الاقتِصادُ الفِلَسْطينِيّ، بِحُكْمِ اعْتِمادِهِ شِبْهَ الكامِلِ على الوارِدات، يُعَدُّ مِنْ أَكْثَرِ الِاقْتِصاداتِ تَأَثُّرًا بِارْتِفاعِ أَسْعارِ الطّاقَةِ عالَمِيًّا، لا سيما وأَنَّ أَسْعارَ "خامِ بْرِنْت" شَهِدَتِ ارْتِفاعاتٍ حادَّةً وَصَلَتْ في بَعْضِ الفَتَراتِ إلى نَحْوِ 70%، لِتَتَجاوَزَ حاجِزَ 100 دولارٍ لِلبَرْميل، مُقارَنَةً بِمُسْتَوَياتٍ كانَتْ تَتَراوَحُ ما بَيْنَ 60 وَ70 دولارًا قَبْلَ التَّوَتُّرات.
وَيُوضِحُ الخَبيرُ الِاقْتِصادِيُّ مُؤَيَّد عفانه لِـ"عُروبَة 22" أَنَّ هَذا الِارْتِفاعَ انْعَكَسَ مُباشَرَةً على السّوقِ الفِلَسْطِينِيَّة، إِذِ ارْتَفَعَ سِعْرُ الدّيزِلِ بِنِسْبَةِ 41%، والبَنْزينِ بِنَحْوِ 15%، والغازِ المَنْزِلِيِّ بِنِسْبَةِ 26%، ما أَدّى إلى زِيادَةٍ كَبيرَةٍ في كُلْفَةِ الإِنْتاجِ والنَّقْل، وانْعَكَسَ لاحِقًا على أَسْعارِ السِّلَعِ والخدماتِ الأَسَاسِيَّة.
وَلَفَتَ عفانه إلى أَنَّ هَذِهِ الزِّياداتِ لَمْ تَقْتَصِرْ على قِطاعِ الطّاقَة، بَلِ امْتَدَّتْ إلى مُخْتَلِفِ القِطاعاتِ الِاقْتِصادِيَّة، نَتيجَةَ انْتِقالِ كُلْفَةِ الإِنْتاجِ المُرْتَفِعَةِ إلى المُسْتَهْلِكِ النِّهائِيّ، لِيُصْبِحَ المُواطِنُ الفِلَسْطينِيُّ المُتَضَرِّرَ الأَكْبَرَ مِنْ مَوْجَةِ الغَلاء.
انْكِماشٌ اقْتِصادِيٌّ وَتَراجُعُ الِاسْتِهْلاكِ والدَّعم
وَبَيَّنَ عفانه أَنَّ مُسْتَوَياتِ الِاسْتِهْلاكِ في فِلَسْطينَ تَراجَعَتْ بِنَحْوِ 30%، نَتيجَةَ ارْتِفاعِ الأَسْعارِ مِنْ جِهَة، وَحالَةِ الِانْكِماشِ الِاقْتِصادِيِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، ما أَدّى إلى تَراجُعِ الدَّوْرَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ وَضَعْفِ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّة.
وأَشارَ إلى أَنَّ الِاقْتِصادَ الفِلَسْطينِيَّ يُعاني أَصْلًا مِنْ أَزْمَةٍ مُرَكَّبَة، تَشْمَلُ تَراجُعَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ بِنِسْبَةِ 24%، وارْتِفاعَ مُعَدَّلاتِ البَطالَةِ إلى نَحْوِ 46% في الضَّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ وَقِطاعِ غَزَّة، إلى جانِبِ تَراجُعِ أَعْمالِ نَحْوِ 52% مِنَ الشَّرِكاتِ في شَمالِ الضَّفَّةِ الغَرْبِيَّة، خُصوصًا في جِنين وَنَابُلُس وَطولكَرِم وَطوباس.
وَأَضافَ عَفانَه أَنَّ الأَزْمَةَ تَتَفاقَمُ في ظِلِّ اسْتِمْرارِ حَجْزِ أَمْوالِ المَقاصَّةِ مِنْ قِبَلِ إِسْرائيل، والتي تُشَكِّلُ نَحْوَ 68% مِنْ إيراداتِ السُّلْطَةِ الفِلَسْطينِيَّة، إِضافَةً إلى تَراجُعِ الدَّعْمِ الخارِجِيّ، مُشيرًا إلى أَنَّ التَّمْويلَ المُتاحَ حالِيًّا يَقْتَصِرُ على نَحْوِ 210 مَلايينِ يورو مِنَ الِاتِّحادِ الأوروبِّيِّ عَبْرَ آلِيَّةِ "بيغاس"، وَ300 مِلْيونِ دولارٍ مِنَ البَنْكِ الدَّوْلِيّ، سَيَتِمُّ تَوْجيهُ جُزْءٍ مِنْها لِدَعْمِ المُوازَنَةِ العامَّة.
المُواطِنُ في مُواجَهَةِ الأَعْباء
مِنْ جِهَتِه، قالَ أُسْتاذُ التَّسْويقِ في جامِعَةِ النَّجاحِ الوَطَنِيَّةِ د. أَمْجَد دويكات، لِـ"عُروبَة 22"، إِنَّ ما يَجْري في فِلَسْطينَ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُهُ أَزْمَةً اقْتِصادِيَّةً عابِرَة، بَل هُوَ "حالَةٌ مُتَراكِمَةٌ مِنْ نَقْلِ الأَعْباءِ بِشَكْلٍ مُمَنْهَجٍ إلى المُواطِن"، الذي أَصْبَحَ يَتَحَمَّلُ تَبِعاتِ فَشَلِ السِّياساتِ واخْتِلالاتِ السّوق.
وَرَأى أَنَّ الأَخْطَرَ مِنْ ذَلِك، هُوَ غِيابُ أَيِّ تَوازُنٍ في تَوْزيعِ الأَعْباء، فَلا توجَدُ آلِيّاتٌ حَقيقِيَّةٌ لِلحِمايَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ الكافِيَة، وَلا سِياساتٌ رَقابِيَّةٌ فاعِلَةٌ تَحُدُّ مِنْ هَذا الِانْفِلاتِ في تَحْميلِ التَّكاليف. بَلْ على العَكْس، هُناكَ حالَةُ شِبْهِ إِجْماعٍ ضِمْنِيٍّ على أَنَّ المُواطِنَ هُوَ "الخِيارُ الأَسْهَلُ" لِسَدِّ الفَجْواتِ المالِيَّة، وَتَعْويضِ الخَسَائِر، وَتَحْقيقِ الِاسْتِقْرارِ المُؤَقَّتِ على حِسَابِ اسْتِقْرارِ المواطنين.

وَأَوضَحَ دويكات أَنَّ هُناكَ "تَغَوُّلًا اقْتِصادِيًّا مُرَكَّبًا" تَتَداخَلُ فيهِ المَصالِحُ الِاقْتِصادِيَّةُ على حِسابِ المُواطِن، في ظِلِّ غِيابِ أَدَواتٍ رَقابِيَّةٍ فاعِلَةٍ وَسِياساتِ حِمايَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ كافِيَة، مُحَذِّرًا مِنِ اسْتِمْرارِ هَذَا النَّهْجِ لِما لَهُ مِنْ آثارٍ خَطيرَةٍ على الِاسْتِقْرارِ الِاقْتِصادِيِّ والِاجْتِماعِيِّ في فِلَسْطين. واعْتَبَرَ أَنَّ اسْتِمْرارَ هَذا النَّهْجِ يَضْرِبُ بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ أَساسَ هذا الِاسْتِقْرار، فاقْتِصادٌ يُبْنى على اسْتِنْزافِ مُواطِنيه، هُوَ اقْتِصادٌ يَفْتَقِدُ لِأَيِّ مُقَوِّماتِ اسْتِدامَةٍ حَقيقِيَّة.
إلا أنّ دويكات يَلفتُ إلى أَنَّ أَيَّ تَحَسُّنٍ اقْتِصادِيٍّ في فلسطين يَبْقَى مَرْهونًا بِتَطَوُّراتِ المَشْهَدِ الإِقْليمِيّ، إِذْ إِنَّ التَّهْدِئَةَ أَوْ وَقْفَ إِطْلاقِ النّارِ قَدْ يُخَفِّفُ مِنْ حِدَّةِ أَسْعارِ الطّاقَة، بَيْنَما اسْتِمْرارُ التَّوَتُّرِ سَيُبْقي الأَسْعارَ مُرْتَفِعَةً وَيُعَمِّقُ الأَزْمَة!.
(خاص "عروبة 22")

