اقتصاد ومال

لماذا تَخشى الصّينُ الدّولار؟

يَعْكِسُ قَرارُ الصّينِ تَثبيتَ أَسْعارِ الفائِدَةِ القِياسِيَّةِ لِلإِقْراض، مَزيجًا مِنَ الثِّقَةِ في أَداءِ الِاقتصاد، وَالحَذَرِ مِنَ المَخاطِرِ الخارِجِيَّة، فَفي ظِلِّ نُمُوٍّ قَوِيٍّ خِلالَ الرُّبْعِ الأَوَّل، وَعَوْدَةٍ تَدريجِيَّةٍ لِلضُّغوطِ التَّضَخُّمِيَّة، تَبْدو بِكّينُ أَقَلَّ مَيْلًا إِلى التَّيسيرِ النَّقدِيِّ واسِعِ النِّطاق، مُفَضِّلَةً نَهْجًا أَكثَرَ انْتِقائِيَّةً في إِدارَةِ الِاقْتِصاد. وَهٰذا التَّوَجُّهُ يَعكِسُ تَحَوُّلًا تَدْريجِيًّا في أَوْلَوِيّاتِ السِّياسَةِ النَّقدِيَّةِ الصّينِيَّة، مِنَ التَّركيزِ على دَعْمِ النُّمُوّ، إِلى تَحقيقِ تَوازُنٍ أَدَقَّ بَيْنَ النُّمُوِّ وَالِاسْتِقرارِ المالِيّ، فَمع تَعافي بَعْضِ مُؤَشِّراتِ الِاقتصادِ الحَقيقِيّ، خُصوصًا في قِطاعَيْ الصِّناعَةِ وَالتَّصْدير، باتَتِ المَخاوِفُ مِنَ الإِفراطِ في التَّيسيرِ النَّقْدِيِّ أَكْثَرَ وُضوحًا.

لماذا تَخشى الصّينُ الدّولار؟

على الرَّغمِ مِن أَنَّ التَّضَخُّمَ لا يَزالُ تَحْتَ السَّيطَرَةِ نِسْبيًّا، فَإِنَّ صُنّاعَ السِّياسَةِ يَبْدونَ حَذِرينَ مِنِ اتِّخاذِ خُطْواتٍ قَد تُؤَدّي إِلى تَسريعِ وَتيرَتِه. كَما أَنَّ اسْتِقرارَ أَسْعارِ الفائِدَةِ يَعْكِسُ أَيضًا قِراءَةً دَقيقَةً لِمُستَوى الطَّلَبِ على الِائْتِمانِ الَّذي لَم يَشهَدْ بَعْدُ تَعافِيًا قَوِيًّا بِما يَكْفي لِتَبْريرِ سِياسَةٍ نَقْدِيَّةٍ أَكثَرَ تَيْسيرًا، فَحَتّى مع تَوَفُّرِ السُّيولَةِ في النِّظامِ المالِيّ، لا تَزالُ الشَّرِكاتُ وَالأُسَرُ مُتَحَفِّظَةً نِسْبيًّا في الِاقتِراض، ما يُقَلِّلُ مِن فاعِلِيَّةِ أَيِّ خَفْضٍ إِضافِيٍّ في أَسْعارِ الفائِدَةِ كَأَداةٍ لِتَحفيزِ الِاقتصاد.

تَعَهَّدَتِ الصّينُ بِتَعزيزِ أَمْنِ الطّاقَةِ مع تَحْقيقِ تَنْمِيَةٍ تِكْنولوجِيَّةٍ سَريعَةٍ وَاكْتِفاءٍ ذاتِيٍّ في ظِلِّ تَأَثُّرِ الِاقْتِصادِ بِالحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إِيران، فَنَما ثاني أَكبَرِ اقْتِصادٍ في العالَمِ بِنِسبَةِ 5%. وَيَعودُ الفَضْلُ في ذَلِكَ إِلى وَفْرَةِ احْتِياطِيّاتِ النَّفْطِ وَتَنَوُّعِ مَصادِرِ الطّاقَة، وَمع ذَلِكَ يُهَدِّدُ ارْتِفاعُ أَسْعارِ الطّاقَةِ وَالمَوادِّ الخامِ بِزِيادَةِ تَكاليفِ الإِنْتاجِ وَتَقْليصِ هَوامِشِ الرِّبحِ في المَصانِعِ الَّتي تُوَظِّفُ مِئاتِ المَلايينِ مِنَ القُوَّةِ الْعامِلَة.

تُشجّع الصين على شراء الدولار لكبح جماح ارتفاع اليوان

إِنَّ وَفْرَةَ احْتِياطِيّاتِ النَّفْطِ وَالِاسْتِخدامَ الكَبيرَ لِلفَحْمِ وَالِانْتِشارَ الواسِعَ لِلطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ وَطاقَةِ الرِّياحِ وَالمَرْكَباتِ الكَهرَبائِيَّة، مَنَحَتِ الصّينَ فُرَصًا كَبيرةً لِتَجاوُزِ تَداعِياتِ إِغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُزَ مُقارَنَةً بِالكَثيرِ مِنَ الِاقْتِصاداتِ الأوروبِّيَّةِ وَالآسْيَوِيَّة.

وإذ تُشَجِّعُ الصّينُ على شِراءِ الدّولارِ لِكَبْحِ جَماحِ ارْتِفاعِ اليُوان، اتَّخَذَ البَنْكُ المَرْكَزِيُّ الصّينِيُّ يَوْمَ الجُمُعَة الفائت إِجْراءً لِكَبحِْ جِماحِ ارتِفاعِ اليُوانِ السَّريع، فَأَلْغى مُتَطَلَّباتِ احْتِياطِيّاتِ المَخاطِرِ لِعُقودِ الصَّرْفِ الأَجنَبِيِّ الآجِلَة، في خُطْوَةٍ لِتَشْجيعِ شِراءِ الدّولارِ مع بَدْءِ شُعورِ المُصَدِّرينَ بِآثارِ قُوَّةِ العُملَة، بَعدَ أَن سَجَّلَ اليُوانُ أَعلى مُستَوًى لَهُ مُنذُ فَتْرَةٍ مُقابِلَ الدّولارِ مُتَوَقِّفًا بِذَلِكَ عَن مَوْجَةِ صُعودٍ قَوِيَّةٍ مَدْفوعَةٍ إِلى حَدٍّ كَبيرٍ بِطَفْرَةٍ غَيرِ مُتَوَقَّعَةٍ في الصّادِرات.

تَخْشى الصّينُ الدّولار، وَهُناكَ أَسْبابٌ عِدَّةٌ لذلك، أَهَمُّها أَنَّ الوَرَقَةَ الخَضْراءَ لا تَزالُ أَنْجَعَ وَسيلَةٍ وَأَكثَرَها تَداوُلًا في التِّجارَةِ العالَمِيَّة، وَمِن ثَمَّ الإِحْكامَ المُطْبَقَ أَميرْكِيًّا لناحِيَةِ السَّيْطَرَةِ على استِخدامِه بِاعتبارِهِ عملةً لا بُدَّ مِنها في التِّجارَةِ الدَّولِيَّة. وَهُناكَ عامِلٌ مُهِمٌّ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِطَريقَةِ الحُصولِ على الدّولار، فَالعالَمُ كُلُّهُ يَلْهَثُ لِتَمَلُّكِ الدّولارِ لِأَغْراضٍ شَتّى، مِنْها كَعُمْلَةٍ احْتِياطِيَّةٍ أَو لِلتِّجارَة، وَعِنْدَ الحُصولِ على كَمِّيّاتٍ كَبيرةٍ مِنْهُ يُعادُ تَدْويرُها في الِاقتصادِ الأَميرْكِيّ، إِنْ مِن خِلالِ شِراءِ سَنَداتِ الخَزينَةِ الأَميرْكِيَّةِ أَو شِراءِ أَسْهُمٍ أَو عَقاراتٍ أَميرْكِيَّةٍ وَما شابَه، وَهَذا مَعْناهُ أَنَّ هُناكَ طَلَبًا كَبيرًا على الدّولارِ تَقريبًا في كُلِّ أَنحاءِ العالَم، وَمِنْ هُنا ارتِفاعُ قيمَتِهِ وَقُوَّتِهِ الشِّرائِيَّة.

تتطلّع الصين إلى اليوم الذي يخرج فيه اقتصادها وتجارتها من القيود التي تفرضها هيمنة الدولار

كُلُّ هَذا وَأَميرْكا لا تَشْقى وَلا تَبْذُلُ جُهْدًا لِلحُصولِ على الدّولارِ الَّذي تَطْبَعُهُ بِكَمِّيّاتٍ مَهولَة، مِنْ دونِ النَّظَرِ إِنْ كانَ هُناكَ احْتِياطِيٌّ يُوازيهِ لِتَلْبِيَةِ الطَّلَبِ المُتَزايدِ عَلَيْهِ إِنْ داخِلِيًّا لِأَغْراضِ المُوازَنَةِ أَو تَلْبِيَةً لِحاجاتٍ آنِيَّةٍ أَو تَلْبِيَةً لِطَلَباتِ الحُصولِ عَلَيهِ عالَمِيًّا. لكن في نهاية المطاف، أَيُّ دَوْلَةٍ في العالَمِ لا تَرْغَبُ بِأَن يَكونَ اقتصادُها رَهينَةَ عُمْلَةِ دَوْلَةٍ أُخْرى، وَبِالطَّبعِ تَتَطَلَّعُ الصّينُ إِلى اليَوْمِ الَّذي يَخْرُجُ فيهِ اقتصادُها وَتِجارَتُها مِنَ القُيودِ التي تَفرِضُها هَيْمَنَةُ الدولارِ عالَمِيًّا!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن