تَفاعُلُ السّوريّينَ مَعَ إِشاراتِ الحُكومَةِ وَأَقْوالِ المَسْؤولينَ مِنْ أَرْكانِها، بَدا إيجابِيًّا وَمُتَحَمِّسًا في البِدايَةِ على الرَّغمِ مِنِ انْقِسامِهِ إِلى مَراتِب، وَهَذا أَمرٌ طَبيعِيّ. فَالكَثيرُ مِنَ السّوريّينَ وَوَسَطَ فَرَحِهِم بِإِسقاطِ نِظامِ الأَسَد، وَمَجيءِ عَهْدٍ جَديد، كانوا على استِعْدادٍ لِقَبولِ أَيِّ وُعودٍ أَو حَتّى أَيِّ إِشاراتٍ باتِّجاهِ التَّغيير، وَهُمْ يَعْرِفونَ مِقْدارَ الدَّمارِ الَّذي لَحِقَ بِسوريا وَخاصَّةً في سَنَواتِ الحَرْب، وَيَعْرِفونَ الظُّروفَ الإِقْليمِيَّةَ وَالدَّوْلِيَّةَ الصَّعْبَة، الَّتي جَعَلَها البائِدُ تُحيطُ بِسورْيا وَالسّوريّين، وَالَّتي تَحتاجُ هِيَ الأُخْرى إِلى جُهْدٍ وَوَقْتٍ لِلخُروجِ مِن مُخَلّفاتِها وَتَداعِياتِها.
الدور الخارجي للحكومة إيجابي أما في الداخل فالمسار مُرتبك
وَلَئِن بَدا بَعضُ السّوريّينَ الفَرِحينَ بِالتَّغييرِ مُتَحَفِّظينَ في قَبولِ الإِشاراتِ وَالأَقْوالِ الحُكوميَّةِ في مُعظَمِها، فَإِنَّهُم رَكَّزوا على ضَرورَةِ إِطلاقِ رُؤًى وَخُطَطٍ وَمَشاريع، تُبَرْمِجُ الإِشاراتِ وَالأَقْوال، وَهَذا طَبيعِيٌّ في بَلَدٍ دَرَجَتْ فيهِ سِياسَةُ خُطَطِ التَّنمِيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّة، وَشاعَتْ عَمَلِيّاتُ إِطْلاقِ المَشاريع، وَإِصْدارُ بَياناتِ الحُكومَةِ عَن خُطَطِ عَمَلِها، وَاعتَمَدَتْ سِياسَةَ إِعْلانِ الميزانِيّاتِ العامَّة، وَغِيابُ هَذا النَّمَطِ يَجْلِبُ قَلَقًا، يَزيدُ مَعَ صَمْتٍ مَقْصودٍ وَأَخبارٍ وَقَراراتٍ مُفاجِئَة، وَتَناقُضاتٍ تَظْهَرُ أَو يُحْكى عَنْها، خاصَّةً أَنَّ السّوريينَ بِحاجَةٍ إِلى ما وَمَن يُطَمْئِنُهُم عَن تَبَدُّلِ حَياتِهِم في المَدى القَريب.
وَسَطَ افْتِراقِ المَواقِف، مَضَتِ الأَشْهُرُ الـ18 الماضِيَةُ على التَّغْييرِ السّورِيّ، وَالَّتي تَرَكَّزَتْ مَساراتُهُ في اتِّجاهَيْن، اتِّجاهٍ إِقْليمِيٍّ دَوْلِيٍّ تَفاعَلَ بِصورةٍ إيجابِيَّة، ساعِيًا إِلى تَغييرِ البيئَةِ المُحيطَةِ بِالوَضْع، فاتِحًا الأَبْوابَ نَحوَ التَّقَدُّمِ عَبْرَ رَفْعِ العُقوبات، وَإِعادَةِ الإِعْمارِ وَتَطبيعِ عَلاقاتِ سوريا مَعَ العالَم، وَلا شَكَّ أَنَّ دَوْرَ الحُكومَةِ كانَ إيجابِيًّا في هَذا الإِنْجاز. أَمّا في الاتِّجاهِ الثّاني المُتَّصِلِ بِالدّاخِل، فَقَدْ بَدا الأَمْرُ في مَسارٍ مُخْتَلِفٍ مُرْتَبِكًا، وَأَساسُ الارْتِباكِ أَنَّهُ وَبَعدَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَإِنَّ السِّياساتِ وَالخُطُواتِ الَّتي تَمَّت، لَم تُحَقِّق تَقَدُّمًا مَلْموسًا، وَلا كَرَّسَتْ بيئَةً داخِلِيَّةً لِلتَّقَدُّم، بَلْ إِنَّها أَثارَتْ أَسئِلَةً أَكثَرَ مِمّا قَدَّمَتْ إِشاراتِ اطْمِئْنان، إِذ قوبِلَ الإِعلانُ الدُّسْتوريُّ بِمُلاحَظاتٍ مُهِمَّةٍ جَرى السُّكوتُ عَنْها، وَلَم يَعْقِدْ مَجْلِسُ الشَّعْبِ وَلَوِ اجتِماعًا واحِدًا لَه، وَما زالَتْ مَرْحَلَةُ العَدالَةِ الانْتِقالِيَّةِ مُحاطَةً بِالضَّبابِ وَسَطَ تَبايُنٍ سوريٍّ حَوْلَ مُحْتَواها وَهَدَفِها، وَمُخَيَّماتُ النّازِحينَ وَاللّاجِئينَ في دُوَلِ الجِوارِ ما زالَتْ ثِقْلًا رابِضًا على صُدورِ السّوريّين، وَلَم تُعْلِنِ الحُكومَةُ بَعْدُ سِياساتٍ وَخُطَطًا تُبَيِّنُ تَوَجُّهاتِها، بَل إِنَّ بَعْضَ ما ظَهَرَ مِن سِياسات، وَتَمَّ مِن خُطُوات، بَدَتْ وَكَأَنَّها تَأكيدُ نَقيضِ مُتَطَلَّباتِ التَّقَدُّم.
الحرب على إيران دفعت سوريا إلى مكانة هامشية في اهتمامات المحيطين الإقليمي والدولي
وَعلى الرَّغمِ مِن كَثْرَةِ الأَمْثِلَة، يَكْفي التَّوقُّفُ عِنْدَ إِشاراتٍ سَريعَةٍ مِثْلَ عَدَمِ إِطْلاقِ سِياساتٍ تَشْجيعِيَّةٍ لِقِطاعاتِ الإِنتاجِ الزِّراعِيِّ وَالحَيَوانِيِّ وَالحِرَفِيّ، وَمِثْلُها رَفعُ أَسْعارِ الوُقودِ وَالكَهْرَباءِ بِنِسَبٍ خَيالِيَّة، ما أَصابَ جُهودَ استِعادَةِ الصِّناعَةِ بِما يُشْبِهُ المَقْتَل، خاصَّةً أَنَّ ما سَبَقَ تَرافَقَ مَعَ فَتْحِ الحُدودِ أَمامَ استيرادِ سِلَعٍ خارِجِيَّةٍ مُنافِسَةٍ لِلمُنْتَجاتِ السّوريَّةِ مِن جِهَة، وَصَرْفِ كُتلَةٍ كَبيرَةٍ مِنَ العُمْلَةِ الصَّعْبَةِ على استيرادِ سَيّاراتٍ مُستَهْلَكَةٍ مِن جِهَةٍ ثانِيَة.
وَقَريبًا مِنَ المَسارِ ذاتِه، تَوالَتْ خُطُواتٌ بَينَها إِعْلانُ مَشاريعِ الإِسْكانِ الفَخْمِ وَالمولاتِ الكُبْرى، وَالتَّوَجُّهُ نَحْوَ إِعْطاءِ المَناطِقِ المُدَمَّرَةِ إلى شَرِكاتِ إِنْشاءات، تَقومُ بِمَشاريعَ أَبْعَدَ عَن حاجَةِ السّوريينَ العاجِلَة، وَتَأجيرُ أَو بَيْعُ بَعْضِ مُؤسَّساتِ الدَّوْلَةِ وَخَصْخَصَتُها، وَكُلُّ ما سَبَقَ تَرَكَ آثارًا سَلْبِيَّةً على فِكْرَةِ التَّقَدُّمِ السّورِيِّ لَدى الحُكومَةِ أَو في بَعْضِ مَفاصِلِها على الأَقَلّ.
إِنَّ ما جَرى في المُستَوى الدّاخِلِيِّ مِن تَقصيرٍ وَأَخْطاءٍ بِغَضِّ النَّظَرِ عَن أَسْبابِه، جَعَلَ مَسارَ التَّقَدُّمِ السّورِيِّ غارِقًا في تَناقُضِ أَهْدافِهِ مَعَ الوَقائِع، مِمّا يَجْعَلُهُ أَمامَ مُستَقبَلٍ غامِضٍ خاصَّةً إِذا أَضَفْنا ما حَصَلَ مِن سَلْبيّاتٍ راكَمَتْها النَّتائِجُ الأَوَّلِيَّةُ لِلحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيرانَ في تَأثيراتِها على سوريا، حَيْثُ دَفَعَتِ الحَرْبُ سوريا وَتَطَوُّراتُها وَمَوْضوعاتِها الأَساسِيَّةِ إِلى مَكانَةٍ هامِشِيَّةٍ في اهْتِماماتِ المُحيطَيْنِ الإِقْليمِيِّ وَالدَّوْلِيّ، كَما أَنَّ الحَرْبَ جَعَلَتْ سورْيا وَبُلْدانَ المِنْطَقَةِ فَريسَةً لِلغَلاءِ وَصُعوبَةِ وُصولِ إِمْداداتِ السِّلَعِ الأَساسِيَّةِ وَخاصَّةً الوُقودِ وَالغِذاء، وَبِفِعْلِ آثارِ الحَرْبِ على بُلْدانِ الخَليج، فَقَد أَعْلَنَتِ الأَخيرَةُ وَهِيَ أَبْرَزُ الدّاعِمينَ لِسورْيا عَن تَوَجُّهِها لِتَخْفيضِ مُساعَداتِها الخارِجِيَّة، وَهَذا يَشْمَلُ سورْيا، كَما يَشمَلُها تَخْفيضُ حَجْمِ الاسْتِثْمارات، الَّتي كانَ مِنَ المُتَوَقَّعِ أَن تُشارِكَ في عَمَلِيَّةِ إِعادَةِ الإِعْمارِ وَتَطْبيعِ الحَياةِ السّورِيَّةِ المُنْتَظَرَة.
تسوء حياة الأكثرية السورية بدل سيرها نحو الهدف المنشود
خُلاصَةُ الأَمْر، ثَمَّةَ خَشْيَةٌ مِن أَنَّ سِياسَةَ غُموضِ التَّقَدُّمِ السّورِيِّ بِما لَحِقَها مِن تَوَجُّهاتٍ وَسِياساتٍ وَمُمارَساتٍ داخِلِيَّة، وَما طَرَأَ عَلَيْها مِن تَحَوُّلاتٍ في البيئَةِ المُحيطَة، أَوْصَلَتْ مَسارَ التَّقَدُّمِ إِلى مُنْعَطَفٍ صَعْبٍ تَسوءُ فيهِ حَياةُ الأَكْثَرِيَّةِ السّورِيَّةِ فَقَط، وَيَزْدادُ فَقْرُها وَمَشاكِلُها، بَدَلَ سَيْرِها الحَثيثِ نَحْوَ الهَدَفِ المَنْشودِ في تَقَدُّمٍ عامٍّ يَشْمَلُ فَضاءاتٍ سِياسِيَّةٍ واقتِصادِيَّةٍ وَاجتِماعِيَّةٍ نَقيضَةٍ لِما كانَ عَلَيْهِ النِّظامُ البائِد.
وَوَسَطَ تِلْكَ الخُلاصَة، يَتَصاعَدُ إِحْساسٌ سورِيٌّ بِضَرورَةِ تَحَرُّكٍ هُوَ بَعْضٌ مِن مَطالِبِ إِصْلاحٍ، وَتَنْبيهٌ مِن أَخطارِ الرّاهِن، بَلْ وَاحتِجاجٌ عَلَيْه، وَكُلُّها تَفاصيلُ في ظاهِرَةِ تَحَرُّكاتٍ مَطْلَبِيَّةٍ جُزْءٌ مِنْها أَنْشِطَةٌ شَعْبِيَّةٌ وَسِياسِيَّةٌ في دِمَشْقَ وَمُدُنٍ أُخْرى، وَقَد صارَ لِلتَّحَرُّكاتِ جُهْدٌ مُوازٍ في عَمَلِيّاتِ نَقْدٍ بِالقَوْلِ وَالكِتابَةِ لِلسِّياسَةِ المُتَّبَعَة، وَما تَمارِسُهُ الحُكومَةُ مِن سِياسات، وَما تَتَّخِذُهُ مِن إِجْراءاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَاجْتِماعِيَّة، وَبَعْضُ عَمَلِيّاتِ النَّقدِ يُمارِسُها أَشْخاصٌ مُصَنَّفونَ في قائِمَةِ أَصْدِقاءِ السُّلْطةِ وَحُكومَتِها وَمُقَرَّبينَ مِنْها، وَلَيْسوا في قائِمَةِ الخُصومِ وَالأَعْداءِ وَالفُلول، كَما يَقولُ البَعْض.
السُّؤالُ السّورِيُّ الأَهَمُّ اليَوْم، هَل يَمْلِكُ العَهْدُ الجَديدُ قُوَّةَ وَقُدرَةَ المُبادَرَةِ نَحْوَ التَّغييرِ وَالتَّقَدُّم؟ وَالجَوابُ العَمَلِيُّ مُتَوَقِّفٌ لَيْسَ على ما يُقال، بَلْ أَيضًا على ما يَتِمُّ القِيامُ بِهِ مِن جانِبِه!.
(خاص "عروبة 22")

