُجْتَمَع. وَفي السِّياقاتِ الَّتي استَقَرَّت فيها الحَداثَةُ بِعُمْق، كانَتِ العُلومُ جُزْءًا مِن تَحَوُّلٍ ثَقافِيٍّ شامِلٍ أَعادَ تَعْريفَ العَلاقَةِ بَيْنَ الفَرْدِ وَالحَقيقَة، وَبَيْنَ السُّلْطَةِ وَالمَعْرِفَة، وَبَيْنَ الإِيمانِ وَالمَنْهَج. أَمّا في السِّياقاتِ الَّتي جاءَت فيها الحَداثَةُ عَبْرَ الدَّوْلَة، فَقَد ظَلَّ هَذا التَّحَوُّلُ جُزْئِيًّا وَمَحْدودَ الأَثَرِ في البُنْيَةِ الذِّهْنِيَّةِ العامَّة.
النَّتيجَةُ كانَت تَكْوينًا مُزْدَوِجًا: مُؤَسَّساتٌ حَديثَةٌ تَعْمَلُ وِفْقَ قَواعِدَ عِلْمِيَّةٍ في ظاهِرِها، مُقابِلَ وَعْيٍ اجْتِماعِيٍّ لَم يَندَمِجْ بِالكامِلِ مَعَ هَذِهِ القَواعِد، بَلْ ظَلَّ يَتَعامَلُ مَعَها أَحْيانًا بِوَصْفِها سُلْطَةً خارِجِيَّةً أَكثَرَ مِن كَوْنِها لُغَةً مُشْتَرَكَة.
بِمُرورِ الوَقْتِ بَدَأَت تَظْهَرُ آثارُ هَذا الِانْفِصال؛ فَالعِلْمُ، عَلى الرَّغمِ مِن تَقَدُّمِه، لَم يَتَحَوَّلْ دائِمًا إِلى خِبْرَةٍ يَومِيَّةٍ مُطْمَئِنَّة، بَل ظَلَّ مُرتَبِطًا في أَذْهانِ الكَثيرينَ بِالتَّكْلِفَةِ وَالتَّعقيدِ وَالبيروقراطِيَّة. وَفي المُقابِل، لَم تَخْتَفِ الحاجَةُ الإِنْسانِيَّةُ الأَساسِيَّةُ إِلى الفَهْمِ البَسيطِ وَاليَقينِ السَّريعِ وَالطُّمَأنينَةِ المُباشِرَة.
في هَذِهِ المَسافَةِ بَيْنَ العِلْمِ كَما يُمارَس، وَالعِلْمِ كَما يُتَوَقَّعُ مِنْه، تَنشَأُ الفَجْوَةُ الَّتي تَتَحَرَّكُ فيها الخِطاباتُ البَديلَة. وَعِندَما يَظْهَرُ خِطابٌ يُقَدِّمُ إِجاباتٍ بَسيطَةً في عالَمٍ مُعَقَّد، فَإِنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَقوى عِلْمِيًّا، بَل لِأَنَّهُ أَكثَرُ قُدْرَةً عَلى مَلْءِ الفَراغِ العاطِفِيِّ وَالمَعرِفِيِّ في آنٍ واحِد.
وَمِن هُنا يُصْبِحُ ظُهورُ شَخْصِيّاتٍ مِثلَ ضِياءِ العَوَضيّ قابِلًا لِلفَهْمِ لا بِوَصْفِهِ انْحِرافًا فَرْدِيًّا، بَل بِتَعْبيرِهِ عَن تَوَتُّرٍ أَوْسَعَ بَيْنَ نِظامٍ مَعْرِفِيٍّ مُؤَسَّسِيٍّ وَتَجْرِبَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ تَبْحَثُ عَنِ المَعْنى وَالطُّمَأنينَةِ في الوَقْتِ نَفْسِه.
التَّعامُلُ مَعَ هَذِهِ الظَّواهِرِ اخْتُزِلَ في الكَثيرِ مِنَ الأَحْيانِ بِمَوْقِفَيْن: مَوْقِفٌ يَكْتَفي بِالسُّخْرِيَّةِ وَكَأَنَّ المُشْكِلَةَ تُحَلُّ بِإِخْراجِها مِن دائِرَةِ التَّفْكير، وَمَوْقِفٌ يَنْدَفِعُ إِلى التَّبريرِ الكامِلِ وَكَأَنَّ أَيَّ نَقْدٍ لِلظّاهِرَةِ هُوَ تَجاهُلٌ لِمُعاناةٍ اجتِماعِيَّةٍ حَقيقِيَّة. وَبَيْنَ هَذَيْنِ المَوْقِفَيْنِ تَضيعُ القُدْرَةُ عَلى الفَهْمِ المُرَكَّبِ الَّذي يَرْبِطُ بَيْنَ البُنْيَةِ التّاريخِيَّةِ وَالسُّلوكِ الفَرْدِيّ.
المَسْأَلَةُ في جَوْهَرِها تَعْبيرٌ عَن مَسارٍ طَويلٍ مِنَ التَّحْديثِ غَيرِ المُكْتَمِل، لَمْ يَتَحَوَّلِ العِلْمُ فيهِ إِلى جُزْءٍ عُضْوِيٍّ مِنَ الثَّقافَةِ العامَّة، وَلَم تَتَحَوَّلِ الثَّقافَةُ العامَّةُ إِلى ثَقافَةٍ عِلْمِيَّة. وَهَكَذا ظَلَّ المُجْتَمَعُ يَعيشُ حالَةً تَرْكيبِيَّةً يَستَخْدِمُ فيها أَدَواتِ الحَداثَةِ مِن دونِ أَن يَسْتَبْطِنَ شُروطَها الفِكْرِيَّةَ العَميقَة.
حين يُقدّم العِلم كسلطة مُتعالية يُقابل بالبحث عن بدائل ولو كانت أقلّ دقة
مِن هُنا لا تَظْهَرُ الإِشْكالِيَّةُ في الخِطاباتِ الَّتي تَبْتَعِدُ عَنِ العِلْمِ فَقَط، بَل تَمتَدُّ أَيْضًا إِلى بَعْضِ صُوَرِ الخِطابِ الَّذي يُفتَرَضُ أَنَّهُ يُمَثِّلُه، حينَ يَتَحَوَّلُ في مُواجَهَةِ ما يُسَمّى بِالخُرافَةِ إِلى نَبْرَةٍ يَقينِيَّةٍ تَخْتَزِلُ التَّعقيدَ الِاجْتِماعِيَّ في ثُنائِيَّةِ "وَعْيٍ" وَ"جَهْل"، وَتَتَعامَلُ مَعَ المُتَلَقّي بِوَصْفِهِ نَقْصًا مَعْرِفِيًّا لا شَريكًا في الفَهْم.
وَهَكَذا لا يَعودُ الدِّفاعُ عَنِ العِلْمِ شَرْحًا لِلحَقائِقِ بِقَدْرِ ما يُصْبِحُ إِعادَةَ إِنْتاجٍ لِفَجْوَةِ الثِّقَةِ ذاتِها، حينَ يُقَدَّمُ العِلْمُ كَسُلْطَةٍ مُتَعالِيَةٍ لا كَتَجرِبَةٍ إِنسانيَّةٍ مُشتَرَكَة، فَيُقابَلُ لا بِالِاقْتِناع، بَل بِالِانْسِحابِ أَو البَحْثِ عَن بَدائِلَ أَبْسَط، وَلَو كانَت أَقَلَّ دِقَّة.
الأَزْمَةُ ـ هُنا ـ لَيْسَت بَيْنَ عِلْمٍ وَخُرافَة، بَل بَيْنَ نَمَطَيْنِ لِلمَعْرِفَة، أَحَدُهُما يُراكِمُ الحَقائِقَ مِن دونِ أَن يَنْجَحَ دائِمًا في تَرْجَمَتِها اجْتِماعِيًّا، وَآخَرُ يَمْلَأُ فَراغَ الطُّمَأنينَةِ مَهْما كانَ هَشًّا؛ وَفي هَذِهِ المَسافَةِ وَحْدَها تَتَحَدَّدُ مَلامِحُ تَعَثُّرِ الحَداثَة، لا بِوَصْفِهِ فَشَلًا في إِنْتاجِ العِلْم، بَلْ تَعَثُّرًا في جَعْلِهِ لُغَةَ حَياةٍ مُشْتَرَكَة.
(خاص "عروبة 22")

