صحافة

"المشهد اليوم"..المُفاوضاتُ إلى نُقطَةِ الصّفْر وأوروبا تَستَعِدُّ لِتأمينِ هُرْمُز!لبنانُ بَينَ التَّدميرِ المُمَنْهَجِ والتَّفاوُضِ "المَشروط".. و"فِيتُو إيرانيّ" يُهَدِّدُ تَشكيلَ الحكومةِ العراقية


جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

لم يخرج الردّ الإيرانيّ على المقترح الأميركيّ بشأن إنهاء الحرب عن "أدبيّاته" المعروفة. كما لم يُقدّم أي تنازلٍ أو يقبل بالصيغة الراهنة المطروحة، بل فتح الباب أمام تأكيد ما هو مؤكّد. وهو أن طهران تريد إنهاء الحرب بشكلٍ كاملٍ، مُعيدةً ربط الجبهة اللبنانيّة بمسار إسلام آباد التفاوضي. كما أنها، الأهمّ، تربط بين ذلك وحركة الملاحة البحريّة عبر مضيق هُرمزَ، مع تركيزها على ترحيل الملفات "المستعصيّة"، ومنها البرنامج النوويّ، إلى مراحل لاحقة. فالقضايا التي كانت سببًا وراء شنّ الحرب على طهران باتت بالنسبة إليها "ثانويةً"، مقابل تركيزها على ملفّين أساسيّين غير قابلين للتجزية بمفهومها الحاليّ، وهما وقف الأعمال القتاليّة في كلّ الجبهات وأمن الملاحة. في المقابل، لم يلقَ الجواب، كما كان متوقعًا، ترحيبًا أميركيًا، إذ وصفه الرئيس دونالد ترامب بـ"غير المقبول"، متهمًا النظام الإيراني باستغلال حالة "التأجيل والمماطلة" المستمرة منذ 47 عامًا للالتفاف على المصالح الأميركيّة، مشدّدًا على أنها "لن تضحك علينا بعد الآن".

ولم يُوضح ترامب، الذي تلقّى الجواب الإيرانيّ عبر الوسيط الباكستانيّ، إذا كان يعتزم مواصلة المفاوضات مع إيران ومنحها المزيد من الفرص، أو اختيار العودة إلى العمل العسكريّ. فيما سارع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى اعتبار أنّ الحرب مع النظام الإيراني لم تنتهِ بعد، "على الرغم من تحقيقها إنجازات كبيرة". وإذ اعتبر أنّ الحرب ألحقت ضررًا كبيرًا بالقدرات الإيرانيّة، لفت إلى أنّه "لا يزال هناك عمل يجب القيام به، لأنّ إيران ما زالت تدعم وكلاء إقليميّين وتعمل على إنتاج صواريخ باليستيّة". وأضاف أنه "إذا سقط النظام الإيرانيّ، سيعني ذلك نهاية حزب الله وحماس وربّما الحوثيّين كذلك". وجاءت هذه التصريحات قبل تلقّيه مكالمة هاتفيّة من الرئيس الأميركيّ، بحثا خلالها "الردّ الإيرانيّ وأمورًا أخرى"، بحسب ما أورد موقع "أكسيوس"، الذي نقل عن ترامب قوله إنّ المكالمة "كانت لطيفة بفضل العلاقات الجيّدة" مع نتنياهو. لكنّه، في الوقت عينه، شدّد على أنّ المفاوضات مع إيران مسؤوليته "وليست مسؤوليّة أيّ شخص آخر". ولا يبدو أنّ "الحليفَين" على توافقٍ تامٍّ حول مجريات الأمور، خصوصًا أنّ تلّ أبيب تريد أن تتعثّر المفاوضات، وتتوقّف لغة الدبلوماسيّة، وتتجدّد الحرب على طهران وما تبقّى من منشآتها الحيويّة، لا سيّما في قطاع الطاقة. بينما يسعى ترامب إلى الظهور في موقع "المنتصر"، وإعلان تحقيق إنجازٍ ضخم وانتزاع مكاسب "حقيقيّة" من النظام الإيراني، خلافًا لما حصل في الاتفاق النوويّ السابق، الذي وقّعه الرئيس الأسبق باراك أوباما.

هذا وأوضح التلفزيون الإيرانيّ أن طهران رفضت المقترح الأميركيّ لأنه كان يسعى إلى ما أسمته "فرض الاستسلام على البلاد". وأشارت إلى أن الردّ تضمن ضرورة دفع الولايات المتحدة تعويضات عن خسائر طهران في الحرب، وإنهاء العقوبات المفروضة عليها، والإفراج عن أموالها وأصولها المصادرة. أما وكالة "تسنيم"، فنقلت عن مصدرٍ، تشديده على أن المقترح الجديد "المقبول" من طهران يتضمن رفع الحصار البحري فور توقيع "التفاهم الأولي"، بالتزامن مع الإفراج عن الأصول المُجمدة، والتمسك بحق إيران الكامل في إدارة مضيق هُرمز وربط أمنه بوقف شامل للأعمال القتاليّة على الجبهات كافة. وهو ما تحدثت عنه صحيفة "وول ستريت جورنال" أيضًا، منوهة إلى أن الردّ الإيرانيّ الأخير لم يلبِّ المطالب الأميركيّة الجوهرية بشأن حسم مصير البرنامج النووي، ومخزون اليورانيوم العالي التخصيب. إذ اقترحت طهران بدلًا من ذلك حلًا مرحليًا يربط إنهاء القتال والفتح التدريجي لمضيق هُرمز أمام الملاحة التجارية، برفع الولايات المتحدة حصارها عن السفن والموانئ الإيرانيّة. وعلى الرغم من إبداء طهران استعدادها لتعليق التخصيب، إلا أنها حددت مدة أقصر بكثير من الـ20 عامًا، التي طالبت بها واشنطن، مع رفضها القاطع تفكيك منشآتها النووية. وعليه يوضح ذلك أن استراتيجيّة طهران الحالية تقوم على استحصال تفاهم يوقف الحرب وتداعياتها الاقتصادية الكارثيّة عليها، كما يُعيد تثبيت دورها الإقليميّ. إذ لا يبدو بأنها في وارد التخلي عن هذا الدور بسهولة، على الرغم من أن لبنان، وهو من أكبر المتضررين مما يحدث، تسعى حكومته إلى فصل ملفه والتفاوض باسمه حول شروط المرحلة المقبلة.

وعليه، وأمام هذه التطورات، يبدو أن المفاوضات دخلت مرحلةً جديدةً من الجمود، في انتظار المزيد من المشاورات والاتصالات. فالأنظار تتجه نحو الزيارة التي سيجريها الرئيس ترامب، مساء الأربعاء، إلى العاصمة الصينيّة بكين، واللقاء الذي سيجمعه مع نظيره شي جين بينغ، في زيارةٍ تأتي في ظروفٍ حساسةٍ وفي ظلّ أوضاعٍ سياسيّةٍ مُعقدةٍ. وبالتالي، ستحدد القمة التي ستجمع بينهما، ملامح المرحلة المقبلة من التنافس الدوليّ، مع تركيز استثنائيّ على الملف الإيرانيّ وتداعيات الحرب الجارية، إذ تلعب الصين دورًا داعمًا لإيران التي تعتبرها "حليفًا" مهمًا ومحوريًا. وسبق الزيارة الأميركيّة، اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الإيرانيّ عباس عراقجي في بكين، وتمحورت حول حقوق بلاده ورؤيتها لواقع الصراع مع واشنطن. واستخدمت الصين حق النقض (الفيتو) مؤخرًا في مجلس الأمن الدولي، لمنع قرارٍ بفتحِ مضيقِ هُرمزَ بناءً على مقترح بحريني أُسقِطَ بمؤزارةٍ من موسكو، الحليف الآخر لنظام "الثورة الإسلاميّة". وفي واقعِ الحال، لا يمكن التعويل على نتائج "مثمرة" أو "استثنائيّة"، بل يمكن أن يفتح اللقاء أمام المزيد من التشاور والحوار بين البلدين. فضلًا عن أن المضيق يشهد حالةً من الغليان مع استمرار إغلاقه، والتحركات "الاعتراضيّة" التي تقع في عرض البحار. في حين كشفت وزارة الدفاع البريطانيّة، في بيانٍ لها أمس، أن وزير الدفاع جون هيلي سيترأس مع نظيرته الفرنسيّة كاترين فوتران اجتماعًا اليوم، يضمّ ممثلين عن أكثر من 40 دولة. ويسعى هذا الاجتماع إلى بحث مساهماتها العسكرية ضمن مهمة تهدف إلى مرافقة السفن التجارية، واستعادة حركة الملاحة عبر مضيق هُرمزَ.

هذا الاجتماع، الذي يُعد الأول من نوعه، يأتي بعد تصاعد الأحداث الأخيرة والمخاوف التي يثيرها ما يجري في هُرمزَ على استقرار الأسواق العالميّة. وفي هذا الإطار، لفت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أن بلاده "لم تُفكر يومًا" في نشر قواتٍ بحريةٍ داخل المضيق، بل في مهمةٍ أمنيّةٍ "مُنسقة مع إيران". وجدّد تمسكه بموقفه الداعي إلى حرية الملاحة والرافض لأي حصار من أي طرفٍ كان، إضافة إلى رفض فرض أي رسوم عبور من أي جهة. وكانت إيران حذّرت، يوم الأحد الماضي، لندن وباريس من أن قواتها المسلّحة سترّد بشكلٍ "حاسمٍ وفوريٍ" على نشرِ أيِ قطعٍ حربيةٍ. وترفع الردود المكرّرة والتصريحات الكلاميّة خطورة وتعقيدات المشهد السياسيّ برمته، وسط تحذيراتٍ من المخاطر المحدقة في حال استمرار التصعيد. إذ أفادت وكالة "بلومبرغ" أن الاحتياطيات العالميّة من النفط تُستَنْزَف بمعدلاتٍ غير مسبوقة منذ تعطل الملاحة. ويعني ذلك أن الأسواق ستبقى معرّضةً للصدماتِ بشكلٍ أكبر، حتى لو توقفت الحرب، مع انخفاض قدرة الحكومات على مواجهة هذه الصدمات، بطرحِ كمياتٍ إضافيّةٍ من مخزوناتِهَا النفطيّة في الأسواق. وتكمن الحلول الاقتصادية في السياسة وفي التوصل إلى اتفاقٍ بين طرفي الحرب، وتقريب وجهات النظر، وردم الفجوات الكبيرة، ما تعمل عليه إسلام آباد إلى جانب عواصم عدة أخرى، ولو بأدوارٍ ثانويةٍ.

ضمن هذا الجو المشحون، كثّفت دولة قطر تحركاتها الدبلوماسيّة عبر اتصالات أجراها رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، مع كل من رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف ووزير الخارجية الإيرانيّ عباس عراقجي، وتناولت أهمية دفع جهود التهدئة وتعزيز الأمن الإقليميّ، كما تجديد الدوحة لموقفها الداعي إلى عدم توظيف مضيق هُرمز كورقة ضغط ما من شأنه تعميق الأزمة وتعريض المصالح الحيوية لدول المنطقة للخطر. يُذكر أن ناقلة غاز طبيعي قطرية عبرت مضيق هُرمز، أمس، للمرة الأولى منذ بدء الحرب مع إيران، متجهةً إلى باكستان. في الأثناء، لا يأبه النظام الإيرانيّ لكل هذه "الضجة" بل يضع نصب عينيه أهدافًا مُحددة، خاصة أن تداعيات المُسيرّات والصواريخ التي انهمرت على دول الخليج - إلى جانب ما يدور في هُرمز- لا يزال صداها يترّدد في الأجواء. ومن هنا أدانت السعودية بأشد العبارات، الاستهدافات الغادرة للأراضي والمياه الإقليمية لكلٍّ من الإمارات وقطر والكويت، مجددةً "وقوفها مع كافة الإجراءات التي تتخذها الدول الخليجيّة الشقيقة لحماية أمنها واستقرارها"، فيما أعلنت وزارة الدفاع الكويتيّة، فجر الأحد، أنَّ قوات الجيش تعاملت مع عدد من المُسيّرات المُعادية التي دخلت مجالها الجوي. في غضون ذلك، التقى قائد مقر خاتم الأنبياء العسكري الإيرانيّ، علي عبد اللهي، المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، وتلقى منه "توجيهات جديدة لمواصلة العمليات العسكرية ومواجهة الخصوم بحزم"، وفق ما أفاد به التلفزيون الإيرانيّ الرسمي. وهذا الكشف تزامن مع إعلان الرئيس مسعود بزشكيان، يوم الخميس الماضي، عن لقاءٍ مماثل يحصل للمرة الاولى منذ تسلّم المرشد مهامه خلفًا لوالده الذي قضى بغارات أميركيّة – إسرائيليّة وسط تقارير متضاربة عن حالته الصحيّة وقدرته على إصدار الأوامر.

وتدور في الكواليس أحاديث كثيرة عن وجود خلافات بين أجنحة النظام الإيرانيّ وتضارب في وجهات نظرها وأجنداتها، بينما الأمور في الميدان غير واضحة للعيان مع غياب صوت الشعب الإيرانيّ الذي ينوء تحت همّ الحصار الاقتصاديّ والعقوبات التي تُزيد الأوضاع المعيشيّة صعوبة. وسبق للإيرانيين أن احتشدوا في الشوارع والأماكن العامة مطالبين بتحسين أوضاعهم قبل ان تقمعهم قوات الشرطة و"الحرس الثوري" وتتهم المتظاهرين بالتواطؤ مع جهات خارجيّة لإثارة الفتن وخلق الفوضى ونشر الخراب. وهذه الاجراءات ليست جديدة بل هي في تركيبة النظام، الذي يبدو متماسكًا، على الرغم من الضربات القوية التي تلقاها. وتستمد طهران قوتها أيضًا من نفوذها الخارجيّ وقدرتها على فتح جبهات جديدة وخلق توترات في أماكن أخرى، تمامًا كما يحصل في لبنان، الذي وجد نفسه بعد "حرب إسناد غزّة" عام 2024 متورطًا في حربٍ جديدة لا ناقة له فيها ولا جمل. وتنعكس تداعيات ذلك على البلاد والعباد، خصوصًا ان الاحتلال الإسرائيليّ يزيد من وحشيته وينكب على تغيير الجغرافيا وتدمير مساحات كبيرة وواسعة من البلدات والقرى الجنوبيّة. وفي ظل واقعٍ لم يعد فيه لـ"وقف إطلاق النار" أي أثر فعلي، تتصاعد العمليات العسكرية لتتجاوز حدود "المنطقة العازلة" التقليدية، واضعة طرفيّ النزاع، أي اسرائيل و"حزب الله" في دائرة مفرغة من التصعيد النوعي.

ففي التفاصيل، تتركز الإستراتيجيّة الإسرائيليّة الحالية على الضغط الناري الكثيف، وإنذارات الإخلاء القسري، والتدمير الممنهج للقرى ونسف البنى التحتيّة وصولًا إلى نهر الزهراني (يبعد عن الحدود مسافة تتراوح تقريبًا بين 30 و40 كيلومترًا). وصعّد الاحتلال من هجماته أمس ما أسفر عن سقوط ضحايا وجرحى جدد، بينهم مسعفون في "الهيئة الصحيّة الإسلاميّة"، في حين شيّعت السكسكية وبرج رحال أبناءهما الذين سقطوا جرّاء الاعتداءات المستمرّة. ويخوض "حزب الله"، على الضفة الأخرى، معركة من أجل الصمود في الميدان، حيث أعلن عن تنفيذ سلسلة هجمات استهدفت مواقع وآليّات للجيش الإسرائيليّ في الخيام ودير سريان. كما أعلن الحزب استهداف قيادي تابع للجيش الإسرائيليّ في مدينة الخيام بمسيّرتين انقضاضيتين، إضافة إلى قصف تجمع لآليات إسرائيلية قرب بلدية الخيام بقذائف المدفعية. وكشفت صحيفتا "معاريف" و"يديعوت أحرونوت" العبريتان تفاصيل هجوم نفّذه الحزب بمسيّرة متفجرة، استهدف منظومة دفاع جوي إسرائيليّة ووسائل قتالية متقدمة قرب شوميرا.

وينجح "حزب الله" في فرضِ معادلة استنزاف، مستفيدًا من سلاح المُسيّرات، الذي بات يُشكل "المعضلة" الأبرز للاحتلال. وتُسابق أحداث الميدان الجولة الثالثة من المفاوضات المزمع إنعقادها يومَي الخميس والجمعة المقبلَين، قبل الموعد المحدّد لانتهاء وقف إطلاق النّار في السّابع عشر من الجاري. ونقلت "هيئة البثّ الإسرائيليّة" عن مصدرٍ قوله إنّ المحادثات المقرّرة بين إسرائيل ولبنان هذا الأسبوع سيشارك فيها مسؤولون عسكريّون. وسط هذا التصعيد، يذهب لبنان إلى جولة المفاوضات متسلحًا بمطالب رئيسيّة أهمها وقف الاعتداءات الإسرائيليّة والتدمير اليومي مطالبًا بتدخل أميركيّ يضع حدًا لإنهيار اتفاق وقف النار، ولكن على الضفة الاخرى، لا يبدو أن مسار المحادثات معبدًا بالأرضية المشتركة رغم المساعي اللبنانيّة الحقيقيّة لتجنيب البلاد المزيد من الخسائر مع ارتفاع المخاوف من فتنة داخليّة والمزيد من الانقسام الطائفيّ بموازاة "سلاح" النزوح، الذي بات همًا يؤرق الحكومة الساعية إلى تأمين المساعدات والبدائل للذين تركوا منازلهم ويُصعب العودة اليها رهنًا.

الجبهة اللبنانيّة المفتوحة على كل الاحتمالات والسيناريوهات تتزامن مع ما يجري في المنطقة من أحداث، ففي العراق، تواجه مهمة رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي المزيد من العراقيل وسط معلومات من مصادر متقاطعة عن وجود "فيتو" إيرانيّ يقضي بمنع إقصاء الفصائل المسلحة من الحكومة العراقيّة، مؤكدة أن طهران طالبت ممثلي "الإطار التنسيقي"، بعدم التصويت لصالح حكومة "تمسّ بنفوذ حلفائها وتركيبة حضورهم داخل الدولة". وإن صح ذلك، فإن التشكيل سيدخل في إطار الجمود وتقاذف المسؤوليات خاصة أن بغداد تشهد صراعًا أميركيًا – إيرانيًا محتدمًا. إلى ذلك، الأوضاع في غزّة على حالها من التسويف في تطبيق الهدنة الهشة ورفض الاحتلال الإسرائيليّ تنفيذ بنود خطة الرئيس ترامب، بينما يودع القطاع كل يوم المزيد من الشهداء وسط حالة خوف شديدة من تدهور الوضع الصحي أكثر جراء استمرار العراقيل بإدخال المساعدات.

كل هذه المستجدات كانت محور متابعة من قبل الصحف العربية الصادرة اليوم. وفي الجولة الصباحيّة تركيزٌ على أهم ما ورد فيها:

اعتبرت صحيفة "الرياض" السعودية أن "المفهوم المتطور لحسم الحرب لم يعد تقنيًا بالدرجة الأولى فالعالم اصبح مفتوحًا على بعضه وأصبحت الدول البعيدة والقريبة من ساحات المعارك تساهم في تحديد مسار تلك الحروب، فالانفتاح الدولي اصبح بوابة مهمة في القرن الحادي والعشرين الذي أهم ما سوف يميزه انه القرن الذي سوف يعاد فيها تشكل وبناء منظومة التفوق الدولي". وقالت " الدرس الأهم من حرب أميركا وإيران يؤكد أن معايير الانتصار في الحروب أصبحت أكثر اتساعًا خارج المنظومة العسكرية وعدد الأسلحة والجنود، فكما يبدو للعالم فإن معايير القرن الحادي والعشرين تتحول من قوة التأثير العسكري إلى قوة التأثير الدبلوماسي والسياسي الواقعي المتزن، وهذا ما أثبتته الدول الرائدة في المنطقة التي استطاعت ان تتعامل مع هذه الحرب بواقعية كبرى ساهمت في دفع الأطراف الى طاولة المفاوضات بعيدا عن مسار التدمير العسكري".

من جانبها، لفتت صحيفة "الأهرام" المصرية إلى أن "القمة الصينيّة - الأميركيّة تكتسب أهمية كبيرة، تنبع ليس فقط أنها قمة بين أكبر اقتصادين في العالم وبين أكبر قوتين تتصارعان على النظام الدولي، وليس فقط من الملفات الشائكة بينهما خاصة الحرب التجارية، وإنما أيضا أنها تنعقد هذه المرة بعد اندلاع الحرب على إيران، واستمرار حالة الجمود المسيطرة عليها دبلوماسيًا وعسكريًا"، موضحة أن "الموقف الصيني من حرب إيران تحكمه ثلاثة محددات، أولها: رفض منطق القوة الأميركية فى شنّ الحروب وعسكرة العلاقات الدولية، وثانيها: مصلحة الصين فى عدم انتصار اميركا عسكريًا على إيران، والتي تُعد حليفًا استراتيجيًا أساسيًا لها، لأن هذا سيغري أميركا بالاستمرار فس سياسة الحروب واستخدام القوة، وثالثها: تعظيم المصالح الصينية، فالصين هس المتضرر اقتصاديًا من إغلاق مضيق هُرمز وحصار الموانىء الإيرانية".

وكرّرت صحيفة "الخليج" الإماراتية حديثها عن الاعتداءات الإيرانيّة، حيث وضعتها في إطار إصرار "النظام على نهجه المعادي لدول الخليج العربية، ورفضه أن يسلك الطريق الصحيح في الحفاظ على خط الرجعة بإقامة علاقات حُسن جوار ممكنة، بعيدًا عن أحلام السيطرة والنفوذ وفرض الإرادة"، مضيفة " ما دام النظام الإيراني يركب رأسه، ويصرّ على ارتكاب الجرائم بحق دول الخليج، فإنه لن يسلم من المساءلة والعقاب الدوليين، ولا بد أن يدفع ثمن ما يرتكبه بحق المدنيين والأعيان المدنية، وهو ما بدأته دولة الإمارات من خلال تشكيل اللجنة الوطنية لتوثيق العدوان والجرائم الدولية والأضرار الناجمة عنها، وذلك في رسالة واضحة للمعتدي بأن كلفة العدوان لن تقتصر على الميدان، بل ستمتد إلى الملاحقة القانونية الدولية"، وفق تعبيرها.

وعن زيارة رئيس الحكومة اللبنانيّة نواف سلام إلى دمشق، كتبت صحيفة "اللواء" اللبنانية " ترتيب العلاقات الثنائية مرتبط بترتيب أوضاع المنطقة كلها تمهيدًا لمشاريع الحلول السلمية التي يُكثر الكلام عنها تحت ضجيج الطائرات الحربية والبوارج وحاملات الطائرات وحشد آلاف الجنود، لذلك تسعى الحكومة الى تسريع معالجة الملفات العالقة ليكون البلدان جاهزان لتلقّف ما سيتمخض من مساعي التسويات والتهدئة وربما تحقيق السلام"، مؤكدة أنها "زيارة لبنانية الى سوريا من ضمن زيارات فتح الصفحة الجديدة، لكن يبدو من مسار الزيارات التي بدأت منذ سنة، ان آليات المتابعة واتخاذ القرارات والتنفيذ بطيئة جدًا، ربما بسبب إنشغال البلدين بالحرب الإسرائيلية وبتطورات الحرب الأميركية – الإيرانية. فإذا استمرت هذا الوتيرة البطيئة في معالجة كل هذه الملفات ستبقى العلاقات متأرجحة بين هبّة باردة وهبّة ساخنة لاسيما على الصعيد الأمني والحدودي حيث ينتشر المسلحون والمهرّبون على جانبي الحدود. لذلك فالضرورات الطارئة تفرض على البلدين تسريع هذه الوتيرة والبدء بإقرار ما يجب إقراره وتنفيذه بلا تأخير".

الموضوع عينه تحدثت عنه صحيفة "الثورة" السورية التي أشارت إلى أن "إصرار دمشق على إجراء القمة السورية – اللبنانية، لا يمكن فصلها عن إعادة إدماج لبنان في محيطه العربي والإقليمي، والذهاب نحو تنسيق منظم وسيادي في التفاوض المفتوح مع إسرائيل، والأهم أن دمشق الداعمة لمسار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، أقفلت من جانبها كل منافذ الحدود، لمساعدة لبنان في حصر الخسائر والضغط على "حزب الله" للقبول بالوقائع الحالية، وهذا يحتاج بالوقت نفسه لحزم سياسي داخلي تجاه الحزب، تمامًا كما فعلت دمشق مع "قسد"، مستنتجة أنه " ما دون ذلك، فإن لبنان سيكون أمام مخاطر جمة، تهدد وحدته، ووجوده، وكيانه، كما تهدد جغرافيته السياسية، لأن الأطماع الإسرائيلية معروفة جنوبًل، وسلوك "حزب الله" يحتاج للجم، وأي افتراق مع سوريا سيعني خطرًا جديدًا على الشرق. من هنا فإن مبادرة الرئيس نواف سلام إلى دمشق، متجاوزًا ضغائن بعض الأطراف تجاه سوريا، قد يجنب البلاد والمنطقة خطر التفتت، والانهيار والاقتتال".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن