الأمن القومي العربي

نَحْوَ مَنْظومَةِ أَمْنٍ جَماعِيٍّ عَرَبي!

يَبْدو أَنَّنا أَمامَ سُؤالٍ اسْتْراتيجِيٍّ كانَ العَرَبُ يُؤَجِّلونَهُ مُنْذُ عُقود: هَل تَمْتَلِكُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ مُجْتَمِعَةً القُدْرَةَ على صِياغَةِ أَمْنِها الجَماعِيِّ بِإِرادَةٍ ذاتِيَّة، أَمْ أَنَّها مَحْكومَةٌ إلى الأَبَدِ بِالِاسْتِنادِ إلى ضامِنينَ خارِجِيّينَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ حينَ تَشْتَدُّ الأَزْمَة؟ السُّؤالُ هُوَ الأَكْثَرُ إِلْحاحًا في المَشْهَدِ الرّاهِن، بَعْدَ أَنْ كَشَفَتْ حُروبُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ أَنَّ الهَشاشَةَ الأَمْنِيَّةَ العَرَبِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِخْفاقٍ مَوْروث، بَل باتَتْ تَهْديدًا وُجودِيًّا.

نَحْوَ مَنْظومَةِ أَمْنٍ جَماعِيٍّ عَرَبي!

مُنْذُ أَواخِرِ 2023، بَدَأَتِ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ الرَّئيسِيَّةُ تُنَسِّقُ بِصورَةٍ أَكْثَرَ اتِّساعًا واسْتْراتيجِيَّةً عَبْرَ ديبْلوماسِيَّةٍ مُكَثَّفَةٍ وَغَيْرِ رَسْمِيَّة، وَهِيَ تَطْرَحُ مُقْتَرَحاتِها الْخاصَّةَ في تَرْتيباتِ وَقْفِ النّارِ وَحَوْكَمَةِ إِعادَةِ الإِعْمارِ والمَساراتِ نَحْوَ التَّسْوِيَةِ السِّياسِيَّة، لَكِنَّ الحَرْبَ الْحالِيَّةَ الدّائِرَةَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ لَمْ تَسْمَحْ بِإِنْضاجِ هَذِهِ التَّفاعُلاتِ العَرَبِيَّةِ لِيَتِمَّ التَّفْكيرُ فيما بَعْدَها، وَكَشَفَتْ هَذِهِ الأَزْمَةُ عَنْ فَراغٍ هَيْكَلِيٍّ عَميقٍ في مَنْظومَةِ الأَمْنِ في المِنْطَقَة، ذَلِكَ أَنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ باتَتْ تَتَحَمَّلُ عَواقِبَ صِراعٍ لا مَصْلَحَةَ لَها فيهِ على النَّحْوِ الذي جَرى، مِنْ دونِ أَنْ تَمْتَلِكَ آلِيَّةً جَماعِيَّةً قادِرَةً على تَشْكيلِ الحَوادِثِ أَوْ احْتِواءِ التَّصْعيد.

هَذا الفَراغُ يَبْدو لَنا أَنَّهُ قَدْ يَكونُ مُحَرِّكًا نَحْوَ بِناءِ مَشْروعِ أَمْنٍ جَماعِيٍّ جَديد، صَحيحٌ أَنَّ الخُطْوَةَ التي أَبْرَمَتْها المَمْلَكَةُ السُّعودِيَّةُ مَعَ باكِسْتانَ كانَتْ اسْتِجابَةً لِهَذا التَّحَدّي، وَلَكِنَّها تَبْقى مَحْدودَةَ الأَثَرِ وَتُشَكِّلُ رَدْعًا مَحْدودًا بِسَبَبِ أَرْبَعِ إِشْكالِيّات، مِنْها مُشْكِلَةُ افْتِقادِ الهُوِيَّةِ المُشْتَرَكَة، وَمِنْها قُدْرَةُ باكِسْتانَ المَحْدودَةُ إِزاءَ إِيرانَ تَحْديدًا بِسَبَبِ الثِّقَلِ الجِيوسِياسِيِّ لِلأَخيرَةِ في جَنوبِ غَرْبِ آسْيا كَما أَنَّ العَقيدَةَ النَّوَوِيَّةَ الْباكِسْتانِيَّة، كَما يُؤَكِّدُ خُبَراؤُها بِاسْتِمْرار، ذاتُ طابِعٍ هِنْدِيٍّ مِحْوَرِيٍّ في المَقامِ الأَوَّل، وَفي هَذا الإِطار، تَتَبايَنُ طَبيعَةُ التَّهْديداتِ التي تُواجِهُ كُلًّا مِنَ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّةِ وَباكِسْتانَ تَبايُنًا جَوْهَرِيًّا، وَهُوَ ما يَزيدُ مِنْ صُعوبَةِ تَوْحيدِ الرُّؤْيَتَيْنِ الِاسْتْراتيجِيَّتَيْنِ السُّعودِيَّةِ والْباكِسْتانِيَّة، أَمّا رابِعًا فَإِنَّ باكِسْتانَ تُعْتَبَرُ قُوَّةً أَجْنَبِيَّةً في الجُغْرافْيا العَرَبِيَّة، وَهُوَ أَمْرٌ قَدْ يَسْتَدْعي مُقاوَمَةً رَمْزِيَّةً وَتَعْبَوِيَّةً مِنْ جانِبِ الرُّؤى المُتَطَرِّفَة.

التباين في تعريف التهديد يجعل أي بنية أمنية مشتركة لا ترتكن إلى رؤية متكاملة

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَهَمِّيَّةِ مَنْظومَةِ الأَمْنِ الجَماعِيِّ العَرَبِي، فَإِنَّ بَيانَ التَّحَدِّياتِ أَمامَها هُوَ أَمْرٌ واجِبٌ وَمِنْها حالَةُ الإِرادَةِ السِّياسِيَّةِ العَرَبِيَّةِ التي تَبْدو غَيْرَ مُنْتَبِهَةٍ لِأَهَمِّيَّةِ هَذِهِ المَنْظومَةِ وَمِنْها الِاتِّفاقُ على تَعْريفِ التَّهْديداتِ وَأَطْرافِ التَّهْديدات، فَمِصْرُ مَثَلًا تَضَعُ الإِرْهابَ وَحالَةَ اللّادَوْلَةِ في كُلٍّ مِنْ ليبْيا والسّودان، والضُّغوطَ الِاقْتِصادِيَّةَ في مُقَدِّمَةِ أَوْلَوِيّاتِها، فيما تَضَعُ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ التَّمَدُّدَ الإِيرانِيَّ والتَّهْديدَ الحوثِيَّ وَإِشْكالِيَّةَ الرَّدْعِ النَّوَوِيِّ في صَدارَةِ قائِمَتِها الأَمْنِيَّة، في حينِ تَجْمَعُ الجَزائِرُ بَيْنَ هاجِسِ السّاحِلِ الأَفْريقِيِّ وَرَفْضِ أَيِّ تَدَخُّلٍ يُقَيِّدُ سِيادَتَها، بَيْنَما تَنْشَغِلُ الإِماراتُ بِمُعادَلَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّطْبيعِ والشَّراكَةِ الِاسْتْراتيجِيَّةِ مَعَ الغَرْب. هَذا التَّبايُنُ في تَعْريفِ التَّهْديدِ يَجْعَلُ أَيَّ بُنْيَةٍ أَمْنِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ تَرْتَكِنُ إلى قاسِمٍ مُشْتَرَكٍ أَدْنى لا إلى رُؤْيَةٍ مُتَكامِلَة.

الأَزْمَةُ الثَّانِيَةُ أَزْمَةُ ثِقَة، وَهِيَ أَزْمَةٌ مُرَكَّبَةٌ لِأَنَّها تَحْتَوي على طَبَقَتَيْن: الطَّبَقَةُ الأولى سِياسِيَّةٌ وَتَتَعَلَّقُ بِالخِلافاتِ التاريخِيَّةِ بَيْنَ العَواصِم، مِنْ سَدِّ النَّهْضَةِ إلى الِانْقِسامِ حَوْلَ مَساراتِ التَّطْبيع، والطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مُؤَسَّسِيَّةٌ وَتَتَعَلَّقُ بِغِيابِ آلِيّاتِ الإِنْفاذِ القادِرَةِ على تَرْجَمَةِ الِالتِّزاماتِ إلى أَفْعال. فَقَدْ أَصْدَرَتْ جامِعَةُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بَياناتِها المُوَحَّدَةَ مِنْ دونِ أَنْ تَصْطَحِبَها اسْتْراتيجِيّاتٌ ديبْلوماسِيَّةٌ راسِخَة، وَهُوَ نَمَطٌ مُتَكَرِّرٌ أَضْعَفَ مِصْداقِيَّةَ الإِطارِ الجَماعِيِّ العَرَبِيِّ على مَدى عُقود.

في هَذا السِّياق، قَدْ يَكونُ بِناءُ مَنْظومَةِ أَمْنٍ جَماعِيٍّ عَرَبِيٍّ صَعْبًا بِالتَّأْكيد، وَلَكِنَّها رُبَّما تَكونُ الأَكْثَرَ دَيْمومَةً وَتَماسُكًا، ذَلِكَ أَنَّ الحَرْبَ الجارِيَةَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ قَدْ أَعادَتْ تَوْحيدَ المِزاجِ واكْتِشافَ مَدى عُمْقِ المَخاطِرِ التي باتَتْ مِنَ القُوَّةِ والِاتِّساعِ بِحَيْثُ لا يَكونُ طَرَفٌ عَرَبِيٌ مُنْفَرِدٌ قادِرًا على مُواجَهَتِها، وَذَلِكَ بَعْدَ السُّقوطِ الوَظيفِيِّ لِلقَواعِدِ الأَميرْكِيَّةِ على الأَراضي العَرَبِيَّة.

من الممكن بلورة منظومة أمن جماعي عربي مرنة من أكثر من حلقة ونقطة ارتكاز

وَقَدْ يَكونُ مِنَ المُهِمِّ اسْتِذْكارُ دُروسِ التّاريخ، والمُعْطَياتِ الواقِعِيَّةِ لِلبيئَةِ العَرَبِيَّةِ ذَلِكَ أَنَّ الثَّرْوَةَ النَّفْطِيَّةَ قَدْ خَلَقَتْ تَناقُضاتٍ عَرَبِيَّةً في المَصالِحِ وَفي تَعْريفِ مَدى عُمْقِ التَّهْديدَاتِ وَمَنْ هُمْ أَطْرافُها. وَبِالتّالي عَلَيْنا التَّعامُلُ بِعَقْلانِيَّةٍ مَعَ هَذِهِ المُعْطَياتِ في المَنْظومَةِ المُقْتَرَحَةِ مِنْ جانِبِنا،  فَنُشيرُ إلى الآتي:

1 - مِنَ الضَّرورَةِ أَنْ تَكونَ لِهَذِهِ المَنْظومَةِ أَكْثَرُ مِنْ نُقْطَةِ ارْتِكازٍ عَرَبِيٍّ بِمَعْنى أَنَّ مَنْظومَةَ تَعاوُنٍ خَليجِيٍّ لا تَبْدو كافِيَةً في ضَوْءِ حَجْمِ المَخاطِرِ على الرَّغْمِ مِمّا أَنْجَزَهُ مَجْلِسُ التَّعاوُنِ الخَليجِيُّ مِنْ نَجاحاتٍ في مَلَفّاتٍ أُخْرى.

2 – لا تَبْدو مَنْظومَةُ تَعاوُنٍ مِصْرِيٍّ خَليجِيٍّ كافِيَةً أَيْضًا في ضَوْءِ المَخاوِفِ الخَليجِيَّةِ مِنَ التَّغَوُّلِ المِصْرِيِّ بِسَبَبِ قُدْراتِهِ العَسْكَرِيَّةِ والبَشَرِيَّةِ وافْتِقادِهِ لِلثَّرَواتِ الِاقْتِصَادِيَّة.

3 – قد تَخْلُقُ مَنْظومَةُ الأَمْنِ الجَماعِيِّ العَرَبِيِّ فُرَصًا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لِتَطْويرِ التَّفاعُلِ على النَّمَطِ الذي أَنْجَزَهُ الِاتِّحادُ الأوروبِّيُّ مَثَلًا بِحَيْثُ تَبْدو العَوائِدُ مُتَساوِيَةَ الْمَنافِعِ لِأَطْرافِ المَنْظومَة.

وَطِبْقًا لِهَذِهِ المُعْطَيات، فَإِنَّهُ رُبَّما مِنَ المُمْكِنِ بَلْوَرَةُ مَنْظومَةِ أَمْنٍ جَماعِيٍّ عَرَبِيٍّ مَرِنَةٍ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ حَلْقَةٍ وَنُقْطَةِ ارْتِكازٍ لِتَتَضَمَّنَ الخَليجَ وَمِصْرَ والجَزائِرَ والمَغْرِب، وَتَنْضَمُّ إِلَيْها دُوَلٌ جَديدَةٌ بِشُروطِ الِاسْتِقْرارِ السِّياسِيِّ المُمْتَدِّ والإِيمانِ بِمَنْظومَةِ الْعَرَبِ كَآلِيَّةِ رَدْعٍ ضِدَّ كُلِّ الآخَرين، وَهَذِهِ المَنْظومَةُ الْمَرِنَةُ قَدْ تَتَطَوَّرُ لِتَمْلِكَ قُدْرَةً على تَنْسيقِ وَتَرْتيبِ المَصالِحِ مَعَ باكِسْتانَ أَوْ إِثْيوبْيا، وَرُبَّما غَيْرِهِما طِبْقًا لِما تَقْتَضيهِ الأَحْوالُ وَطَبيعَةُ التَّحَدِّياتِ في المِنْطَقَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن