لا تعرف هذه السطور الكثير عن أحدث أخبار محمد رضا خاتمي، الرئيس الأسبق لـ"جبهة المشاركة الإسلامية" غير البعيدة عن موقع الحزب السياسي الإصلاحي والتجديدي الأبرز في إيران، وأكثرها وضوحاً في الاعتماد على آراء المنظّر التحرري علي شريعتي. وكانت الجبهة قد فازت بأغلب مقاعد البرلمان خلال انتخابات الدورة التشريعية الخامسة، وتوجب بالتالي أن يتعرض بعض قادتها ونوابها إلى المحاكمة أو الاختطاف أو حتى الاغتيال (سعيد حجاريان، مثلاً)؛ كما أحيل رضا خاتمي نفسه إلى القضاء لاحقاً، بسبب الدعوة إلى مقاطعة انتخابات الدورة المقبلة والطعن في نتائجها.
استدعاء الرجل هنا تقتضيه حاجة إيران إلى هذا النموذج السياسي والائتلافي الإصلاحي، وهذا الطراز من القيادات ذات الانخراط الواضح لصالح الحريات والحقوق المدنية وفصل السلطات. ولا يخفى أنّ الحاجة تلك هي اليوم تحديداً ماسّة وملحّة، حين تواجه إيران حرباً إمبريالية أمريكية ـ إسرائيلية همجية مشتركة، لائحة ضحاياها لا تبدأ من آيات الله وكبار ضباط "الباسيج" و"الحرس الثوري" و"فيلق القدس"، بل الشعب والبلد والمنشآت العلمية والصناعية والثروات الوطنية والبنى التحتية والمدارس والصروح الثقافية والتاريخية.
كذلك لأنّ هذه الحرب أخذت، في الأيام القليلة الماضية، بُعداً إضافياً يتجاوز عمليات القتل الجماعي والقصف والتدمير الشامل، إلى إطلاق جبهة تفاوض من جانب واحد أمريكي، لن تغيب عنه دولة الاحتلال في كلّ حال، عبر بنود البيت الأبيض الـ15، من جهة أولى؛ والتلميح، من جهة ثانية، إلى "بحث" عن قيادات إيرانية أكثر ملاءمة للولايات المتحدة وسياساتها، في المنطقة عموماً كما يلوح وليس على الساحة الإيرانية وحدها. وهكذا تنتشر تقارير، في وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية، تبدو رغم طابعها الكاريكاتوري غير منفصلة عن هذا المناخ، حول استثناء رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي من لائحة التصفيات الفردية.
وخلال الطور القصير الذي شهد صعود "جبهة المشاركة الإسلامية"، وجهود رضا خاتمي القيادية في تكوين إطار سياسي وحزبي وفكري إصلاحي، ضمن أجواء شجّعت عليها أيضاً رئاسة محمد خاتمي؛ تميزت مقاربة الإصلاحيين بالتطلع إلى مطالب تغيير داخلية جذرية وعميقة الأثر، أكثر من انهماكهم بالسجالات حول العلاقة مع الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً. وهكذا كان رضا خاتمي قد أعلن بوضوح تامّ أن هذا الملفّ الثاني يحظى بأهمية ثانوية بالقياس إلي أجندة داخلية حافلة: الحرّيات الشخصية والسياسية، تدعيم حرّية الصحافة، تشريع امتلاك الصحون اللاقطة للفضائيات (الممنوعة في إيران) والحدّ من صلاحية المؤسسات الدينية في إبطال ترشيح المواطنين للبرلمان أو للوظائف المدنية. وكانت مقولته لافتة تماماً، وطنية وصريحة بقدر ما هي سياسية وعقائدية: رسالتنا إبلاغ العالم أن أيّ انتفاضة جرت أو سوف تجري في إيران، إنما تستهدف إصلاح البلد قبل تلبية مصالح الدول الكبرى.
وقد تصحّ هنا، في ضوء السياقات الراهنة من جهود الإدارة الأمريكية للبحث عن قيادة إيرانية "متعاونة" مع واشنطن، الإشارة إلى أنّ الرئيس خاتمي نفسه كان على خلاف مع رضا خاتمي (شقيقه، وأحد مستشاريه) في مسألة الانفتاح على الغرب؛ إذْ كان أكثر ميلاً إليها، واستعداداً للبدء شخصياً في كتابة أول الفصول فيها. والمرء، في هذا الصدد، قد يترحم (من دون كبير أسى في الواقع!) على تباشير "حوار حضاري" بين إيران والولايات المتحدة، في العام 1998، اتخذ هيئة رسالة سياسية ـ عقائدية توجّه بها خاتمي إلى الأمّة الأمريكية عبر شبكة الـ CNN، كانت الأولى من نوعها ومحتواها ومستواها منذ انتصار الثورة الإسلامية سنة 1979.
وفي جزء من تلك المقابلة، بدا مدهشاً حينذاك ولعله أكثر إدهاشاً اليوم، قال خاتمي: "الحضارة الأمريكية جديرة بالاحترام. وحين نثمّن جذور هذه الحضارة، فإنّ مغزاها يصبح واضحاً أكثر. وكما تعلمين [مخاطباً محاوِرته كريستيان أمانبور، الصحافية الأمريكية من أصول إيرانية]، هنالك في بليموث، ماساشوستس، صخرة يحترمها ويبجّلها كلّ الأمريكيين. إن سرّ الحضارة الأمريكية يكمن في هذه الصخرة". وبالطبع، كان خاتمي يقصد "الحلم الأمريكي" دون سواه، ذلك المفهوم الصوفي السحري الذي يسير على ألسنة الساسة الأمريكيين في كلّ موسم انتخابي، أو كلما اقتضت الحاجة دغدغة عجرفة الأمريكي الموروثة. ما كان، ويظلّ، مدهشاً أنّ الرئيس الإيراني اعتبر ذلك الحلم سرّ الحضارة الأمريكية، وامتدح صخرة ماساشوستس والحجاج البيوريتانيين الأوائل؛ إذْ أنّ التاريخ الأمريكي يسجّل ملابسات أخرى عن تلك الصخرة: أنّ الحلم نهض على نزوعات طهورية في الابتداء فقط، لأنه استوى بعدئذ ودائماً على شهوات لاطهورية، دنيوية صرفة، مثل الفتح والتوسّع والهيمنة والأسواق والاستثمار، وما إلى هذه من أخلاقيات رأسمالية لا يبدو أن أحداً ينازع الأمريكيين على اعتناقها.
حصيلة ذلك الطور، القصير والعابر في نهاية المطاف، ليست مناخات العداء والعقوبات الاقتصادية الخانقة والحرب المفتوحة والمفاوضات الزائفة وآلاف الضحايا كما هي اليوم في رئاستَي ترامب؛ بل سبقتها نظرية "محور الشرّ" كما صاغها فريق المحافظين الجدد في إدارة جورج بوش الابن، والرئيس نفسه. كذلك تكررت الحال في كلّ مناسبة شهدت تحرّك الشارع الشعبي الإيراني، حيث اعتاد "خبراء" إيران في الإدارات المختلفة، صحبة عازفي الطنبور ذاته في حكومات إسرائيلية متعاقبة؛ حول قابلية نظام الملالي للسقوط، فلا تكفي لذلك سوى عقوبات تارة، أو اغتيال أفراد تارة أخرى، أو شنّ حروب تتراوح بين أيام وأسابيع… وليس خافياً أنّ أوّل حلفاء هذه الخطط الأمريكية ـ الإسرائيلية ليسوا دولة هنا أو جهاز استخبارات هناك، في أجهزة الحلف الأطلسي أو الغرب عموما، فحسب؛ بل هم، أيضاً، آيات الله وأعوانهم الملالي وضباط أجهزة الأمن والجيش، بقيادة المرشد الأعلى نفسه، صاحب السلطات القصوى والصلاحيات المطلقة كما تمنحها نظرية الوالي الفقيه.
في المقابل، فإنّ جولات الشدّ والجذب بين واشنطن وطهران، على صعيد الرئاسات الأمريكية وآيات الله من جهة، ومطامح الشعب الإيراني في الإصلاح والتغيير الجوهري من جهة ثانية؛ واصلت إنتاج سيرورة موازية تماماً تحاكي قاعدة الثورة التي تأكل أبناءها، أو بالأحرى تُسقط قياداتها من المشهد. هاشم أغاجاري، حُكم عليه بالإعدام بتهمة الهرطقة ضدّ الجمهورية، وكان معاق حرب ومؤرّخاً بارزاً وإصلاحياً ومؤسس أوّل جامعة إسلامية بعد الثورة؛ وأكبر غانجي، الصحافيّ الإصلاحي، وكان ضابط استخبارات في «الحرس الثوري» على جبهة الحرب مع العراق؛ وعباس عبدي، على خلفية الدعوة إلى الإصلاح، وكان أحد قادة اقتحام السفارة الأمريكية وإثارة أزمة الرهائن الشهيرة؛ فضلاً، بالطبع، عن قضية وزير الثقافة الأسبق الشهير عطا الله مهاجراني، الذي دُفع إلى الاستقالة بضغط من المحافظين إجمالاً.
فإذا صحّ أنّ الأرقام 2 و3 و4 و5 و6 في بنود ترامب الـ15 تنصّ على تفكيك القدرات النووية التي راكمتها إيران، وإلزامها بعدم السعي مطلقاً لحيازة سلاح نووي، والتوقف عن أي تخصيب للمواد النووية، وتسليم ما هو مخصّب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصولاً إلى إخراج منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة… فأيّ قائد إيراني، مرشد أعلى أو رئيس جمهورية أو برلمان أو وزير خارجية، يمكن بالفعل أن ينحني صاغراً ويلبّي؟ واستطراداً، إذا كان البيت الأبيض لا يتفاوض عملياً إلا مع البيت الأبيض، فهل يملك الشعب الإيراني خياراً آخر سوى التنقيب عن نموذج محمد رضا خاتمي، لقيادة معارك التغيير الداخلي الجوهري؟
(القدس العربي)

