تقدير موقف

أميركا.. التي لَمْ تَعُدْ "أَوَّلًا"!

لا تُخْطِئُ العَيْنُ نَغْمَةً أَميرْكِيَّةً تَعْزِفُ على القَوْلِ بِأَنَّ الْوِلاياتِ الْمُتَّحِدَةَ هِيَ التي بادَرَتْ بِالهُجومِ على إيران، وَبِأَنَّ ذَلِكَ حَدَثَ عِنْدَما عَلِمَتْ إِدارَةُ الرَّئيسِ ترامب بِأَنَّ إِسْرائيلَ سَتُهاجِمُ الإيرانِيّينَ سَواءً شارَكَتْها أَميرْكا أَوْ لَمْ تُشارِكْها. هَذِهِ النَّغْمَةُ بَدَأَ العَزْفُ عَلَيْها داخِلَ الكونْغْرِس الأَميرْكِيّ، وازْدادَتْ حينَ جَلَسَ أَعْضاؤُهُ يَتَلَقَّوْنَ إِفاداتٍ عَنِ الهُجومِ مِنْ وَزيرَيْ الدِّفاعِ والْخارِجِيَّةِ وَرَئيسِ الْمُخابَرات. وَعِنْدَما تَتَأَمَّلُ المَعْنى فيها تَكْتَشِفُ أَنَّ العَزْفَ عَلَيْها مَقْصود، وَأَنَّهُ يَسْتَهْدِفُ النّاخِبَ الأَميرْكِيَّ في الأَساس، وَلَيْسَ مِنْ بَيْنِ أَهْدافِهِ أَنْ يُخاطِبَ العالَمَ خارِجَ الْوِلاياتِ المُتَّحِدَة.

أميركا.. التي لَمْ تَعُدْ

في التَّفَاصيلِ التي تَداوَلَها المَسْؤولونَ الثَّلاثَةُ مَعَ الأَعْضاء، أَنَّ الِانْتِظارَ إلى حينِ إِقْدامِ حُكومَةِ التَّطَرُّفِ في تَلِّ أَبيب على هُجومِها الذي خَطَّطَتْ لَه، كانَ يَعْني أَنْ تَتَعَرَّضَ الْقَواعِدُ العَسْكَرِيَّةُ الأَميرْكِيَّةُ في المِنْطَقَةِ لِخَطَرٍ أَكْبَر، وَأَنْ تَكونَ الخَسائِرُ الأَميرْكِيَّةُ أَعْظَم! وَلَمْ يَجِدِ الّذينَ رَوَّجُوا لِهَذا المَعْنى داخِلَ الكُونْغْرِس أَيَّ حَرَجٍ في أَنْ يَقولوا إِنَّ قَرارَ الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ المُبادَرَةَ بِالهُجومِ قَبْلَ إِسْرائيلَ قَرارٌ حَكيمٌ، وَأَنَّ سِرَّ حِكْمَتِهِ في أَنَّهُ خَفَّضَ خَسائِرَ الأَميرْكِيّينَ في الحَرْبِ إلى حُدودِها الدُّنْيا.

طَبْعًا هَذا كَلامٌ يَتَوَجَّهُ إلى النّاخِبِ الأَميرْكِيِّ الذي جاءَ بِالرَّئيسِ ترامب والجُمْهورِيّين، والرِّهانُ فيهِ يَظَلُّ على أَنَّ ما يُقالُ سَيَسْتَوْعِبُهُ النّاخِب، وَيَدْفَعُهُ بِالتّالي إلى مَنْحِ ثِقَتِهِ لِلْجُمْهورِيّينَ مِنْ جَديدٍ في انْتِخاباتِ التَّجْديدِ النِّصْفِيِّ آخِرَ السَّنَة. فَلا شَيْءَ يُخيفُ ترامب قَدْرَ خَوْفِهِ مِنْ أَنْ يَخْسَرَ الْجُمْهورِيّونَ الغالِبِيَّةَ التي يَتَمَتَّعونَ بِها في الكونْغْرِس، وَيَفْقِدَ هُوَ بِناءً على ذَلِكَ قُدْرَتَهُ على الحَرَكَةِ السِّياسِيَّةِ داخِلَ البِلادِ وَخارِجَها.

وَلَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّ ما قيلَ مِنْ جانِبِ المَسْؤولينَ الثَّلاثَةِ والأَعْضاءِ الذينَ اسْتَقْبَلوا كَلامَهُمْ لا يَسْتَنِدُ إلى مَنْطِق، وَإِذا اسْتَنَدَ إلى مَنْطِق، فَالمَنْطِقُ يَبْدو مُهَلْهَلًا تَتَداعى أَرْكانُه، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يَنْطَلِيَ على النّاخِبِ وَلا أَنْ يَدْخُلَ رَأْسَه.

ممارسات إدارة ترامب تنطق بأنّ الشعار انقلب من "أميركا أولًا" إلى "إسرائيل أولًا"

هُوَ مَنْطِقٌ مُهَلْهَلٌ لِأَنَّ الذينَ يُرَوِّجونَ لِما يُقالُ يَفْتَرِضونَ أَنَّ الحَرْبَ مَعَ إيرانَ انْتَهَت، وَأَنَّ هَذِهِ الخَسائِرَ المَحْدودَةَ هِيَ كُلُّ ما تَكَبَّدَتْهُ بِلادُ "العَمِّ سام" في الحَرْب، وَهَذا غَيْرُ صَحيحٍ لِأَنَّ قُدْرَةَ الرَّئيسِ ترامب على بَدْءِ القِتالِ لا تَعْني قُدْرَةً مُماثِلَةً على الِانْتِهاءِ مِنْه، وَلِأَنَّ هَذِهِ الخَسائِرَ المَحْدودَةَ لا تَعْني أَنَّها سَتَتَوَقَّفُ عِنْدَ هَذا الحَدّ، وَلا أَحَدَ يَسْتَطيعُ أَنْ يَتَنَبَّأَ بِالمَدى الذي يُمْكِنُ أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ حَصيلَةُ الخَسائِر.

وَإِذا كانَ ترامب قَدْ أَلْمَحَ إلى أَنَّهُ يَسْتَطيعُ تَقْصيرَ مَدى الحَرْبِ زَمَنِيًّا أَوِ العَكْس، فَالأَمْرُ في الحَقيقَةِ لَيْسَ كُلَّهُ في يَدِه، وَلا يُمْكِنُهُ القِياسُ هُنا على حَرْبِ الصَّيْفِ التي أَطْلَقَها ثُمَّ أَنْهاها في 12 يَوْمًا، فَهَذِهِ حَرْبٌ تَدورُ في الشِّتاء، وَتِلْكَ حَرْبٌ أُخْرى دارَتْ في الصَّيْف، والقَصْدُ أَنَّهُما مُخْتَلِفَتان، لا بِاخْتِلافِ الفَصْلَيْنِ فَقَط، وَلا بِاخْتِلافِ طَبيعَةِ كُلِّ حَرْبٍ مِنْهُما عَنِ الأُخْرى.

أَعودُ إلى النَّغْمَةِ المَعْزوفَةِ إيّاها، وَأَتَصَوَّرُ أَنَّ وَراءَها، في لا شُعورِ الرَّئيسِ وَفَريقِ عَمَلِه، رَغْبَةً في نَفْيِ شَيْءٍ مُحَدَّد. هَذا الشَّيْءُ هُوَ ما بَدَأَ يَتَرَدَّدُ أَميرْكِيًّا مُنْذُ فَتْرَة، عَنْ أَنَّ الشِّعارَ الذي خاضَ بِهِ المُرَشَّحُ تْرامْب سِباقَهُ الرِّئاسِيَّ قَدِ انْقَلَبَ إلى شَيْءٍ آخَر. فَالشِّعارُ كانَ "أَميرْكا أَوَّلًا" وَلَكِنَّ مُمارَساتِ الإِدارَةِ على الأَرْضِ مُنْذُ دَخَلَ الرَّئيسُ الْفائِزُ البَيْتَ الأَبْيَضَ تَنْطِقُ بِأَنَّ الشِّعارَ انْقَلَبَ إلى "إِسْرائيلَ أَوَّلًا". والدَّلائِلُ على ذَلِكَ لا تَنْتَهي وَلا تَنْقَضي، وَمِنْها مَثَلًا أَنَّ رَئيسَ حُكومَةِ التَّطَرُّفِ في تَلِّ أَبيب التَقى الرَّئيسَ في بَحْرِ سَنَةٍ تَقْريبًا سَبْعَ مَرّات، وَهُوَ ما لَمْ يَحْدُثْ مَعَ أَيٍّ مِنْ كِبارِ السّاسَةِ في العالَم.

طولَ الْوَقْتِ كانَتْ هُناكَ عَلاقَةٌ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ لَيْسَتْ كَأَيِّ عَلاقَةٍ بَيْنَ أَيِّ بَلَدَيْن، وَكانَ ذَلِكَ مُنْذُ نَشْأَةِ الكِيانِ الإِسْرائيلِيِّ في 1948، وَكانَتِ العَلاقَةُ تَعْبيرًا عَنْ التِزامٍ لَدى كُلِّ رَئيسٍ جَديدٍ في المَكْتَبِ البَيْضاوِيِّ الشَّهير، وَكانَتْ صَحيفَةُ "نْيويورْك تايْمز" قَدْ رَصَدَتْ خُصوصِيَّةَ العَلاقَةِ وَقُوَّةَ الِالْتِزامِ في اسْتِطْلاعٍ شَهيرٍ لَها في 1998، وَكانَتِ المُناسَبَةُ مُرورَ نِصْفِ قَرْنٍ على تِلْكَ النَّشْأَة. وَلَكِنَّ هَذا كُلُّ شَيْء، بَيْنَما خُضوعُ تْرامْب بِإِدارتِهِ لِلْإِسْرائيلِيّينَ، أَوْ لِحُكومَةِ التَّطَرُّفِ الإِسْرائيلِيَّةِ بِالذّات، إِنَّما هُوَ شَيْءٌ آخَرُ تَمامًا.

المُتابِعُ لِلنِّقَاشِ الْعامِّ الأَميرْكِيِّ يَسْتَطيعُ أَنْ يَرْصُدَ قَلَقًا مُتَصاعِدًا لَدى آحادِ الأَميرْكِيّين، وَيَسْتَطيعُ أَنْ يَرى القَلَقَ المُتَصاعِدَ راجِعًا إلى إِحْساسِ الأَميرْكِيِّ بِأَنَّ سِياسَةَ بِلادِهِ الخارِجِيَّةَ صارَتْ مُخْتَطَفَة، وَأَنَّها مُسَخَّرَةٌ لِصالِحِ حُكومَةٍ مُتَطَرِّفَةٍ في إِسْرائيل، وَأَنَّ الدَّوْلَةَ الْعِبْرِيَّةَ التي كانَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْ أَنَّ وُجودَها في مَكانِها مِنْ دَواعي رِعايَةِ المَصالِحِ الأَميرْكِيَّةِ في المِنْطَقَة، أَصْبَحَتْ تَسْتَدْعي حامِلاتِ الطّائِراتِ الأَميرْكِيَّةِ إلى المِنْطَقَةِ نَفْسِها لِتَرْعى مَصالِحَ الإِسْرائيلِيّينَ لا الأَميرْكِيّين.

يجب تشكيل قوَة عربية أو أن يُعاد بعث معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي من رقادها الطويل

القَلَقُ المُتَصاعِدُ بِهَذا الشّأْنِ لا يَتَوَقَّف، وَلا بُدَّ أَنَّهُ سَيُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ في التَّجْديدِ النِّصْفِيّ، والنَّغْمَةُ المَعْزوفَةُ في الكُونْغْرِس لَيْسَتْ سِوى مُحاوَلَةٍ لِتَطْويقِه، أَوْ لِلْحَدِّ مِنْ تَصاعُدِهِ في أَقَلِّ القَليل، وَلَكِنَّها مُحاوَلَةٌ لا تَجِدُ أَرْضًا صَلْبَةً تَقِفُ فَوْقَها، فَضْلًا عَنْ أَنَّها مُنْكَشِفَةٌ أَمامَ الأَميرْكِيّينَ، وَيَأْتي انْقِيادُ ترامب لِلْحُكومَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ في حَرْبِها على إيرانَ لِيَكْشِفَها أَكْثَر.

أَمّا مَوْقِعُنا نَحْنُ العَرَبَ مِنْ هَذا كُلِّه، فَهُوَ مَوْضوعٌ آخَر، وَأَوَّلُهُ أَنْ تَجِدَ الدَّعْوَةُ المِصْرِيَّةُ إلى تَشْكيلِ قُوَّةٍ عَرَبِيَّةٍ صَدًى في عَواصِمِ العَرَب، أَوْ أَنْ يُعادَ بَعْثُ مُعاهَدَةِ الدِّفاعِ المُشْتَرَكِ والتَّعاوُنِ الِاقْتِصادِيِّ المُوَقَّعَةِ في القاهِرَةِ 1950 مِنْ رُقادِها الطَّويل، فَهَذا أَوانُها، وَهَذا وَقْتُها، والشَّيْءُ الذي يَتَأَخَّرُ عَنْ أَوانِهِ لا يُجْدي وَلا يُفيدُ وَإِنْ جاء!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن