صحافة

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ووقائعها

خليل حسين

المشاركة
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ووقائعها

أطلق الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، مقترحاً لإطلاق مفاوضات لبنانية إسرائيلية، كمخرج للوضع القائم حالياً، ذلك وسط حرب إسرائيلية تمددت إقليمياً وبات لبنان جزءاً منها. وغريب المفارقات، الموقف الإسرائيلي الرافض للمقترح، بينما يبدو الموقف الفرنسي داعماً وبقوة له، فيما يظهر الرفض الأمريكي الداعم عملياً لإسرائيل ومواقفها. وفي أي حال من الأحوال يعتبر المقترح نوعاً من كسر حلقة الأزمة القائمة.

وفي واقع الأمر وعند التدقيق في المقترح، يظهر انقسام اللبنانيين حوله، وهو أمر معتاد عليه في الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود طويلة، إلا أن هذه المرة يكتسي أسباباً أكثر قساوة، على قاعدة نتائج الحرب القائمة منذ انطلاقها، وفي واقع الأمر يعتبر هذا المقترح هو الأول من نوعه الذي يطلقه لبنان، وهو معاكس بشكل عام لمسارات الدعوات للتفاوض اللبناني الإسرائيلي، إذ ظل لبنان في إطار الرفض للتفاوض المباشر، وربط وضعه سابقاً بالوضع العربي بشكل عام.

ومن الطبيعي أن يكون الوضع القائم حالياً، وضعاً يساير الموقف الإسرائيلي، الذي تمكّن سابقاً من إحراز مكاسب ميدانية كثيرة، بمعنى آخر، لقد تعززت أوضاع إسرائيل، وباتت قادرة على فرض شروطها في أي تسوية ممكنة في المستقبل، بخاصة رفض تل أبيب لمجمل المقترح جملة وتفصيلاً، في وقت يبدو مقترح لبنان هو الدعوة لمفاوضات من دون شروط أو مقترحات منفّرة، فيما بعض الأطراف اللبنانية وضعت شروطاً مسبقة لقبول التفاوض، من بينها وقف إطلاق النار أولاً، وعودة اللبنانيين إلى قراهم، وإطلاق سراح الأسرى، وهي من حيث المبدأ، مطالب موضوعية، لكنها لا تستند إلى أي معطيات أو قدرة لفرضها على الجانب الإسرائيلي.

في الواقع، يعتبر المقترح اللبناني سابقة في الحياة السياسية اللبنانية، فلم يسبق أن أطلق لبنان مقترحاً محدداً، بل كل ما كان يعمل عليه كان جزءاً من مشاريع إقليمية ودولية غالباً ما كانت تتلاشى وتنتهي من دون أثر. وفي الواقع لا تعتبر المفاوضات أمراً مستجداً، بل له سوابق توصلت في بعضها لنتائج عملية تم التعامل فيها لفترات ليست بقليلة، كانت بدايتها بعد الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948 التي أنتجت اتفاقية الهدنة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في مارس/آذار 1949، إضافة إلى مفاوضات عام 1983 التي أجريت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو/حزيران عام 1982، والتي أنتجت اتفاقية 17 مايو/أيار التي ألغيت في عام 1984 من الجانب اللبناني.

محطة أخرى من التفاوض بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي التي أدت في عام 2022 إلى اتفاق حول ترسيم الحدود البحرية على قاعدة تقاسم الموارد الغازية والنفطية في المياه الإقليمية والاقتصادية لكلا الطرفين، وقد حددتها ورعتها الولايات المتحدة، إلا أن حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وانهيار النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024، والحرب على لبنان، أعاد خلط الأوراق من جديد بين لبنان وإسرائيل، ما أدى إلى انطلاق مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة عبر لجنة "الميكانيزم" التي ضمّت الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة عبر اليونيفل، وهي مفاوضات انطلقت في إطار تقني، ما لبثت أن تحولت إلى مفاوضات سياسية بعد ضغوط إسرائيلية، حيث أدخل في عدادها مفاوضون مدنيون - دبلوماسيون من الطرفين اللبناني والإسرائيلي.

ثمة تحديات كثيرة تواجه لبنان، حيث يخضع لضغوط متعددة الأوجه في وقت لا يملك أوراقاً ذات شأن قابلة للبناء عليها. سيما أن الواقع اللبناني الحالي صعب جداً، فهو يرزح تحت ضغوط العمليات العسكرية الإسرائيلية، والضغوط الدبلوماسية الإقليمية والدولية للمضي في مسار تفاوضي محدد الأهداف.

إن أسس أي تفاوض مؤثر بين الأطراف يخضع لميزان القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيره من المقاييس، الأمر الذي يفتقده لبنان حالياً وهو غير قادر فعلياً على التأثير في مجرياته عملياً، وبالتالي مضطر للسير وسط مصاعب تتطلب حذاقة تفاوضية وتواصلاً فاعلاً مع القوى الدولية التي يمكنها مساعدته، وهو أمر مفقود حالياً بفعل شبكة التحالفات التي تقيمها إسرائيل وتفرضها مع معظم الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن